البريد الإلكتروني  

 بحث متقدم

ابحث   الصفحة الرئيسية

شخبطة صيفية

وسام كمال

22-08-2005

مرت عليّ أيام شعرت فيها بالوحدة، لكن ما أقسى أيام الصيف، لو عشت فيها بدون هدف وتمنيت في الوقت نفسه أن تكون جادا وإيجابيا، وتقضي وقتك بما يروق لك، في انتظار أيام نشطة تقوم فيها بدورك "كطالب" مرة أخرى، ليسود منطق أن "الإنسان يختار كيف يقضي عمره"، لا أنّ الأيام تقود روادها.

القاعدة الأولى التي تأكدت منها أن "الكوب إن لم تملأه بالماء شغله الهواء".. هكذا حياة الإنسان، إن لم يضع في فراغها كتابا شغله التلفزيون.. وهذا أكثر ما يشعر به المتدينون، خاصة إذا نشؤوا في أسر ليس في أولوياتها استغلال الإجازة في حفظ القرآن أو تحصيل العلم.

القاعدة الأخرى التي تعلمتها أن المسلم لا يعرف ما يمكن تسميته مجازا "الإجازة الدينية"، فليس معنى أن الصيف قد أتى أنه سيأخذ إجازة من دعوته أو من التزامه أو من واجبات دينه.. فعليه دائما واجبات لا بد أن يجتهد في القيام بحقها لكي يظل محافظًا على علو همته، دون أن يكون نشاطه في فصول معينة بالسنة، ويعيش بقية العام على أطلال رواسب من اللامبالاة والضعف وعدم الجدية.

"إذا فرغت فانصب"

المسلم لا يعرف الله في فصول ويهجره في فصول، فهو عبد معروف لدى الله وملائكته في الرخاء قبل الشدة، ويستغل وقت الفراغ لكي ينصب لربه، يتوسل إليه أن يعينه على أعباء الحياة، وأن يوظفها في طاعته وخدمة دينه.. هكذا نعرف سمت المسلم، ولكن هناك أمورا تجعل الشباب في الصيف غير قادر على إنجاز واجبه الدعوي والرباني، ألا وهي:

· عدم اهتمام الأسرة بالنشاط الديني، إذ ترغب في الأساس في الترفيه ومشاهدة التلفزيون أو الراحة من أعباء العمل على مدار العام.

  • البعد عن الصحبة الصالحة مع انشغال الأصدقاء بالذهاب إلى المصايف، وعدم وجود إطار تلقائي للتجمع كالجامعة، وصعوبة التواجد الدائم مع الأصدقاء لدعوتهم وتزكية النفس معهم، واستغلال الوقت في عمل دعوي صالح.

  • ميل النفس في العطلة "وبخاصة الصيفية" إلى الاسترخاء والترفيه أكثر من الجد وتحمل الواجبات.

فمن الصعب أن يواجه كل شاب نفسه بأن عليه أن يكون أكثر تفرغا للدعوة في الصيف عن الدراسة، طالما أن "حجة" الدراسة ولّت.. فيحسن التفكير الدعوي الصيفي العملي، وذلك بأن يضع هذه الملابسات في حسبانه حين يبدأ التخطيط لـ"صيف دعوي جدا" وشبابي "جدا جدا".

دعوة في حلة ترفيهية!

لذا فإن أي نشاط جاد في الصيف لا بد أن يأخذ بهذه الملاحظات حتى تكون خطة الاستفادة من الصيف منطقية. وأضع خواطري بين يدي إخواني الشباب للاستفادة من الصيف بشكل مثالي:

  • يجب أن يكون في خطة الاستفادة من الصيف برنامج ترفيهي متكامل، فمن غير المنطقي أن نثقل على أنفسنا وندع الصيف يمر دون الاستمتاع بمرح شاطئه ولا بخفة ظل نسماته.

  • خطة الصيف المرحة يمكن أن يتم تنفيذها بشكل راقٍ يوازي جد أيام الدراسة الشتوية التي لا يخفف من بردها سوى حميمية الأخوة في الله وما يقوم به الطلاب من أعمال دعوية.

فعلى سبيل المثال: يمكن أن يذهب الشباب في رحلة إلى أي شاطئ هادئ: مرح بين أمواج البحر، تهريج على حبات الرمل، سمر بين ذكر وتلاوة، وعندئذ يكون الأجر مضاعفا: بُعد عن الصحبة الفاسدة، زهد في شواطئ المعصية، ناهيك عن بشرى الرسول صلى الله عليه وسلم: (عبادة في الهرج أو الفتنة كهجرة إلي) رواه الطبراني.

  • في الدعوة بين الشباب في الصيف، يكون مفهوم دعوة النفس وتقويمها مع الآخرين أكثر وضوحا، وكأن الدعوة مزدوجة التأثير.. فعند التناصح والتواصي بالحق والصبر، يصير العائد أكبر على القائم بالدعوة، لأنه يكون في وقت أحوج فيه إلى ذكر الله، حتى لا يتراجع للوراء بعد موسم دراسي نشط إيمانيا ودعويا، يقول تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا).

  • محاولة التجمع الأسبوعي إن أمكن مع الأصدقاء في درس بالمسجد أو مقرأة، أو التواصل مع أصدقاء غير ملتزمين لدعوتهم إلى حسن استغلال الصيف سواء في النادي أو مع الأقارب أو في تجمع ببيت أحد الأصدقاء.

  • هناك بعض الأعمال البسيطة التي يمكن الدعوة بها في الصيف، مثل تداول كتيبات أو شرائط لخطب ودروس عن كيفية استغلال الوقت، وإرسال رسائل sms للتذكير بمعنى إيماني يوقظ القلوب.

  • حاول أن تقيم مع أصدقائك بعض الأنشطة الترفيهية الهادفة، واجذب خلالها غير الملتزمين لينتفعوا بتجربتكم ويعم النفع، مثل: عمل مشهد تمثيلي قصير "اسكتش" عن موقف يحمل معنى هادفًا، أو تعليق بعض اللوحات المرسومة التي تحمل إبداع الريشة وتوجيه صاحبها.. وتفيد هذه الأنشطة في أمرين: تفريغ النشاط بشكل مفيد، ودعوة الآخرين في حلة ترفيهية.

  • الأقارب وأفراد الأسرة يمكن أن يحاول كلٌّ منا دعوتهم بيسر من خلال:

- بذل الحب الصادق لهم فهذا حقهم ابتداءً، إضافة إلى أنه المفتاح الأول لقلوبهم.

- حاول أن تبدأ بالأهداف السهلة في أسرتك "الأكثر التزاما" فادع أحرصهم على التقرب من الله، ثم فكر في الأهداف الصعبة "الأقل التزاما" التي ستتأثر بانتشار الخير والصلاح في البيت.

- تشغيل شرائط قرآن لأكثر المقرئين قربا إلى نفوسهم، أو بعض الدروس والخطب للدعاة المؤثرين.

- دعوتهم إلى الاقتداء بك، فإن كنت تقرأ القرآن وقت انشغال بعضهم بالتلفزيون وما سواه، أعتقد أنك ستلمس في نفوسهم وترا لأن يسارعوا مثلك إلى الخيرات.

ويمكن أن يفكر كل منا حسب إمكاناته وظروفه، كيف يرسم صيفا جميلا دعويا إيمانيا تقيا.. ولا يترك صيفه لوحة بلا معالم، وإنما يضع عليها خطوطا ولو كانت في شكل شخبطة، تحمل معاني كثيرة عن مسلم يجيد استغلال عمره في طاعة الله ونفع الآخرين.

اقرأ أيضًا:

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع