ومن
أهم فوائد تدبر القرآن الكريم أن
التدبر هو المقصود الأول من
القراءة والتلاوة؛ لأن بالتدبر
يحصل فهم مراد الله تعالى، مما
يترتب عليه تأثر المرء بكتاب الله
فيدفعه إلى العمل.
كما
أن التدبر يجلب للمرء قواعد القرآن
وكلياته، فيتقلب بين خطابات الله
تعالى المتنوعة، مما يثبت الإيمان،
ويقرب إلى الرحمن، ويوصد الأبواب
أمام الشيطان، ويجعل المرء دائما
من حزبه الغالبين، وعباده المتقين،
وأوليائه الصالحين، فيرى بنور
الله، لكثرة إمعانه في كلام الله،
وكلما اقترب العبد من القرآن اقترب
منه، وما تقرب المرء إلى الله بشيء
أحب إليه من كلامه.
وما
أحسن ما عبر عن الإمام ابن القيم
حين قال: "فليس شيء أنفع للعبد في
معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من
تدبر القرآن، وإطالة التأمل، وجمع
الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع
العبد على معالم الخير والشر
بحذافيرهما. وعلى طرقاتهما
وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما،
ومآل أهلهما، وتَتُل (تضع) في يده
مفاتيح كنوز السعادة والعلوم
النافعة. وتثبت قواعد الإيمان في
قلبه. وتحضره بين الأمم، وتريه أيام
الله فيهم. وتبصره مواقع العبر.
وتشهده عدل الله وفضله. وتعرفه
ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما
يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل
إليه، وما لسالكيه بعد الوصول
والقدوم عليه، وقواطع الطريق
وآفاتها. وتعرفه النفس وصفاتها،
ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه
طريق أهل الجنة وأهل النار
وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم.
ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة،
وأقسام الخلق واجتماعهم فيما
يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما
يفترقون فيه. وبالجملة تعرفُهُ
الرب المدعو إليه، وطريق الوصول
إليه، وما له من الكرامة إذا قدم
عليه".
إن
انفتاح القلب ليتلقى ويفهم من مراد
الله تعالى أمرٌ مرغوبٌ فيه، وهو
داخلٌ في عموم الأمر بتدبر القرآن
الكريم، وألا يجعل الإنسان على
قلبه قفلا يمنع رزق الله له من
استشراف المعاني السامية للقرآن
الكريم، غير أن هذا لا بد فيه من
ضوابط تحميه من القول بغير علمٍ في
كتاب الله، ويمكن اعتبار أهمها:
1-
العلم برسوم القرآن وحدوده، ومعرفة
أحكام التجويد وعلامات الوقف
وغيرها، لأن هذا يساعد على فهم
معاني القرآن الكريم، والوقوف على
كثيرٍ من مراد الله تعالى.
2-
الإلمام العام والإحاطة باللغة
العربية، وذلك لأنه كما قال تعالى:
"إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم
تعقلون"، وقال: "قرآنا عربيا
غير ذي عوج"، وكما قال ابن عباس:
"إن استشكل عليكم شيءٌ من القرآن
فالتمسوه في الشعر ديوان العرب"،
ومن المعلوم أن الشعر جامعٌ لمعظم
ضروب اللغة وأساليبها وبيانها
وبلاغتها، كما أخبر ابن عباس أن
واحدا من أقسام القرآن الأربعة أن
يفهم بما ورد عن العرب في لغتهم.
3-
المعرفة العامة بمعاني القرآن
الكريم، حتى لا يخبر من يتدبر كتاب
الله تعالى بخلاف ما قاله أهل
التفسير، فيكون تقولا على الله بما
لم يقل، بل يجعل ما يتدبره في سياق
أهل التفسير.
4-
عدم الانحصار في حدود القرآن
ورسومه فحسب، فلا يكون الهم هو
إيضاح المعاني اللغوية والفقهية
وغيرهما، بل يفتح قلبه لأن يكون
وعاء لما يقذفه الله تعالى فيه، وما
يجريه على عقله من معان وخواطر.
5-
أن يكون عاملا بالقرآن الكريم،
معايشا له في حياته، وقافا عند
حدوده، منفذا لأوامره، مجتنبا
لنواهيه، جاعله دستور حياته،
وقانونه الذي يرجع إليه في صغير
أمره وكبيره، وأن يتخلق بأخلاقه،
وأن يتحلى بما ورد فيه من آداب
وسلوك، فعن الحسن البصري رحمه الله
قال: "إن من كان قبلكم رأوا
القرآن رسائل من ربهم فكانوا
يتدبرونها بالليل، وينفذونها
بالنهار".
6-
أن يكثر من التلاوة منه، لأن مداومة
طرق الباب يتولد عنها الألفة
والعشرة والمعايشة، فمن تقرب من
القرآن تقرب منه، ومن عاش معه
عايشه، ومن أعطاه من وقته، وهبه
الله ما يجعله مستقيم الحال، عالما
بأسراره وكوامنه.
7-
أن يكثر من القيام بالقرآن في جوف
الليل ووقت السحر، فإنه أنقى
للمسلم أن يفتح قلبه، وتستعد نفسه
لما يقذفه الله تعالى من معاني
التدبر والفهم لمراده سبحانه.
8-
أن يهيئ المكان الذي سيقرأ فيه
القرآن ويتدبر فيه معانيه، فلا
يكون في المكان ما يشغله عن التدبر،
ومن هنا كان من آداب التلاوة أن
يكون على طهارة أو يتسوك أو ينظف
المكان أو يضع عطرا ونحو ذلك.
9-
أن يتحلى المسلم بالإخلاص في
قراءته وتلاوته، فإنه أدعى أن يفتح
الله تعالى له من فضله فيما يخص
كلامه، فإن قَصْد الناس بالتلاوة
حاجبٌ عن فيوض الله تعالى له.
10-
أن تكون له صحبة تعينه على التدبر،
وأن تصحح له إن أخطأ، وتنصح له عند
الحاجة، وتأخذ بيده في طريق الله،
كما قال موسى عليه السلام فيما حكى
عنه القرآن: "واجعل لي وزيرا من
أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري *
وأشركه في أمري * كي نسبحك كثيرا *
ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا".
وما
أجمل ما ورد عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه أنه قال: "ينبغي
لحامل القُرآن أن يُعرف بليله إذا
الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس
مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون،
وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته
إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا
الناس يختالون".
وعن
الفضيل بن عياض رحمه الله قال: "حامل
القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي
أن يلهوا مع من يلهو، ولا يسهو مع من
يسهو، ولا يلغوا مع من يلغو تعظيما
لحق القرآن".
وليعلم
أن القرآن دواء، ولن يكون دواء
لأسقام النفوس والأجساد إلا إذا
كان بالتدبر، قال إبراهيم الخواص:
دواء النفس خمسة أشياء: قراءة
القرآن بالتدبر، وخلاء البطن،
وقيام الليل، والتضرع عند السحر،
ومجالسة الصالحين.
نسأل
الله تعالى أن يجعلنا ممن إذا قرءوا
القرآن تدبروه ووعوه وعملوا به،
وأخلصوا في العمل، وتقبل منهم..
آمين.