|
"دمروا
منزلي وجرفوا أرضي، وحاربوني في
رزقي وقوت عيالي وشردوني، وهأنذا
أعيش في خيمة على أنقاض منزلي
المدمر.. ولم يتغير شيء من حولي"..
بهذه الكلمات التي تدل على ألم
وفجيعة بدأ المواطن عبد الرحمن
نصار دهليز (52 عامًا) حديثه عن
تواصل معاناته وأسرته بعد أن دمر
الاحتلال منزله في عملية قوس قزح
التي نفذتها قوات الاحتلال في
رفح الشهر الماضي.
"دهليز"
ليس سوى نموذج لأهالي رفح
المشردين الذين وجدوا أنفسهم دون
مقدمات "بين السماء والطارق"،
مشردين في مراكز الإيواء،
وموزعين بين منازل الأقارب
والمعارف، بعد أن كانوا سادة
كرامًا في ديارهم ومنازلهم..
مراسل "إسلام أون لاين.نت"
زار مراكز الإيواء في رفح وأعد
هذا التحقيق.
في
ساحة الخنساء
ما
زال ما يزيد على ألفي شخص من
أهالي رفح المنكوبين يعيشون
التشرد واللجوء من جديد، وما
زالت العائلات المشردة وبعد مرور
أكثر من أربعة أسابيع على مجزرة
رفح تعيش داخل مراكز الإيواء، في
ظروف صعبة ومأساوية جدًّا.
العائلات
التي افترشت ساحة مدرسة الخنساء
كمركز إيواء تنتظر المجهول لحل
أزمتها وتحسين ظروف معيشتها فحتى
الآن لم يتغير شيء على الأرض.
المواطن
محمد أبو طيور يقول لمراسل "إسلام
أون لاين.نت": "بعد مرور
أسبوعين على تشريدنا من منزلنا
ما زلنا نعيش القهر والتشرد فلا
نملك بيتًا ولا نجد من يؤجّر لنا،
لقد نفدت جميع المنازل وأنا
وأسرتي نعيش في مركز الإيواء،
نأتي إليه في الصباح وأوزع باقي
أفراد أسرتي عند الليل على
العديد من الأقارب، ولديّ بنات
وأخشى عليهن، ولم أجد من يقدم لي
حلاًّ لمشكلتي".
وتابع
المواطن أبو طيور يقول: "لا
نريد مأكلاً ومشربًا فقط،
فالحياة أكبر من ذلك بكثير نريد
شيئًا يسترنا ويأوينا".
ولم
يُخفِ المواطن أبو طيور امتعاضه
عن الغياب الرسمي للحد من
معاناته، وقال: "هل يعقل من
يدمر منزله أن يعطوه مبلغًا من
المال لا يكفي لاستئجار منزل آخر
ولا يعوضه شيئًا من ماله الذي
فقده تحت الأنقاض؟!.. وأين السلطة
الفلسطينية التي لم تصلنا ولم
نرَ مسئولاً طرق أبوابنا.. إننا
نسمع فقط بالتصريحات الرسمية عبر
شاشات التلفاز ولا نجد شيئًا على
الأرض.. نريد حلاًّ جذريًّا
ومناسبًا وسريعًا يضع حدًّا
لمعاناتنا، ويعمل على وقف
مشكلتنا وحلها إلى الأبد".
وأردف
يقول: "نحن لا نريد حلاًّ
سحريًّا في يوم وليلة، ونحن ندرك
أن حجم الدمار في رفح كبير، ولكن
ما زلنا لا نرى أي شيء يتحرك على
الأرض، فلا السلطة اشترت أراضي
للبناء عليها للعائلات المشردة
في مكان آمن، ولم يتم تسليمنا أي
نوع يوحي أنه تم البدء بحل
مصيبتنا".
طابور
دورة المياه
عبد
الله المغير (45 عامًا) وشارك أبو
طيور رأيه، حيث قال: "نشعر
بالحرج الشديد ونحن واقفون
عاجزون أمام أطفالنا على توفير
متطلباتهم وتوفير المأوى لهم،
وهم يسألوننا بإلحاح متى تنتهي
معاناتنا؟ فنحن نجد معاناة حتى
في دخول دورات المياه ونقف
طابورًا في الصباح أمامها رجالاً
ونساء في وضع يُرثى له، ونحن لا
نقبل ذلك على أنفسنا، ولكن
الحاجة هي التي ألزمتنا وليس
أمامنا بديل آخر، وما زلنا ننتظر
المجهول".
عائلات
مشتتة
حول
المساعدات التي تصل المشردين
يؤكد المواطن عمر أبو طه (37 عامًا)
إن ما يصل هو أمور "إغاثية"،
وأن المطلوب هو السكن وقال: "أعطونا
الكوبونات وزودونا بالمساعدات
ومشكلتنا هي توفير المأوى، فنحن
لسنا جياعا ولا عطاشى، ولكننا
مشردون أصبحنا بلا عنوان ولا
هوية ونعيش في مركز إيواء مشتتين
مشردين لقد وزعت أولادي على أربع
عائلات، ولا أعرف كيف نجتمع،
ومنذ أن شردنا الاحتلال وهدم
منزلنا ونحن مشتتون، ولا أذكر
أننا اجتمعنا جميعنا في جلسة
واحدة إلا فرادى".
ضاعت
سنوات العمر
محمود
السدودي أحد المشردين يقول: "منزلنا
أصبح أثرًا بعد عين، فررنا
وتوزعنا في الشوارع، أنا وزوجتي
الآن في مركز الإيواء أما أبنائي
الستة فوزعتهم على أقارب لنا لم
تدمر منازلهم.. كل اثنين في منزل،
عسى الله أن يفرج هذا الكرب،
وكلما سنحت الفرصة أحاول الذهاب
إلى بيتنا المهدوم لأخرج أموالاً
لي وضعتها فيه أو شهادات ميلاد
أبنائي أو شهاداتهم المدرسية
ومصاغ زوجتي"، مشيرًا إلى أن
إطلاق النار المتواصل عليهم
يحرمهم حتى من الجلوس فوق منزلهم
المدمر.
وأضاف:
فقدنا منزلنا مثل غيرنا لكن
أناسًا كثيرين فقدوا منزلهم
وعددًا من أبنائهم فما حدث مجزرة
فظيعة، وها نحن ننام في ساحة
مدرسة، ولعل الله يستجيب ويخفف
عنا معاناتنا.
قتلوني
للمرة الثانية
فتحي
محمد القصاص (60 عامًا) من بلوك
"O"، (جريح منذ 3 سنوات) جلس
يتكئ على عصاه، والدمع يملأ
عينيه، ووجهه شاحب وعلامات
الإرهاق بادية عليه.
يقول:
لم يكفهم أنهم أصابوني أول
الانتفاضة ما سبب لي إعاقة،
فهدموا منزلي على كل ما به من
أثاث، كما دمروا شجر الزيتون في
المنطقة الغربية، والآن أصبحت لا
أملك شيئًا، نحن 11 فردًا كنا نسكن
في منزلنا، والآن نسكن في مركز
إيواء الخنساء، ولا أدري كيف
سننفق في المستقبل ولا ماذا
سأفعل؟
وأضاف:
لن أنسى أخي الشهيد خليل محمد
القصاص الذي يسكن في البيت
المجاور لنا، فعندما دخلت
الدبابات والجرافات تهدم في
المنطقة في توغل سابق أطلقت عليه
الدبابة رصاصة دخلت من ظهره
وخرجت من بطنه، واستشهد على
إثرها، وهو متزوج وعنده 8 أفراد
وزوجته، ولا ندري كيف ستتصرف
العائلة، بعد أن دمرت حياتنا
بالكامل؟
يوم
الخراب
وقالت
المواطنة لطيفة أبو جزر التي
تجلس متكئة إلى بعض ما تبقى من
حاجياتها في أحد الفصول الدراسية:
"هذا يوم الخراب ويوم الدمار،
يوم هدم البيوت، الناس مثلي في
المدارس، صارت المدارس مأوى
للأطفال والنساء والرجال، وجئنا
إلى هنا، الأطفال والنساء في
الفصول، مع بعض العائلات، فنحن
هنا في هذا الفصل 50 امرأة، أين
العالم، ليرى النساء والأطفال
والمرضى والمكسورين والمصابين
كلنا في المكان نفسه، نريد مأوى
لنا نريد أن نعيش مثل غيرنا".
صامدون
وفي
مدرسة الخنساء الابتدائية وقف
المواطن عبد الحي العرجا وقال:
"الاحتلال الإسرائيلي يحاول
من وراء هذه التهديدات إخافتنا
وجعلنا نرحل من منازلنا، وأنا
رفضت الخروج من المنزل بأي شكل،
ولكن بكاء أبنائي وإلحاح زوجتي
جعلاني أخرج بهم، ولكنني سأعود
إليه بالتأكيد سنصمد مهما فعلوا".
وتظل
كلمة "صامدون".. تنطق بها
القلوب قبل الألسنة في رفح، فهم
يدركون أبعاد المخططات
الإسرائيلية ومغزاها، لكنهم
يدركون أكثر قدرتهم على الثبات،
ويعلمون أن حبهم للحياة الكريمة
سيهزم شبح الموت القادم من جوف
العباءة الزرقاء.. أهالي رفح رغم
صمودهم لا يسأمون من استصراخ
النخوة العربية والحمية
الإسلامية، طالبين من إخوانهم
إعانتهم على شيء واحد فقط..
الصمود.
|