|
كتاب
المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابي "تاريخ
لفلسطين الحديثة، أرض واحدة وشعبان"،
الصادر عن دار نشر كامبريدج الجامعية
المحترمة عام 2004، يقدم مثالا على مقاربة
بديلة للواقع الفلسطيني. قراءة هذا
الكتاب، ليس من وجهة نظر مشارك في تشكيل
"الحقيقة التاريخية" وإنما من موقع
المتلقي لهذه الحقيقة...
اعتراف
إسرائيلي بسياسة الترانسفير
إيلان
بابي أستاذ تاريخ في جامعة حيفا. إنه أحد
المؤرخين الإسرائيليين الجدد القلائل
الذين قاموا بمراجعة نقدية لتاريخ
إسرائيل الصهيوني وبقوا ثابتين على نقد
سياساتها تجاه الشعب الفلسطيني. يدرّس
إيلان بابي في جامعة حيفا "تاريخ
الصراع في فلسطين". وقد عانى الكثير من
الهجوم على شخصه وموقعه الأكاديمي داخل
الجامعة وخارجها على خلفية تحليله
لممارسات إسرائيل المتعالية على الشعب
الفلسطيني داخل ما يعرف بـ"الخط
الأخضر" وخارجه. كان كتابه الأول عن
"نشوء الصراع العربي الإسرائيلي، 1947 -
1951" مرجعا مهما في تحليل وثائق الأرشيف
الإسرائيلي التي تم الإفراج عنها حديثا،
حين بيّن كذب الرواية الإسرائيلية
القائلة بالخروج الطوعي للقلة الباقية
من السكان العرب عام 1948. لقد كشف بابي، مع
غيره من المؤرخين الإسرائيليين اعتمادا
على المصادر الإسرائيلية ذاتها، عن وجود
سياسة صهيونية منظمة لطرد أكبر عدد من
الشعب الفلسطيني، عبر ارتكاب المجازر
حينا وحصار القرى الفلسطينية وترويعها
أحيانا أخرى، وذلك من أجل "تنظيف"
الأرض من سكانها الفلسطينيين.
نزعة
إسرائيل الإقصائية متى وكيف؟
ويرصد
كتاب بابي بدايات صياغة الأفكار القومية
في فلسطين لدى الطرفين العربي والصهيوني.
فيبين بشكل خاص الالتباس الذي طبع
الصياغات القومية العربية، حيث اختلطت
كثيرا بفكرة الوطنية الفلسطينية، وكانت
في معظم الوقت ذات طابع دفاعي حفز على
صياغتها الانتهاك الاستعماري الأوربي
ومن ثم الصهيوني لمجتمع فلسطين. لكن
السياسة القومية التي يرى بابي أنها كانت
سببا لكثير من المصائب هي بالنسبة له
الصهيونية. يستعرض بابي تاريخ تشكيل
القومية الإسرائيلية الحديثة على خلفية
دينية، من قبل النخبة السياسية
الصهيونية، وكيف كانت تطبعها نزعة
استعمارية وإقصائية للآخر على نحو مدمر.
ويعترف الأستاذ المؤرخ بانحيازه ضد
السياسات القومية التي لجأت إليها النخب
الصهيونية منذ تشكلها والاحتلال الذي
أنتجته. كما يقر في بداية كتابه بتعاطفه
مع الطرف الضعيف في أية علاقة اقتصادية
أو اجتماعية أو سياسية على أرض فلسطين (ص12).
يركز
بابي في روايته على رصد تاريخ فلسطين
الحديث من وجهة نظر المجتمع السفلي. إنه
ذلك المجتمع الذي ينحى بفطرته إلى العيش
خارج السياسة وعلاقات القوة. إنه مجتمع
ينزع إلى اكتشاف صيغ تعايش خلاقة، إنه
مجتمع يتوجه بإنسانيته إلى إنسانية
الآخر. لكنه مجتمع ضعيف، كثيرا ما تجرفه
حسابات النخب السياسية الضيقة بكل ما
فيها من احتقار للآخر. إننا لا نقرأ
تاريخا لجموع بشرية صماء، أو لشعوب سلبية
يتم التعاطي معها على أساس مدى انصياعها
لخيارات النخب السياسية. كما أننا لا
نقرأ تاريخا لحروب وانتصارات ونكبات
ومفاوضات. إنما تجدنا أمام قصص لقرى ومدن
وعائلات وأفراد تمر عليها الأحداث
السياسية المخربة لكياناتها، فتزيدها
إصرارا على البحث عن صيغ عيش تحقق
إنسانيتها. إنها قصص مقاومة لمشاريع
سياسية نخبوية تملك كلها القدرة على
إقصاء أي توجهات غير مواتية أو غير موظفة
لخدمة مآربها.
المشروع
الصهيوني والتهام أرض فلسطين
تبدأ
رواية بابي من منتصف القرن التاسع عشر
حيث كان يعيش في فلسطين نصف مليون نسمة (ص16).
كان مجتمعا بعيدا عن الحداثة الغربية،
يحكمه تعايش مقبول بين طوائفه المسيحية
واليهودية والإسلامية. نقرأ قصصا عن بعض
النساء اللواتي كن يطالبن بحقوقهن بقوة،
أمام المحاكم الشرعية، بما في ذلك حقهن
في اختيار أزواجهن أو في المحافظة على
نصيبهن في الميراث (ص16). نقرأ عن قرى كانت
تخرج فيها النساء المسلمات بدون حجاب،
إلى أن دخلها المبشرون الغربيون (ص17).
نقرأ عن بدايات قدوم بعض الأوربيين في حج
للأماكن المقدسة، عن "حملات صليبية
صامتة" كما كان يسميها بعض المؤرخين،
وعن إنشائهم لجزر استيطانية منغلقة على
نفسها يحكمها جشع استغلال الأراضي
المستوطنة مع ازدراء فظ للسكان المحليين
(ص 41).
نقرأ عن
تشكل الصهيونية كحركة قومية أوربية
وتحولها السريع لمشروع استعماري هدفه
قضم أكثر ما يمكن من أرض فلسطين وطرد
سكانها المحليين (ص 35 وما بعدها). نقرأ عن
التدابير المنظمة التي اتخذتها النخب
الصهيونية المستوطنة حديثا لغرس الأفكار
الصهيونية الكارهة للآخر الفلسطيني حتى
في رياض الأطفال (ص 89). نقرأ عن بدايات وعي
سكان فلسطين بالمشروع الصهيوني
الإقصائي، عن صراعات نخبهم المحلية
والضيقة، عن استقبالهم للأفكار القومية
الآتية مع المبشرين والمستوطنين
الأوربيين والصهاينة وعن تخبطهم في
إعادة إنتاجها، على أساس ديني إسلامي
حينا أو قومي عربي أحيانا أو وطني
فلسطيني في أحيان أخرى (ص 105).
الانتداب
البريطاني ودوره في ضياع فلسطين
نقرأ عن
انتهاء الانتداب، عن تقرير الغالبية في
لجنة تابعة للأمم المتحدة أوصت بتقسيم
فلسطين في 29/11/1947 وعن تقرير أقلية أعضاء
اللجنة التي أوصت بإقامة دولة واحدة على
أساس ديمقراطي. نقرأ عن بدايات طرح أسئلة
حقيقية في أروقة الأمم المتحدة، وكذلك
ضمن الإدارة الأمريكية نفسها عن وجود
بدائل من تقسيم الأرض، سرعان ما تم
إجهاضها بسبب محاربة أوساط الوكالة
اليهودية لأية أفكار بديلة من التقسيم،
وإفلاس الدبلوماسيين والساسة العرب في
دعم حلول بديلة أو اقتراحها (ص 126 127). نقرأ
عن صدور قرار الجمعية العمومية الخاص
بتقسيم فلسطين، وعن محو القوات
الصهيونية أولى القرى الفلسطينية عن
الأرض (ص127).
نقرأ عن
عمليات "التطهير العرقي" التي حدثت
بين شهري آذار 1948 وكانون الثاني 1949 قبل
إعلان قيام إسرائيل وبعده عن "الخطة د"
التي نفذتها قوات الهاغناه للاستيلاء
على أراض فلسطينية غنية بمواردها وطرد
أكثر ما يمكن من السكان الفلسطينيين منها
(ص 129). نقرأ عن قرى فلسطينية أبيد سكانها
بمجازر وحشية، وتم مسح معالمها على الأرض
(ص 131). وعن قرى أخرى حاصرتها قوات
الهاغناه من ثلاثة أطراف، ثم روعتها من
أجل أن تدفع سكانها إلى الهرب من الطرف
الرابع المفتوح (ص 137). نقرأ عن ترك نخب
المدن الفلسطينية مجتمعاتها لملاقاة
مصيرها الأسود وعن تخبط إمكانات القوى
العربية في المواجهة وضعفها (ص 132). نقرأ
عن قدوم اليهود العرب إلى فلسطين بعد
إعلان قيام دولة إسرائيل وكيف قارنوا بين
بيوتهم الواسعة المفتوحة على الداخل في
مواطنهم العربية وشققهم الضيقة في أبنية
حديثة عالية وموحشة في ضواحي المدن
الإسرائيلية.
