الكشكول

المعلمة الداعية.. التكوين والأدوار

أسماء جبر أبو سيف

27/09/2005

يستقي مفهوم "المعلمة الداعية" من مبدأ الرسالة التي يحملها كل مسلم في هذه الحياة، فهو والتي هي امتداد للنور الذي جاء به الأنبياء وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، والدور الذي حدده القرآن الكريم حين قال: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)؛ وهذا المفهوم مرتبط بمفهوم "شمولية الدعوة" كمنهج حياة للإنسان، ويحيي الأرض ويحيي الحضارة ويرتقي بالمجتمعات.

نظرة على الواقع

وإن أخطر موقع يشكل عقلية الجيل هو التعليم، وهو أكثر تأثيرا -كما ونوعا- من المؤسسات الدعوية الأخرى العامة والخاصة، ذلك أن المعلم يغذي تراكمات في العقل اللاواعي الجمعي والفردي لمجموع الجيل، ويتحكم هذا التراكم في شخصية الفرد وأفكاره وثقافته وتوجهاته الدينية والوطنية والثقافية.

كيف إذا عرفنا أن قطاع الإناث يشكل ما نسبته 50% تقريبا من المجتمعات العربية، مما يؤثر تأثيرًا بالغًا في توجهات الأمة بالإضافة لكون الإناث هن المعنيّ أساسا بتربية الأجيال، سواء منزليا أو مدرسيا، مما يجعل المهمة الملقاة على عاتق الجهات الإسلامية الرسمية وغير الرسمية المعنية بإعداد المعلمات الداعيات أكثر دقة وحساسية وأهمية، ذلك أن التغيرات تتسارع، والحراك الاجتماعي والثقافي والاقتصادي يلعب دوره بسرعة مذهلة في المجتمعات العربية والإسلامية.

والناظر في الواقع التعليمي والتربوي يجد مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالدعوة في مدارس الإناث:

1 - تنتشر الدعوة بين المراهقات من سن 14  تقريبا فما فوق، ويكوِّنَّ جماعات مساجد ومصليات ولجان أنشطة دعوية مختلفة، ويتم ذلك غالبا برعاية معلمة من داخل المدرسة.

2 - تميل الفتيات بشكل أكبر من الفتيان إلى الانجذاب للدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي، ذلك أن المجتمع عزز حرية الشاب وشدد على الحفاظ على الفتيات.

3 - تميل بعض الفتيات إلى التشديد على أنفسهن في الحجاب والصيام والعبادات؛ نظرًا لطبيعة المراهقة وما فيها من تطرف عاطفي، ويعزز ذلك أسلوب بعض المعلمات الداعيات من اتجاهات إسلامية مختلفة.

4 - تعلق الفتيات بالمعلمة الداعية تعلقًا شخصيًّا.

5 - عزلة هؤلاء الفتيات عن مجتمعهن المحيط، مما يشكل نقطة صدام بينهن وبين هذا المجتمع، وبعضهن يصطدمن مع ذويهن وبطريقة غير مقبولة وخلافا لمبدأ بر الوالدين، وهو خلق أساسي في السلوك اليومي للمسلم.

مهام المعلمة الداعية

وهناك مهام مطلوبة من المعلمة الداعية، عليها أن تسعى لتحقيقها، أذكر منها:

1 - الإرشاد والتوجيه، حيث تنظر الفتيات للداعية على أنها مرجعية في حل المشكلات واللجوء إليها في الأزمات، فعلى الداعية المعلمة أن تقرأ وتتعلم فنون الإرشاد والتوجيه الاجتماعي قدر استطاعتها، لتكون السند الذي يخفف الأعباء، والصدر الحنون الذي تلجأ إليه الفتاة حينما تفتقد العطف والدفء الأسري، وتقبل المشكلات بصدر رحب، ومراعاة الضعف البشري لديهن.

2 - التنويع في أساليب الوعظ والإرشاد، فتستخدم القصة، وعروض الحاسوب، والمجلة، والإنترنت، والألعاب التعليمية النشطة، والحوارات، والندوات الطلابية... لتوصيل المفاهيم المختلفة، وإذا وعظت أن تختصر الموعظة، وإذا أرشدت أن تحسن التوجيه.

3 - أن تحسن علاقتها بالإدارة والزميلات بالمحبة والإيثار والتواضع، مع الحفاظ على الشخصية الواثقة الراسخة.

4 - أن تركز على جوهر الدين، وهو إصلاح القلب والإيمان والارتقاء بالروح، لأنني ألاحظ التركيز على الحجاب ومظاهر الدين، وإهمال الجوهر الأساسي في صلاح الفتاة، فالفتاة المراهقة تكون محتاجة لحياة روحية راقية نظرا لحساسية روحها ورومانسيتها، وهذا سيبعدها عن مواطن الفساد، والعلاقات مع الجنس الآخر، والتعلق الروحي بزميلاتها بحثا عن متعة الروح والعاطفة.

