 |
|
حمدان أبو عطايا
|
للحظات
اعتقدنا أن الزمان قد توقف في هذا
المكان منذ قرون، وحينها فقط
صدقنا ما سمعناه عن تلك الأسرة
البائسة التي تقطن أطراف مدينة
رفح الفلسطينية الواقعة جنوب
قطاع غزة.. هم أربعة أشقاء
وشقيقات يعيشون في عزلة وانطواء
بعيدين عن البشر والعمران، لم
يتزوجوا رغم مرور السنين،
ويعيشون في فقر مدقع، وعوز شديد.
وتتوالى
علينا النكبات!!
قوات
الاحتلال الإسرائيلي لم تكتفِ
بالمأساة المستديمة التي تحياها
أسرة "أبو عطايا" المكونة من
شقيقين وشقيقتين، ولم تكتفِ كذلك
بطردهم من ديارهم عام 1948، فأقدمت
على إكمال فصول المعاناة، فقامت
بهدم منزلهم بتاريخ 17-5-2004 (بداية
حملة قوس قزح الأخيرة) وشردتهم
للمرة الثانية، ومما يزيد ألمهم
عدم تقديم أي جهة كانت أي مساعدة
لهم، رغم حملات المساعدات الضخمة
التي نظمت لإغاثة أهالي رفح.
بيدين
مرتعشتين خرج الفلسطيني حمدان
أبو عطايا -56 عاما- من بين أنقاض
"عشته" المدمرة التي هي
عبارة عن عدد من ألواح الصفيح،
والتي دمرها الاحتلال
الإسرائيلي في عملية قوس قزح
الأخيرة بحي تل السلطان برفح
الشهر الماضي، وأعادوا هم بناءها
من جديد.
أبو
عطايا الذي يسكن منذ 40عاما ويزيد
هذه الأرض في أكشاك وأكواخ صغيرة
من ألواح الصفيح له قصة مع
الاحتلال الإسرائيلي؛ فهو يعيش
مع أسرته المكونة من شقيقه
الأكبر (محمد 63 عاما) وشقيقتيه
حُسن وصايمة، وجميعهم غير
متزوجين، ويعيش أربعتهم داخل هذا
المنزل المتهالك الذي هو أشبه بـ"خرابة"
قديمة، أقصد هو فعلا خرابة قديمة.
بعيون
حائرة وعلى أطلال المنزل المدمر
قال أبو عطايا لمراسلنا: رحلنا عن
وطننا ومنزلنا وأرضنا في مدينة
بئر السبع داخل فلسطين المحتلة
عام 1948، وكنت حينها طفلا لم
أتجاوز العام الواحد، وتنقلنا من
مكان إلى مكان، ومن بلد إلى آخر
في رحلة طويلة من اللجوء والتشرد..".
وأكمل
"نأى بنا والدنا رحمه الله في
هذا المكان المعزول المتاخم
للمستوطنات؛ فمنزلي يحده من
الغرب مستوطنة رفيح يام، ومن
الشرق مستوطنة عتسمونا، ومن
الجنوب يشرف عليه موقع تل زعرب
العسكري، ونحن نعيش هنا صامدين،
وليس أمامنا خيار آخر".
ويعيش
المواطن أبو عطايا حياة بائسة
متواضعة.. فليس عنده كهرباء ولا
مياه صالحة للشرب ولا عمل لديه..
وبكلمات قليلة أجابنا عندما
دخلنا إلى حنايا قلبه الموجوع،
وسمعنا عبر تنهدات أوجاعه.
يقول
أبو عطايا: "توالت السنون ونحن
نعيش داخل هذا المكان المقفر؛
حيث لا عمل لي ولا لأخي، ونعيش
كما الأموات في قبر طويل مظلم، لم
نستطع الزواج والإنجاب،
وأوضاعنا المعيشية صعبة؛ حيث لا
قدرة لي على العمل، وأنا إنسان
أعاني من عدة أمراض كالضغط
والسكري..".
لا
سبيل لنا إلا مواجهة الموت
ومضى
يقول: "قلة الحيلة جعلتنا
ننطوي على أنفسنا، ولا نخرج من
منزلنا، وتوالت الأيام ونحن نعيش
هنا معتمدين على المساعدات
القليلة التي أتلقاها؛ فلا أحد
يزورنا، ولا أحد يطرق علينا
بابنا، وكل جيراننا رحلوا
وتركونا نواجه الموت.. حيث
استطاعوا تدبير منازل أخرى عبر
وزارة الإسكان، ولم نستطع نحن؛
لأنه لا ظهر لنا (لا توجد واسطة)
ولا أحد يسأل عنا". ويواصل أبو
عطايا سرد معاناته الطويلة مع
الحسرة والألم: "بالرغم أننا
تعودنا على حياتنا المرة هذه فإن
الاحتلال لم يتركنا؛ فإطلاق
النار على منزلنا المتهالك ليلة
ليلة.. وفي النهار والليل، ولا
نذوق طعم النوم أبدا".
وتابع
أبو عطايا "بتاريخ 17-5-2004
فوجئنا بالدبابات والجرافات
تحاصر تل السلطان من كل جانب،
وأخذت تجرف كل شيء أمامها؛ حتى
ظننا أنهم من الممكن أن يدهسونا
دون أن يرونا، وخشينا أن نموت تحت
جنازير الجرفات..".
وأكمل
قصته المأساوية قائلا: "هدموا
سور المنزل، ومن ثم هدموا غرفتين
من الغرف المبنية جدرانها من
ألواح الصفيح.. أما سقفها فهو من
الإسبستوس، وعندما اقتربوا من
الغرفة التي نجلس فيها مذعورين
خرجنا نصرخ في وجه الجرافة التي
ابتعدت عنا بعدما دمرت ما يزيد عن
نصف المنزل.. وقتلت بعض الطيور
التي كنا نعتاش منها".
بين
الفقر والوحدة
"صايمة"
-45 عاما- الشقيقة الصغرى لأبو
عطايا تحدثت عن معاناة أسرتها
المشردة، وقالت: "نحن أناس
ضعفاء نعيش على البساطة في هذه
الأكواخ المتهالكة، ونعيش حياة
بائسة؛ فأنا لدي ماعز أحلب منها
وبعض الطيور، ونعيش على الفتات
والقلة، ولم يتزوج أخي الأكبر
محمد -63 عاما- وكذلك أخي حمدان -56
عاما- لم يتزوج هو الآخر بسبب قلة
المال والفقر الذي نعيش فيه".
وتنهدت
صايمة وقالت: "لم يتبق من
منزلنا سوى هذا الكوخ"، وأشارت
بيديها تجاهه، "ونعيش أربعتنا
أنا وشقيقتي وشقيقاي محمد وحمدان
فيه، وليس لنا مكان آخر".
وتتابع
صايمة قصتها مع المعاناة، وتقول:
"بالرغم من القصف الشديد
المتواصل على منزلنا فنحن لن
نرحل، وسنبقى صامدين في منزلنا؛
لأننا لا نعرف مكانا آخر نذهب
إليه، وبعد تدمير منزلنا لم
نشاهد أي إنسان يطرق بابنا
للمساعدة والإغاثة، وهانحن نعيش
حياة البؤس والشقاء".
وهكذا
تستمر المعاناة، وكل من يشاهد
معاناة عائلة أبو عطايا يدرك أن
للحياة طعما مرا، وأنهم يعيشون
في عصر آخر غير عصرنا.. فهل من
قلوب رحيمة تغيث الملهوف وتجير
المظلوم؟!
|