نقرأ عن
السياسات التمييزية ضد اليهود الشرقيين
وانجراف بعضهم إلى الجريمة المنظمة أو
التطرف الديني. وعن الظروف الاقتصادية
الاجتماعية للمدن العربية داخل الخط
الأخضر وخارجه، وعن حال مخيمات اللاجئين
المزرية والسياسات المنظمة داخل إسرائيل
وفي الكثير من الدول العربية لقطع الطريق
حتى أمام محاولات تحسين شروط عيش الإنسان
الفلسطيني لحالة الشتات والنبذ
الاجتماعي والسياسي. أما ما بقي من أحداث
فهو ليس إلا تفرعات لصراع تجذرت أسبابه
في تاريخ فلسطين الحديث. حروب ونكسات،
توسع واستنزاف، مساومات ومفاوضات،
انتفاضات وعمليات انتحارية، احتلال
ومقاومة، ومعارك سياسية من أجل المعارك
بغض النظر عن أهدافها. وتمضي الأيام
لتمعن النخبة الصهيونية في عجرفتها
السياسية واحتقارها للآخر الفلسطيني.
ويزداد في المقابل شقاء المجتمع
الفلسطيني وآلامه. ويخفت في الجهتين وميض
الحلول البديلة التي تبحث عن الإنسانية
المشتركة لسكان الأرض الجريحة بجدار
سيمزق مستقبلها إلى الأبد. ينهي المؤرخ
الأستاذ كتابه بالإعلان عن أنه "من أجل
أن تنجح أي مبادرة سلام سياسية، فإن فصل
انتزاع الفلسطينيين من أرضهم يجب أن يغلق.
إن الاعتراف صراحة بانتزاع الفلسطينيين
من أرضهم عبر قبول الحق المبدئي لعودة
اللاجئين الفلسطينيين هو التصرف الوحيد
الذي يمكن أن يفتح الباب على الطريق
للخروج من الصراع" (ص 268).
يتميز
كتاب بابي بانفتاح كبير على مصادر متنوعة
ومثيرة للاهتمام ككتاب "ولاية بيروت"
لرفيق التميمي ومحمد بهجت مثلا. كما
ينفرد في تضمنه للكثير من الأدوات
المساعدة على القراءة كالصور والخرائط
وفهارس للأعلام والأحداث التاريخية
والمواضيع وثبت بالمراجع.
السؤال
الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن للقارئ
العربي أن يقرأ كتاب بابي الأخير؟
يمكن
القول إن هناك ثلاثة مستويات لقراءة كتاب
بابي:
أولها:
يركز على الكاتب وموقعه المهمش ضمن حقل
المؤرخين الإسرائيليين. هل يبحث القارئ
العربي في الكتاب وفيما يقول كاتبه عما
يريح إحساسه بالإجحاف من صلف الممارسات
الإسرائيلية على أرض فلسطين؟ أم ينظر إلى
الكتاب من خلال حياة الرجل الأكاديمية
بما تتضمنه من شجاعة مثيرة للإعجاب في
الإصرار على عدم تسخير موقعه كمؤرخ
إسرائيلي في المشاركة بتغييب الظلم الذي
يلحق بالمجتمع الفلسطيني؟ كيف للقارئ
العربي أن يتمثل المشروع النقدي
الأكاديمي من أمثال إيلان بابي؟ كيف يمكن
لنظراء بابي من المؤرخين العرب أن يكفوا
عن إنتاج تاريخ مهادن أو اعتذاري لأعمال
السلطات السياسية أو الدينية أو
التقليدية، غارق في التخصص الممل أو
المواربة عديمة الأهمية؟ كيف يمكنهم أن
يطرحوا الأسئلة الحقيقية حول الروايات
التاريخية المؤسسة لسطوة أي سلطة فاعلة
في المجتمعات العربية، إذا كانت مثل هذه
الروايات تكرس لأوضاع ظالمة؟
أما
مستوى القراءة الثاني فهو ذلك الذي يركز
على علاقة بابي بـ"الحقيقة التاريخية"
والموضوعية العلمية. يعتبر بابي أنه يقوم
"بإعادة بناء للوقائع التاريخية"
التي مرت على فلسطين المعاصرة (ص 11). وهو
يمزج، بشكل مثير للاهتمام حقا، بين
اعتماده الأساسي على المصادر التاريخية
المحققة، بشكل علمي صارم، واعترافه منذ
البدء بانحيازه وذاتية روايته، وكأنه
يقول إنه لا مكان للخطاب الموضوعي في
البحث التاريخي. غير أن كل عمل بابي
السابق في فضح الممارسات الإسرائيلية
بالاعتماد على القراءة الموضوعية
للمصادر يشير إلى عكس ذلك تماما. نعرف بأن
السلطة السياسية تملك القدرة على وضع
معايير إنتاج الخطاب الموضوعي في
المجتمع، بحيث تستأثر بسلطة تحديد من يحق
له أن يتكلم بموضوعية. نعرف، والحال هذه،
بأن الخطاب الموضوعي ليس إلا سلاحا بيد
السلطة السياسية، تستخدمه لإنتاج معرفة
تحرف الانتباه في كثير من الأحيان عن
أوضاع اجتماعية ظالمة بما يواتي إدامة
سلطانها.
لكن عمل
بابي من موقعه المهمش يندرج في إطار
الكشف عن عملية التبسيط الأحادي لتاريخ
فلسطين الحديث، وفضح كم يمكن أن يكون
الخطاب الموضوعي التاريخي حول فلسطين
مقنعا. كما أن أهمية كتاب بابي الأخير
تكمن في أنه يقدم مثالا عن ضرورة التطلع
إلى الموضوعية في قراءة المصادر
التاريخية بشكل يساعد على طرح الأسئلة
المغيبة والاقتراب من معاناة فئات خاضعة
محرومة من حريتها في تقرير مصيرها. وكان
مشروعه الأكاديمي يمر بثلاثة أزمان من
حيث علاقته بالموضوعية العلمية:
أولها:
زمن نقدي للخطاب السائد في الجامعات
ومراكز البحث الإسرائيلية، يكشف فيه عن
أثر الأجندة الصهيونية في إنتاج معرفة
محرفة لتاريخ فلسطين.
وثانيها:
زمن القراءة الموضوعية الصارمة للمصادر
بما في ذلك التاريخ الشفوي الذي طالما
تجاهله المؤرخون التقليديون، وذلك من
أجل الكشف عن الوقائع المغيبة.
وثالثها:
زمن وضع عمله الأكاديمي الشخصي موضع
البحث والنقد.
لقد
تمكن بابي في مقدمة كتابه من النظر من بعد
إلى عمله الشخصي ليقر بدون عناء بأن
روايته ذاتية منحازة للضعيف. لكن
مداخلاته عبر الصحف التي تقبل بأن تنشر
له، تكشف عن محاولاته للنظر في عمله من
موقعه ضمن الحقل الأكاديمي الإسرائيلي
وفي البحث عن فرص خلق حراك أكاديمي حواري
داخلي يصحح الانحراف في المعرفة السائدة
عن تاريخ أرض فلسطين ومجتمعها.
يقودنا
ذلك إلى المستوى الثالث للقراءة. إنه
يتعلق بممارسة بابي للتأريخ. ليس كتاب
بابي رواية كبرى عن تاريخ فلسطين. إنه عمل
لا يهدف إلى تفسير مجرى الأحداث
التاريخية عبر اكتشاف العوالم الخفية
التي تتحرك ببطء شديد على فترات طويلة،
كما يقول فرنان بروديل. وإنما يدرس
تاريخا يحاول أن يقترب من الإنسان العادي
الذي لا اسم له ولا تأثير، والذي تتخبط
حياته في مجريات الأحداث الآنية. وكأنّا
بالكاتب المؤرخ يريد أن يقول بأن قصص
الإنسان العادي تستحق أن تكون رواية كبرى.
إنه يريد أن يجعل من كل معاناة فردية قصة
كبرى. يبدو الإنسان العادي في فلسطين في
نظر بابي، كرجل جان جاك روسو في حالة
الطبيعة، مسالما ينزع إلى التعاون
والاجتماع والدفاع عن النفس حين يهاجم
فقط. سرعان ما دخلت عليه الحداثة فأفسدت
فطرته. إنه إنسان مليء بروح المبادرة
وقادر، إذا تركت له حريته، على طرح
البدائل الخلاقة، بعيدا عن حسابات
السياسة وعلاقات القوة.
إنه
لتحد كبير للبحث والنشاط النقدي في مجتمع
فلسطين أن يقترب من حياة الإنسان العادي
ليلم بكل غناها وتعقيدها. كيف يمكن
للتاريخ أن يروي حكايات الناس في تخطيها
لحسابات السياسة وفي مقاومتها للقوى
التي تسعى إلى خنق مبادرتها الخلاقة في
العيش الحر؟ كيف يمكن للصحافة أن تسبر من
وراء الصور حكايات الناس في محاولاتها أن
تعيش حياة طبيعية ليست موضوعا لصور يتم
تناقلها لاستخدامها في سباق محموم على
السبق الصحافي؟ كيف يمكن للقانونيين أن
يكفوا عن النظر إلى شقاء "المدنيين"
في "الأراضي المحتلة" من خلال قواعد
قانونية بعيدة عن الواقع اليومي المعاش،
ليفكروا في القانون من منطلق معاناة
الضحايا ومقاومتهم للحروب.
* نقلا
من موقع
المشهد الإسرائيلي بتصرف من المحررة
**
كاتب المقال حقوقي سوري يعمل في سويسرا |