إن
المعلم هو ركن أساسي في بناء
المجتمعات، فعليه الاعتماد في بناء
عقلية الأجيال، ولذلك احتفى الإسلام
بالمعلم، فالداعية ما هو إلا معلم.
ولذلك كان من المهم إلقاء الضوء على
حال المدرسين مع الدعوة، وكيف تتم
ممارستها في الوقت الحاضر، والتعرف
كذلك على سبب عزوف البعض منهم عن
الدعوة داخل نطاق المدرسة، وغيرها من
الأمور التي تساعد الإجابة عليها في
تفعيل دور المعلم والمدرَسة دعويا.
محاور
ومحاذير
كان
لنا لقاء مع بعض الممارسين للدعوة في
إطار عملهم كمدرسين من أجل التعرف على
كيفية قيامهم بالجمع بين الدعوة
والتدريس. من جهته يؤكد علي خطاب -مدرس-
أن عمل المدرس كداعية يعتمد على عدة
محاور، هي: الدعوي والمهني والمؤسسي.
ويشير إلى أن المدرس كي يقوم بدوره
الدعوي لا بد أن يكون قدوة ومتميزًا
في خُلُقه وعمله، وعليه أن يبدأ عمله
مع زملائه وإدارة المدرسة ثم الطلاب.
وعن
المعوقات والمحاذير التي يمكن أن
تعوق عمل المعلم كداعية يرى "علي
خطاب" أن المعوقات في مجال عمل
المدرس كداعية لا تكاد تذكر؛ لأن
المدرسة تعتبر مجالاً مفتوحًا للعمل
الدعوي، خاصة أن الجمهور المتلقي هم
الطلاب والذين يعتبرون جمهورًا جيدًا
للتلقي، مشيرًا إلى أن المحاذير
الأمنية أيضًا يمكن التغلب عليها،
خاصة أن النشاط الدعوي له صور كثيرة،
كالتفاعل، وحسن الأداء، والكلمة
الطيبة، كما أن المعلم أولاً وأخيرًا
قدوة يتعلم الطلاب منه، وهذا جانب
يصعب محاصرته أو منعه.
ويضيف
"خطاب" أن المهم هو أن يعمل
المدرس ويعطي طلابه حقهم، ويعاملهم
معاملة طيبة؛ لأن ذلك هو بداية نجاحه
كمعلم وداعية لهم في نفس الوقت.
ولم
يختلف "علي فرج" -مدرس- في حديثه
عن زميله، حيث قال: "إن ممارسة
المدرس للدعوة تتطلب أولاً وضوح
أهميتها في ذهن المدرس، وفهمه
لرسالته"، مؤكدًا على أن الدعوة
والتعليم لا ينفصلان، واستشهد بقول
الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنما
بعثت معلما".
ويضيف
"فرج" أن الجمهور الذي يستهدفه
في مجال الدعوة داخل المدرسة هم كل من
يتعامل معهم، من الطلاب وأولياء
الأمور وزملاء العمل، حتى العمال،
موضحًا أن لكل فئة صيغة مختلفة
للدعوة، ونسبة الاستجابة مختلفة بين
الأفراد، ولكن الذي يبذر بذرة عليه أن
يعلم أن النتيجة قادمة.
وأشار
"علي فرج" إلى عدد من الأساليب
التي يتبعها لممارسة الدعوة من خلال
عمله كمدرس، فقال: "إن الدعوة يمكن
أن تتم عن طريق وسائل كثيرة ما دام
الهدف واضحًا في ذهن المدرس، وأولى
وسائل نجاح المعلم كداعية أن يكون
متقنا لمادته التي يقوم بتدريسها،
وأن يحرص على تعليم السلوك القويم
بطريقة غير مباشرة".
ويرى
"فرج" أن هناك معوقات للدعوة
داخل المدرسة، أهمها: الفساد الخلقي
المنتشر، بالإضافة إلى القوانين
المقيدة التي تمنع ممارسة المدرس لأي
عمل غير التدريس داخل المدرسة، وكذلك
وسائل الإعلام الفاسدة التي تؤدي إلى
هدم ما يمكن أن يبنيه المعلم الداعية.
ويختتم
علي فرج كلامه بالحديث عن طموحاته
الدعوية داخل المدرسة، حيث يقول: "أطمح
في أن يصل مفهوم التعليم كدعوة أو
الدعوة عن طريق التعليم إلى جموع
المعلمين، وأن تكون هناك مساعدة من
أولياء الأمور بإعطاء الفرصة للمعلم
كي يمارس دوره كداعية، وأن يتم تهيئة
الجو لخلق الانسجام النفسي لدى
الطلاب".
وللإدارة
أيضا دور
لا
تتوقف ممارسة الدعوة داخل المدارس
على المدرس فقط، ولكنها تتعدى أيضا
إلى الإداريين. تقول عزة صلاح الدين -عميدة
معهد أزهري للفتيات-: "إنه نتيجة
كون المعهد تابعًا للأزهر فإن كل حصة
من الحصص التي تلقى على أسماع
الطالبات هي فرصة لنشر الدعوة بين
الطالبات"، مؤكدة أن المعهد لا
يستطيع أن يفرق بين الدين والسلوك
والعمل اليومي للتدريس. وترى العميدة
أن من مهام المدرس تعليم النشء الصدق
والأمانة وعدم الخيانة، وغيرها من
القيم التي ترتبط ارتباطا وثيقا
بالتعاليم الإسلامية، مما يجعل العمل
المدرسي اليومي مجالاً مفتوحًا
للنشاط الدعوي بين الطلاب.
وتقول
"عزة": "إن هناك الكثير من
الوسائل التي تستثمرها الإدارة
المدرسية في النشاط الدعوي، منها على
سبيل المثال الإذاعة المدرسية، التي
يتلى فيها القرآن الكريم، وتلقى فيها
الأحاديث النبوية الشريفة، وبعض
المواد التي تحض على السلوكيات
والأخلاق الطيبة".
وتضيف
العميدة: "إن المعهد حريص أيضًا على
عقد ندوات دينية خاصة في المناسبات،
من أجل تذكير الطالبات بأهمية
المناسبة وما يجب عليهن فيها"،
مشيرة إلى أن تلك الندوات تشهد حضورًا
كبيرًا من الطالبات اللاتي يشاركن
بشكل فعال بها من خلال إلقاء الأسئلة
على العلماء والدعاة الذين يحاضرون
في الندوة".
البعض
لا يمارس الدعوة
البعض
من المدرسين لا يمارس النشاط الدعوي
بين الطلاب، ولهم في ذلك أسباب مختلفة.
يقول "محمود علي" –مدرس-: "إن
المدرسة من المفترض أن تؤدي أدوارًا
محددة، على رأسها تعليم القيم
والأخلاق، ونشر تعاليم الإسلام بكافة
الصور، إلا أن هناك أسبابًا قد تعوق
المدرس -خاصة في المدارس الحكومية- عن
ممارسة أي نشاط دعوي بين الطلاب،
أهمها: ضغط العمل وضيق الوقت، حيث بجد
المدرس نفسه أمام منهج عليه أن ينهيه
بالشكل المطلوب وفي وقت محدد، فيكون
ذلك هو شغله الشاغل الذي يمنعه من
التفكير في شيء آخر".
بينما
تشير "رانيا محمد" -مدرسة- إلى
أنها لا تجد وقتًا لممارسة أي نشاط
دعوي داخل المدرسة، كما أنها ترى أن
المدارس بشكلها الحالي وما تعانيه من
تكدس الطلاب، وضيق الوقت مقارنة
بالمناهج المفروضة في العام الدراسي،
لا تصلح لأن تكون مكانًا مناسبًا
لممارسة أي شكل من أشكال الدعوة
الإسلامية!. وتقول: "إنني أدرس مادة
الرياضيات باللغة الإنجليزية،
وبالكاد يكفي وقت الحصة لشرح الدرس
وتدريب الطلبة على بعض المسائل، هذا
بالإضافة إلى أن عدد الطلاب داخل
الفصل الواحد -حتى في المدارس الخاصة-
يصل في الأغلب إلى أكثر من 50، مما
يجعلني عاجزة حتى في مجرد حفظ أسماء
الطلاب، فكيف أساهم في العمل الدعوي
بهذا الشكل؟!".
وتتفق
"هبة عبد المنعم" -مدرسة- مع
رانيا في عدم كون المدرسة في الوقت
الحاضر ساحة مناسبة لممارسة الدعوة،
ولكنها ترجع السبب في ذلك إلى اختلاف
طبيعة الطلاب الذين لا يقبلون النصح
والإرشاد، ولا يحترمون المدرس،
بالإضافة إلى تشجيع الأهل لهم على ذلك.
وتوضح أنها على هذا الأساس فإنها تقوم
بواجبها فقط كمدرسة، دون التطرق إلى
أي أمر من أمور الدعوة.
طلاب
وطلاب
وبالالتقاء
مع عدد من طلاب المدارس العامة، أجمع
معظمهم على أنهم لا يتلقون أية جرعة
دعوية داخل مدارسهم نتيجة ازدحام
المناهج وضيق الوقت. في حين كان الأمر
مختلفًا مع طلبة المدارس الدينية -المعاهد
الأزهرية- الذين أكدوا على أنهم
يتلقون بجانب دراستهم جرعة دعوية
مكثفة، من خلال الندوات والمواعظ
التي يلقيها عليهم أساتذتهم في
المواقف المختلفة، بالإضافة إلى
المسابقات الدينية التي تقام لتشجيع
الطالب على تحصيل المعرفة الدينية
وحفظ القرآن، الذي يعد السلاح الأول
للداعية.
صفات
المدرس الداعية
وحول
أهمية ممارسة المدرس للدعوة يقول
الدكتور محمد متولي منصور، الأستاذ
بجامعة الأزهر: "يعد المعلم هو رأس
العملية التعليمية، ويأتي على قمة
الهرم التعليمي الذي يتكون من المعلم
والمتعلم والمنهج، ولا شك أنه إذا
أُعِدَّ المعلم إعدادًا جيدًا، فمن
الممكن أن يصبح داعية لتلاميذه،
يبثهم أفكاره وأخلاقه، بل إنني أعتقد
أنه سيكون أكثر نجاحًا في أداء دوره
من الداعية الرسمي المكلَّف؛ ذلك لأن
المعلم يصوغ المفهوم الدعوي ضمن
الحديث عن منهجه، فيتلقاه طلابه
بطريق غير مباشر، وهذا يؤدي إلى
استقراره في النفس، وإلى محاولة
تطبيقه على أرض الواقع".
ويحدد
الدكتور منصور صفات المدرس الداعية
قائلاً: "لن يكون المعلم داعية إلا
إذا تحلى بالصفات التي اتفق العلماء
قديمًا وحديثًا على ضرورة توفرها في
جميع المعلمين، ومن أبرز هذه
الصفات ما يلي:
أولاً:
الشفقة على المتعلمين، وذلك بأن
يعامل المعلمُ المتعلمَ كابنه تماما،
وذلك واضح في توجيه الرسول صلى الله
عليه وسلم للمؤمنين عامة وللمعلمين
خاصة في قوله: "إنما أنا لكم مثل
الوالد لولده"، ويقصد الرسول صلى
الله عليه وسلم بذلك إنقاذهم من نار
الآخرة، وهو أهم من إنقاذ الوالدين
ولدهما من نار الدنيا، ولذلك قرر أن
حق المعلم أعظم من حق الوالدين،
فالوالد سبب الوجود الحاضر، أما
المعلم فهو سبب الحياة الباقية.
ثانيًا:
ضرورة اقتداء المعلم بصاحب الشرع
الحنيف صلى الله عليه وسلم في عدم
المنة على المتعلمين؛ لأن تعلمه
نعمة، كما أن تعليمه لطلابه نعمة،
والنعمة لا يُمَن بها؛ لأن المَن بها
يؤدي إلى زوالها.
ثالثًا:
ألا يترك المعلم من نصح المتعلم
شيئًا، بل يجب عليه أن يستمر في نصحه؛
لأن النصيحة واجبة من المعلم للمتعلم.
رابعًا:
يجب على المعلم أن يمنع المتعلم عن
الأخلاق السيئة بطريق التعريض لا
بطريق التقريع، وبطريق الرحمة لا
بطريق التوبيخ والتعنيف، فربنا يقول
لرسوله صلى الله عليه وسلم: ]وَلَوْ
كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[.
خامسًا:
يجب على المعلم أن يتصل بالمتعلم على
قدر فهمه، ويخاطبه على قدر عقله.
سادسًا:
يجب على المعلم أن يراعي أحوال
المتعلمين في مستوى التحصيل
والإدراك، وأن يراعي الفروق الفردية
بين طلابه.
سابعًا:
يجب على المعلم أن يكون عاملاً بعلمه،
قدوة فيما يقول، وأسوة فيما يفعل؛
لأنه المؤثر الأول بعد الأسرة في
تكوين فكر طلابه وتهذيب أخلاقهم.
ويؤكد
الدكتور محمد متولي منصور أن المدرسة
إلى جانب أنها مؤسسة تربوية تعليمية
تعد كذلك مؤسسة دعوية في المقام الأول.
ويشير إلى أن الجمهور الذي توجه إليه
الدعوة من خلال المدارس هو جمهور
متعدد ومتنوع، يأتي في مقدمته بالطبع
الطلاب، ثم تنتشر هذه الدعوة من خلال
الطلاب في أسرهم وفي أصدقائهم، وفي
المجتمع الذي يعيشون فيه، وهذا مما
يبين أهمية لفت أنظار القائمين على
أمر التربية والتعليم في بلادنا إلى
واجبهم الدعوي من خلال حث المعلمين
على تطويع المناهج الدراسية لخدمة
الدعوة الإسلامية، كما يؤكد على
ضرورة التعاون المستمر بين القائمين
على أجهزة الدعوة في الدولة، وجميع
القائمين على العملية التعليمية، ففي
التعاون بينهما تؤتي الدعوة ثمارها
المرجوة ونتائجها المرتقبة.