إن
نقطة البداية في دعوة الجيران هي إدراك
المسلم ما للجار من حق في الشريعة، وذلك
يجعل المرء يدرك أن عونه لجيرانه والأخذ
بأيديهم في سبيل عمل الصالحات، والسعي
لتقريبهم إلى الله تعالى واجب شرعي، وحق
اجتماعي، فالمسلم لا يعيش منعزلا، ولا
يعيش في المجتمع فردا، ولكنه لبنة صالحة
دؤوبة تسعى للحفاظ على هذا المجتمع.
وليس
الحفاظ هنا محصورا في المحافظة على
المنشآت والمباني، والالتزام بقواعد
المجتمع وقوانينه فحسب، بل أساس صلاح
المجتمع قائم على صلاح الناس الذين
يمثلون هذا المجتمع، لأنهم هم المجتمع،
وما سواهم عوامل مساعدة، أو أدوات لازمة
لتيسير حياتهم.
وفي
ظني أنه ليست هناك عقيدة أولت الجوار
أهمية مثل الإسلام، حتى أوصله النبي صلى
الله عليه وسلم إلى أن يكاد وارثا حين قال:
(ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت
أنه سيورثه) رواه البخاري، وهذا الحديث
المحفوظ يحتاج إلى معرفة فقهه، حتى ندرك
ما فيه من معاني سامية لتلك "الرابطة
الجيرانية"..
والأمر
الأول الذي يُلحظ في الحديث أن الوصية
بالجار تكررت بشكل كبير جدا، على غير
العادة في كثير من شرائع الإسلام التي
جاء الأمر بها، وربما تكررت التذكرة
فيها، لكن لم نلحظ التكرار في الوصية على
فعل شعيرة من الشعائر مثل ما جاء في
الجار، وبعض الشرائع الأخرى، كالصلاة
وحسن الخلق.
الأمر
الثاني: أن الأمر تعدى التكرار، بل وصل
إلى حد الصلة الوثيقة التي تعتبر الجار
واحدا من الأسرة، وبهذا المعنى يجعل
الإسلام الجيران أسرة واحدة، بل بالنظر
في المجتمع نجد بعض الجيران هم أقرب
للإنسان من إخوته ومن أبيه وأمه، وهذا
يشير إلى إعجاز الحديث من الناحية
الاجتماعية.