5 - أن تعمل على تكوين شخصية مميزة للفتاة المسلمة، شخصية.. واثقة، متفتحة، متوازنة، متواضعة، رءوفة بالصغار والكبار، حيث ألاحظ أن بعض الفتيات حين يلتزمن بالدين يصبحن أكثر عصيانا وتطاولا على آبائهن، بحجة أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويكون طلب الأهل غالبا طبيعيا لا معصية فيه، وبدوافع الخوف على الفتاة وحمايتها من وجهة نظر الأهل.

قد تقول المعلمة الداعية أن المطلوب منها كثير، أقول لك: نعم يا أختي.. المطلوب كثير، والحرب على الأخلاق شرسة، وإن لم نكن قدر المسئولية الملقاة على عواتقنا كدعاة، فلنعد أنفسنا للمهمة، فالحساب عند الله كبير لمن نصّب نفسه معلما للناس ومرشدًا، كما أن أجره إن هو أحسن الأداء كبير بإذن الله.

وسائل لتنمية الشخصية

إن كل المهام المطلوبة من المعلمة الداعية تتطلب منها مهارات متنوعة، وأساليب جاذبة، وقدرات مميزة للتعامل مع كل فئة، وألخص فيما يلي وسائل تنمية الداعية المعلمة لتكون قادرة على خوض هذا الميدان الحساس:

1 - امتلاك شخصية كارزماتية جاذبة ومحبوبة، وتراعي حساسية الآخرين وإنسانيتهم، ولا تتشدد عليهم بالأحكام الشرعية، وتتعامل بمنطق إنساني شامل يحترم المسلم والإنسان بشكل عام.

2 - التواضع، وألا تنصّب المعلمة نفسها قاضية تحكم على الطالبات، ولا تعطي لنفسها حق وصف أية طالبة أو وصمها بأي صفة، بل يكون دورها (ادفع بالتي هي أحسن) بالإيجابية والرفق، وأن تجمّع ولا تفرق.

3 -  تنمية الثقافة الذاتية وتنويعها، والأساس أن تكون متمكنة من ثقافتها الشرعية، ولا تعطي نفسها حق نقل الفتيا حتى تتعلم الدورات الشرعية وتثقف نفسها فقهيا، فمجرد الالتزام بالدين لا يكفي لتكون المعلمة مفتية في شئون الدين، لكن يكفيها أن تكون وسيط خير بين طالباتها وبين العلماء والشيوخ، وأن تكون محل ثقة لطالباتها حتى تصبح مرجعًا لهم، كما أن ثقافتها يجب أن تشمل المواضيع السائدة في المجتمع المحلي من مشكلات وقضايا، بالإضافة للاطلاع على الإنترنت والقراءة المتنوعة الفكرية والشرعية وكتب تكوين الشخصية.

4 - تنمية مهارات التأثير في الآخرين والتدرب عليها، وحضور دورات تتعلم فيها فن الحديث والخطابة، والاتصال السليم مع الآخرين، ومهارات السيطرة على الذات، ولا تعتمد على القدرات الفطرية لديها.

5 - أن تحفظ قدرًا لا بأس به من القرآن والسنة، والشواهد والقصص.

6 - التنمية المهنية وتعزيز التحقق الأكاديمي لتكون قدوة في حب العلم.. من التعلم، والإبداع الأكاديمي والمهني والعلمي.

عوائق تحتاج إلى فكر

وأخيرا أشير إلى العوائق التي تعترض المعلمة الداعية في مدارس الإناث، وهذه العوائق تحتاج إلى تدارس حول كيفية التعامل معها وتجاوزها:

1 - السياسات والقوانين التعليمية العامة التي تشدد على منع الدعوة في المؤسسات التعليمية.

2 - الإدارة المتعصبة وغير الملتزمة التي ترفض أي عمل يتعلق بالدين.

3 - نظام الحصص اليومي الذي يضع الطالبة والمعلمة في ضغط تعليمي متواصل لا يتيح الفرصة لتكوين العلاقات وإقامة أنشطة دينية في المدارس.

4 - الهجمة الإعلامية الشرسة على عقول الفتيات، والإغراء لمجموعة من الفتيات بتتبع الموضة والتعلق بالمطربين وبأبطال رومانسيين وهميين، مما يتطلب عملا كثيرا ومتفتحا، ويراعي الخصائص النمائية للجيل، وثقافة البلد واتجاهات المجتمع.

5 - قلة عدد المعلمات الداعيات وانشغالهن بتدبير معيشتهن وأطفالهن.

وأخيرا -أختي المعلمة الداعية- أدعوك لتلمُّس البشرية الضعيفة، واحتياجات طالباتك وزميلاتك المعلمات، وركزي على تعليم محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وسيرة الصحابيات الجليلات، وأشبعي لديهن الحاجة إلى المرجعية المتفهمة الواثقة الودودة.

أسأل الله تعالى أن يهدي هذا الجيل لما يحب ويرضى.. آمين.

 

الصفحة الرئيسية

النطاق الدعوي

استشارات دعوية

العائدون إلى الله

استشارات إيمانية

فتاوى مباشرة

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتوى

برامج رمضانية للدعاة

مشاكل وحلول

معًا نربي أولادنا

ساحة الحوار

صفحات وملفات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع