الصفحة الرئيسية

 
الأحداث في صور
 ابحث | بحث متقدم 

الثقافة والفنون

السينما والمسرح | التراث | الأدب الفلسطيني | الفلكلور | وسائل الإعلام الفلسطيني


القصة والرواية الفلسطينية والحفاظ على الهوية

(1948م- 1965م)

عبد القادر ياسين *

اللهم لا ممارسة للنقد الأدبي، فهو أبعد ما يكون عن هدفي هنا، وإنما أبغي تحديد موقع الرواية والقصة القصيرة في حفظ الشخصية الفلسطينية، ما بين نكبة 1948 وفيلم «منظمة التحرير الفلسطينية» صيف 1964، واندلاع المقاومة الفلسطينية المسلحة مطلع 1965م.

وسوف تتم معالجتها من خلال المحاور التالية:

القصة القصيرة من النشأة إلى التبلور

للقصة القصيرة في فلسطين تاريخ طويل، يكاد في نشأته يواكب نشأة هذا الفن في لبنان ومصر، أو يتلوهما غير بعيد، ولقد كان من نتائج اتصال فلسطين بالأقطار الأجنبية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر -بدعوى الدين في الظاهر، والمصالح والامتيازات الأجنبية في الواقع- أن عرف هذا الوطن كثيرا من الألسن الأجنبية في وقت مبكر جدّا، وقد أعانه ذلك على أن يفتح النوافذ على آفاق قصصية في وقت مبكر كذلك، فترجم، ولخص، واقتبس، واقتدى بهذه الآفاق في الحقل القصصي، وبعد النكبة مضت القضية في مسارب أخرى(!).

نكبة ومعاناة فإرادة ومقاومة، هذا هو عنوان السنوات الشرسة في الحياة الفلسطينية، من بداية 1949 حتى نهاية 1964، فلقد عاش الفلسطينيون على مدى السنوات السبع اللاحقة للنكبة (1948 - 1955) ألوانا شتى من القهر الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، والثقافي، على حد سواء. ونجحت القصة القصيرة في التعبير عن حياة البؤس والحرمان في المخيم، والمنفى، وتحت سنابك جند الاحتلال الإسرائيلي، في آن واحد. مع حرص القصة آنذاك على التنديد بتقاعس معظم حكام العرب.

لقد توازت حركة الشكل في القصة القصيرة الفلسطينية مع حركة الواقع، اجتماعيّا، وسياسيّا، وتداخلت معها، لذا نلمس الانتقال من رؤية عامة غيبية إلى رؤية واقعية متقدمة، ملبية حاجة اجتماعية، قبل الحاجة الفنية. وهنا تحولت هذه القصة من الكلاسيكية إلى الواقعية، فالرمزية.

في حقبة 48- 1955 صدرت خمس عشرة مجموعة قصصية، واحدة منها في فلسطين المحتلة، وست مجموعات في الأردن، وست مجموعات في لبنان، وثلاث مجموعات في مصر. ولعل ما يفسر ارتفاع نسبة ما صدر في لبنان هو تمتع هذا القطر بمنسوب عال من حرية الرأي، أما في الأردن فارتفاع نسبة الفلسطينيين هناك، فضلا عن تنوع مصادر الاحتقان الشعبي هناك وارتفاعه عنه في مناطق التجمع الفلسطيني الأخرى.

لقد كان إميل حبيبي هو من قص شريط القصة القصيرة الفلسطينية، بعد النكبة مباشرة. ففي قصة نشرها "حبيبي"، قبل أن يهدأ غبار الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى (1948)، وصف مأساة لاجئي فلسطين. وهنا تجلى «تساؤل» حبيبي واتكاؤه على توظيف الحكاية الشعبية، حيث يحاول فلسطيني انتشال آخر من وهدة اليأس، فيحكي له حكاية الفلاح التائه الذي يصادفه ضبع، فيقوده إلى وكره وينصاع له مسلوب الإرادة، لكن رأسه تصطدم بصخرة، فيسيل دمه، ويثوب إلى رشده ويسترد إرادته، فيجهز على عدوه.

فيما ضفر أمين فارس ملمس الواقعية الجديدة بالرومانسية، قبل أن يكتفي بالواقعية الاشتراكية.

أما نجاتي صدقي فتجاوز البالي من التقاليد، من أجل ثقافة أوسع، متحررة من الخرافات، حاثة على الأخذ بالتفكير الجماعي.

في مجموعتها القصصية «أحاديث من القلب» (بيروت 1955) أوردت أسمى طوبى مونولوجا لفلاح فلسطيني عن الأرض: «لقد حرثها آبائي وأجدادي، لعشرات السنين، فلن أكون الرجل الذي يضيعها».

في المجموعة القصصية «أشياء صغيرة» لسميرة عزام، تتجلى السوداوية، لتبدأ إحدى قصصها بالموت، فاليتم، والرحيل، والشقاء، إلى أن تعود الأم إلى ابنها البكر من زوجها الأول، «كأن الأمومة لا تتحق إلا بعد عثار معين».

امتدت الحقبة الثانية ما بين سنتي 1956 و1961 وتميزت بالنهوض العربي القومي، بعدما شكل عبد الناصر، ربيع 1955، وحدات فدائية ضربت إسرائيل في العمق موقعة نحو 1400 قتيل إسرائيلي، في بضعة أسابيع، وعقد الرئيس المصري «صفقة الأسلحة التشيكية» خريف العام نفسه، وعندما رفض طلبا أمريكيّا بإلغاء الصفقة، ردت الإدارة الأمريكية بسحب عرضها الخاص بتمويل مشروع «السد العالي» في مصر، وفي أعقابها سحب «البنك الدولي» عرضه المماثل. وجاء رد عبد الناصر سريعا، بتأميم قناة السويس (26/7/1956)، فرد الغرب بـ«العدوان الثلاثي» على مصر وقطاع غزة، خريف العام نفسه، لكن العدوان فشل في تحقيق أهدافه السياسية. وتلاحقت تجليات النهوض العربي، بدءا من الوحدة المصرية - السورية (22/2/1958)، إلى الثورة الوطنية في لبنان، بعد أسابيع، فالثورة الوطنية في العراق (14/7/1958)، وامتدت هذه الحقبة إلى أواخر 1961 وفيها صدرت تسع عشرة مجموعة قصصية فلسطينية تسع منها في لبنان، ومجموعتان في مصر، وخمس مجموعات في الأردن، وثلاث مجموعات في فلسطين المحتلة.

اندفعت المدينة في طليعة رموز القاص جبرا إبراهيم جبرا، وكأنه رومانسي جديد، همه العودة إلى البداءة، بينما ركزت سميرة عزام على قضية المرأة، دون إهمال الفلسطيني المشرد.

في عام 1961 أصدر غسان كنفاني مجموعته القصصية الأولى «موت سرير رقم 12» وفي إحدى قصص المجموعة يستعيد شاب فلسطيني في منفاه كلام حبيبته له، بعد أن فضلت البقاء في الوطن: «باستطاعتك أن تغادر حيفا، أن تهرب من حيفا.. ولكنك في يوم سيأتي لا بد لك من أن تصحو.. وتكتشف.. وتندم»، ويرى أحد النقاد الفلسطينيين أن في هذه المجموعة صدى لأزمة الهوية وعناء رحلة الكشف عن الأنا والآخر.

القصة من النهوض إلى الانحسار

أنهى انفصال سوريا عن مصر (28/9/1961) مرحلة النهوض العربي القومي، وبدأت مرحلة من الانحسار العربي، وهو ما دفع الشعب الفلسطيني إلى التشديد على طليعيته في تحرير فلسطين، ما دام شعار «الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين» قد أخفق، وأخلى موقعه لشعار «تحرير فلسطين طريق الوحدة العربية».

في هذه الحقبة التي توجت بقيام منظمة التحرير الفلسطينية صيف 1964 وانطلاق حركة المقاومة الفلسطينية مطلع السنة التالية، صدرت أربع عشرة مجموعة قصصية، ست منها في لبنان، واثنتان في سوريا، ومجموعة واحدة في قطاع غزة ومجموعتان في الأردن، ومجموعتان في فلسطين المحتلة، ومجموعة واحدة في مصر.

في مجموعة سميرة عزام القصصية الرابعة «الساعة والإنسان» معالجة للواقع الفلسطيني المؤلم في المخيم، وبحث الفلسطيني عن لقمة العيش، وعن جنسية تسهل معاملاته، وتنقلاته.

أما في مجموعة غسان كنفاني «أرض البرتقال الحزين» فيظهر شهيد ذو مشاعر وطنية، فضلا عن مقاتل محبط، وثالث هارب من الحقيقة.

بينما يطغى المنفى على مجموعة كنفاني «عالم ليس لنا»، فالطائر ينتفض في القفص، قبل أن يحتضر. ويتكرر في قصة «كفر المنجم» موضوع البحث عن الثروة على حساب الهوية. ويقترن البحث عن البندقية بالبحث عن العروس (قصة «العروس»).

الرواية الفلسطينية وأزمة الظهور

ظلت الرواية الفلسطينية حتى النكبة عاجزة عن اكتساب حضورها، كفنٍّ متميز، له خصوصيته ودوره ومعناه. وبالتالي عجزت هذه الرواية عن أن تشكل إرثا وجذرا تتنامى منهما المحاولات الروائية بعد النكبة.

ولأن الرواية تعبير برجوازي، فقد تأخر ظهورها، بعد تقوض شتى البِنَى الفلسطينية، تحت معول نكبة 48.. وإن ظهرت بعد حين على يد من تلقى ثقافته في الغرب، جبرا إبراهيم جبرا، لذا قدمت رواياته صورة مجتزأة ومنحازة للواقع، صورة ناقصة، امتلاكا معرفيّا ناقصا.. وشخصياته الروائية جوهر شخصية البرجوازي المتعلم (ثقافة/غنى/مغامرات)، أي ثقافة غربية في مجتمع متخلف، ولعل ما كرس وضع جبرا هذا بعده الجغرافي عن فلسطين (أقام في العراق)، فضلا عن نأي جبرا بنفسه عن الحركة السياسية الفلسطينية، ومن باب أولى عن حركة المقاومة الفلسطينية.

على العكس من غسان كنفاني، الذي بقدر التصاقه بخصوصية التجربة الفلسطينية والتزامه في التعبير عنها، فإنه استطاع الانطلاق منها، بتلقائية، إلى رحابة العالم: «إن فلسطين تمثل العالم برمته في قصصي.. أصبحت أرى في فلسطين رمزا إنسانيّا كاملا»، على ما يقول كنفاني نفسه، وذلك من خلال التقاط جوهر وتفاصيل رحلة الإنسان الفلسطيني، وتجربته، في شروطها التاريخية المتباينة. إنه يمسك بقضيته، وإنسانها، ليلامس بها التجربة الإنسانية الشاملة. لقد انتمى كنفاني في صدر فتوته إلى حركة القوميين العرب، لكنه تحول إلى الفكر الماركسي، قبل حركته نفسها. وفي السياسة طمح كنفاني إلى مجابهة الواقع، ومن خلال الرواية عبر عن الواقع، متسربا إلى الماضي، ليوقظه، ويحييه، قبل أن يجابه الحاضر. وظل بطله الفلسطيني المقاوم حاضرا.

معروف أن أهمية الرواية تزيد على الشعر، فهي تحمل خطابا تكامليّا، أكثر من الشعر، وبعدا زمنيّا لحركة الحدث، وعمقا مركبا، من حيث التعبير عن الذات. وسرعان ما انتقل الأديب الفلسطيني من تعذيب الذات إلى نقدها، للتحرر من أخطائها، والتطهر منها. ويعني نقد الذات أن ما حدث لنا من نكبات وهزائم إنما يرتبط بنا، أولا، قبل أن يرتبط بغيرنا. ونقد الذات يعني مراجعتها، بدون تلكؤ أو حرج.

لم تخل رواية فلسطينية في الحقب الثلاث من معاني الغضب والتمرد العنيفين، بينما بدأ النص الروائي (على أيدي جبرا، وهشام شرابي) بالرفض، معتمدا في رفضه على مخزون الغضب التاريخي، والإرادة القائمة على الحق والعدل، وجاء الواقع خارج النص، ليسجل تراجعات غير واردة من قبل، وغير مقبولة في الواقع الفعلي الذي لم يتغير كثيرا.

تطور حركة الرواية الفلسطينية

في الحقبة الأولى (48 - 1955) صدرت ست روايات فحسب، اثنتان في فلسطين المحتلة، وواحدة في كل من الأردن، وسوريا، والعراق، ولبنان.

صدمة النكبة جعلت من كل واقعة هزيمة، مع ردها إلى الخيانة، فقد كانت ثمة "حملة" على الخيانة، ولم تكن أضواء كاشفة، مع استثناءات نادرة، كان هدفها قوميّا، يرمي إلى استنهاض الهمم، أو استنفار النفوس، أو الثورة على الأوضاع القائمة. ومع الخيانة كانت عوامل أخرى، كامنة في طبيعة تركيب المجتمع العربي، حينذاك، وفي تاريخية المرحلة، وفي البعد الحضاري والعقلي الشاسع بين المجتمع الغازي والمجتمع المغزو.

لذا كان طبيعيّا ألا تفتح النكبة فرصا للسؤال الثقافي العربي، بسبب طغيان التفسير أحادي الجانب من جهة، وبسبب اللطمة العاطفية الوجدانية من جهة أخرى. ذلك أن المعادلة، ولا سيما في الثقافة القومية (والعامة كذلك)، كانت واضحة، تماما: الوضع ونقيضه الحل، وليس من فرصة لأية جدلية (ديالكتيك).

خيانة  انقلاب

حكام فاسدون ضباط شباب

تجزئة وحدة

معظم الروايات الفلسطينية شددت على كيفية أن يكون الفلسطيني فلسطينيّا، إزاء خيانة بعض حكام العرب. وفي الحقبة الأولى (48 - 1955) تحولت قضية فلسطين إلى مجرد مشكلة لاجئين.

ويرجع أحد النقاد الفلسطينيين تأخر القصة القصيرة والرواية عن الشعر في حمل الهم الفلسطيني إلى أن الأولين هما من الأشكال المستحدثة في دنيا العرب. متجاهلا أن الشعر يمكن إلقاؤه في التجمعات الجماهيرية، دونما حاجة إلى المال، أو للصحيفة، من أجل نشره، أو للديوان حتى يحتوي الشعر بين دفتيه. لكن إذا نشر فمن من المعدمين بقدرته شراء الصحيفة أو الديوان؟!

لم تسجل رواية جبرا «صراخ في ليل طويل» تحولا فنيّا فحسب، بل أرخت، أيضا، للتحول الاجتماعي، الذي بدأ يتسرب إلى بنية المجتمع العربي في تطلعه نحو المستقبل. وهكذا جاءت روايات سمير قطب («الفردوس السليب» 1963، و«قلب وضمير» 1963)، وعوني مصطفى («شتاء إلى الأبد» 1962). وفي الاتجاه نفسه جاءت روايات الأرض المحتلة.

إلى ذلك لا نجد فلسطين في أدب جبرا، مباشرة أو إشارة. مع ذلك تظل فلسطين القضية العربية الوحيدة لديه. فمن خلالها، وحولها نرصد اهتمامه بالقضايا العربية. والبرهنة عليها من خلال النص، بمحورين: الموقع والموضع. فالموقع فلسطين، أما الموضع فيتجاوز هذه المساحة المنظورة إلى مساحات لا نهائية.

فالهاجس الوحيد لدى جبرا: العودة، وثمة فيض الذاكرة لدى جبرا، الذي أدمن اللجوء إليها، حتى «أن معظم شخصياته الروائية تنمو من خلال ذكرياتها». ولطالما اتكأ جبرا على الماضي؛ لأن أديبنا يكتب عن شخصيات فلسطينية في المنفى، اختزنها من تجربته، في الطفولة. وبعد الذاكرة ثمة استقواء جبرا بالرمز، والثورة.

أما بطل جبرا فيمثل فئة الفلسطيني المحظوظ، وعلاقته المتفلسفة بالوطن، والتراب، والقضية.

في الحقبة الثانية صدرت عشر روايات لفلسطينيين، ست منها في لبنان، وأربع روايات في فلسطين المحتلة، دون بقية الأقطار والمناطق الأخرى، ربما لتواكل فلسطيني سوريا، والأردن، ومصر، وقطاع غزة والعراق على النهوض في تحرير بلادهم، فضلا عن مصاعب النشر في البلاد الأربعة المذكورة، آنذاك.

في سنة 1960 أصدر جبرا روايته الثانية «صيادون في شارع ضيق» بالإنجليزية، مصورا الحياة الاجتماعية للشعب الفلسطيني، بعد النكبة، راسما صورة مفصلة عن الحياة الاجتماعية في بغداد، أواخر أربعينيات القرن العشرين. وقابل جبرا، في هذه الرواية، الإقطاعيين بغيرهم من الطبقات، والحكام بالشباب، والأغنياء بالفقراء. إننا أمام رواية فكرية، بالدرجة الأولى.

شغلت الحقبة الثالثة ما بين مطلعي سنة 1962 و1965 وفيها صدرت أربع عشرة رواية عن فلسطين، سبع منها في لبنان، وخمس في فلسطين المحتلة، وواحدة في مصر، وأخرى في الأردن.

إن معظم بذور حركة المقاومة الفلسطينية الراهنة ولدت في هذه الحقبة، وحملت سؤالا فلسطينيّا متسترا، اختلط فيه الخوف بالاستحياء، حول إمكانية بروز عمل شعبي غير رسمي، مستند إلى تفكير شعبي غير رسمي، أيضا.

صدرت رواية غسان كنفاني الأولى «رجال في الشمس» عشاق الرحلة الفلسطينية، هربا من العذاب، وبحثا عن الخلاص. مجسدة خصوصية فلسطيني الشتات، بعد النكبة، إن الأجيال الفلسطينية الثلاثة تعبر الموت (الصحراء) بحثا عن الحياة والاستقرار، وتتكون نهايتها البائسة. فالهروب من المخيم موت آخر، هنا يبدو الوعي عند الإنسان الفلسطيني في حالة ركود وندم، إطارها الجهل والتخلف والأنظمة المتاجرة، والقيادات العاجزة، لقد أعلنت «رجال في الشمس» أن الموت السلبي في انتظار الذين يفرون بعيدا عن الوطن.

نشرت رواية يوسف الخطيب، أولا، على شكل حلقات في شهرية «الآداب» البيروتية، باسم «عناصر هدامة» سنة 1954، وإن كان الخطيب جمعها، ونشرها، لاحقا، لذا تنتمي هذه الرواية إلى الحقبة الأولى. وقد تضمنت عرضا لطريقة الجنود الإسرائيليين في الاعتداء العسكري على القرى الفلسطينية، وكيف كانت الحكومة الأردنية ترد برفع شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي، فضلا عما عاناه الفلسطينيون.

خاتمة

باستقراء ما فات يتضح أن هذين الجنسين الأدبيين (القصة القصيرة والرواية) قد نجحا، إلى حد بعيد، في القيام بواجبهما حيال الوطن والشعب. ففي الحقبة الأولى شغل الروائيون وكتاب القصة القصيرة الفلسطينية بالمعاناة الفلسطينية، والحياة اليومية، فضلا عن التوق الفلسطيني للعودة إلى الوطن. وفي الحقبة الثانية بشر الروائيون وكتاب القصة بقرب التحرير، في تساوق مع النهوض العربي القومي، الذي ما أن انحسر، في الحقبة الثالثة، حتى ركزت القصة والرواية الفلسطينيتان على طليعية الشعب الفلسطيني في تحرير ترابه الوطني، في استقواء بعمقه العربي في الوقت نفسه.

ظل المحصول الأدبي العربي الضخم، الذي أثارته قضية فلسطين، محدود الأبعاد، مقتصرا عن مستوى المأساة ذاتها، لأسباب موضوعية عدة:

- الانشغال عن تمثل الحدث العظيم، وفهم معناه.

- امتداد المأساة، وعدم تكشفها عن نهاية حاسمة، معجزات مفاجئة، تنهي البؤس، وبذلك تصرف المرء المعني بالبحث عن الوسائل الثورية.

- ارتباط تخلف أدب النكبة بالتخلف الاجتماعي، والسياسي، والثقافي في الوطن العربي.

- حداثة الرواية والقصة في وطننا العربي، لم يتح لهما الزمن الكافي للنضج والاختمار.

أما السؤال الإنساني فظل غائبا، تماما، عن الموضوع، حتى حرب 1967، وطغى الأفق القومي (وأحيانا الديني)، وكان الجواب جاهزا بغير سؤال. وبدأ الأدباء الشباب، منذ بداية الحقبة الثالثة (1962 - 1965) يظهرون ميلا للربط بين النكبة الفلسطينية، ومفهومات الثورة العربية من جهة، ولمحاولة الكشف والتحليل من جهة أخرى.

فيما كانت التجربة الفلسطينية مرشحة، أكثر من غيرها للبعد الإنساني، فأساس المعاناة الفلسطينية مشكلة عالمية (المسألة اليهودية)، كما أن الشخصية الفلسطينية إيجابية، لم تحقد على العالم، الذي ظلمها. فالموقف في الأدب الفلسطيني شكوى فلسطينية من المعاناة، وإيمان فلسطيني بأن العدالة ستعم، وبأن التلاحم مع العالم وسيلة إحقاق الحق، وليس التصدي له.


* مؤرخ فلسطيني.

الأخبار
شؤون سياسية
صفحات وملفات خاصة
ساحة الحوار
حوارات حية
بنك الفتاوى
اسألوا أهل الذكر
استشارات دعوية
استشارات الزكاة
حدث في العام الهجري

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع