الصفحة الرئيسية

 
الأحداث في صور
 ابحث | بحث متقدم 

قضية فلسطين

المقاومة الفلسطينية | الفصائل الفلسطينية | عمليات التسوية | فلسطين والمجتمع الدولي | فلاشات


الانتخابات وإشكالية الوعي الفلسطيني*

د/ عزمي بشارة **

12/12/2004

عزمي بشارة

من حق المواطن الفلسطيني ألا يفهم ما اصطلح على تسميته بـ"المعارضة الفلسطينية"، وذلك ليس لعلة في عقله. صحيح أن المصطلح نفسه غير مفهوم؛ لأننا لسنا في دولة بائتلاف ومعارضة، ولكن ليس هذا ما أقصده، بل أقصد سلوكها ومنطقها السياسيين. لقد قاطعت القوى السياسية المعارضة لاتفاقات أوسلو انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الوحيدة على أنها "إفراز من إفرازات أوسلو". ونحن من معارضي أوسلو الذين لم يفهموا لغة "الإفرازات" الاستنباطية هذه، ولا هذا المنطق برمته.

فمن يعارض اتفاقات أوسلو سياسيًّا، يعارضها أيضًا في انتخابات سياسية، هي مثل معارضتها "إفراز من إفرازاته"، إلا إذا كانت المعارضة غير سياسية، بمعنى أنها لا تميز إنكار الواقع عن استنكاره والنضال في الواقع عن الاعتراف به. حسنًا، قد لا يتفق المرء مع هذا الموقف لكن ما هو غير المفهوم فيه؟ ما هو غير مفهوم هو أن بعض هذه القوى السياسية تحولت، هكذا بكل طبيعية، من مقاطعة انتخابات المجلس التشريعي إلى اعتبار هذه الانتخابات مطلبًا، بل حتى شرطًا للمشاركة في الانتخابات الرئاسية. كيف "أفرز" الموقف المطلق نقيضه المطلق؟ هذا غير مفهوم، متى ولماذا تم التحول من المقاطعة إلى المشاركة؟ ومتى ولماذا تحولت المشاركة إلى اعتبار انتخابات المجلس التشريعي شرطًا للمشاركة في الانتخابات الرئاسية؟

معضلة المعارضة والانتخابات!!

فوّتت "المعارضة" في حينه فرصة تاريخية للتحول إلى عنوان سياسي مقابل السلطة داخل المجلس التشريعي، أي إلى عنوان يمثل الاعتراض على القرار السياسي، وذلك ليس بالمقاومة وحدها، بل بترجمتها إلى قوة سياسية شرعية في إطار الكيان السياسي الفلسطيني القائم أيضًا والذي يتم التعامل معه دوليًّا. وقد فوتت حاليًّا فرصة تاريخية لمشاركة حقيقية في انتخابات رئاسة السلطة بمرشح واحد مقابل مرشح السلطة، حتى لو كان ذلك في انتخابات جزئية في الضفة والقطاع. فهذه الرئاسة قائمة في الضفة والقطاع. وقوى "المعارضة" الفلسطينية تعلم أن رئيس السلطة الفلسطينية سيمثل سياسة السلطة التفاوضية على الأقل، فلماذا لم تقدم البديل بصيغة برنامج حد أدنى يمثله مرشح بديل؟ وأقصد مرشحًا واحدًا عن قوى المعارضة إذا كان ما يجمعها سياسيًّا ويميزها عن السلطة في الوقت ذاته أهم من صراعات النفوذ فيما بينها.

ولنصعب المسألة على أنفسنا! إذ قد يقول قائل إن الوظيفة الفلسطينية المهمة هي رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية وليس رئاسة السلطة، فتلك تمثل كل الشعب الفلسطيني. وقوى المعارضة تدعو إلى تفعيل مؤسساتها وفصلها عن السلطة الفلسطينية. نعرف هذه المواقف، نعرفها ونتفق معها. حسنًا إذن، لماذا لم ترشح المعارضة أحدًا لينافس على رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، مرشحًا بديلاً ولو لمجرد التسجيل أن هنالك سياسة بديلة في إدارة منظمة التحرير ومن أجل وضعها في مركز الحياة السياسية الفلسطينية. ما حصل هو العكس. لقد مر انتخاب رئيس منظمة التحرير كخبر هامشي من دون نقاش. واستقطبت انتخابات السلطة حصة الأسد من الاهتمام، بما في ذلك اهتمام المعارضة.

إشكالية الوعي لدى الفصائل الفلسطينية

منظمة التحرير وليس السلطة هي التي وقعت اتفاق أوسلو. ولا بد أن لقوى المعارضة الفلسطينية ما يقال في ذلك وفي كيفية إدارتها وحول علاقتها مع السلطة. لقد مُرِّر انتخاب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير من دون نقاش ولا حتى سياسي، فعندما طرح موضوع انتخاب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير قيل إن الوحدة تتطلب التصويت لمرشح حركة فتح. فالمفهوم الرائج للوحدة في هذه الديار أنها تعني الإجماع. في حين يقضي التصرف الديمقراطي أنه بالإمكان ترشيح مرشح بديل والتوحد حول من انتخب إذا لم ينجح المرشح البديل، هذا هو المفهوم الديمقراطي للوحدة. وحين حلّت مرحلة الترشيحات لانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية قيل إن المهم هو رئاسة المنظمة.

لسبب ما تسمي بعض قوى المعارضة الفلسطينية ذاتها قوى ديمقراطية، فما وجه الديمقراطية في هذا السلوك السياسي، من واجبها أن تطرح برنامجها وأن تنافس عليه إذا توفرت الظروف لذلك ولو في ظل الاستعمار ذاته، سواء كان ذلك في رئاسة منظمة التحرير أو السلطة أو البلدية أو اتحادات الطلبة... فكل انتخابات سياسية تحمل عناصر من حق تقرير المصير، وهو مناهض للاستعمار بحكم التعريف. قد تكون لدى القوى السياسية أسباب سياسية لمقاطعة الانتخابات وربما لعدم الثقة بنزاهتها، هنا يحتم عليها واجبها الانتخابي أن تدعو للمقاطعة، وتكون هذه مشاركتها الانتخابية وقياس قوة موقفها. ولكن الحزب السياسي لا يستطيع ألا يدعو لمقاطعتها وألا يشارك فيها في الوقت ذاته، فهذا السلوك يهمش الأحزاب ويضعفها، ويمس بالديمقراطية.

إنها تفعل ذلك في النقابات المهنية والطلابية، ولكنها لا تفعل ذلك بالنسبة لقيادة منظمة التحرير ربما لأنها تسلم بذاتها كمعارضة ولا تزال أسيرة نظام المحاصصة. فالإنجازات على المستوى النقابي تؤكد أهليتها للمحاصصة على مستوى القيادة. هذا ما كان في الماضي، أما حاليًّا فالأمر أكثر خطورة.

لقد أدى تخلي الفصائل عن المنافسة بشكل جدي على رئاسة السلطة إلى شرعنة جعل الاعتبارات الإقليمية فوق الاعتبارات الداخلية الفلسطينية في عملية الانتخاب ذاتها.

فالجميع يعلم أن الطبيعية التي تم فيها انتخاب مرشح حزب السلطة للانتخابات لا علاقة لها بشعبية المرشح بالمعنى الذي بموجبه تختار الأحزاب عادة مرشحها أو تجمع عليه من دون تنافس، بل لها علاقة بوحدة الحركة وبقائها في السلطة. هذا واضح، واختيارها للمرشح له علاقة بعوامل إقليمية، ويستند إلى افتراض أن العوامل الداخلية الفلسطينية لا تزال أضعف بكثير من العوامل الخارجية، فلم تقم دولة بعد دولة ولا نزال في خضم عملية تفاوض وحركة بناء دولة من زاوية نظر واحدة، أو في خضم حركة تحرر ومقاومة من زاوية نظر أخرى.

والانتخابات للسلطة الفلسطينية تتم في ظل العوامل الإقليمية والدولية التي تتحكم بالتفاوض وما يسمى بالعملية السياسية، وبموجب هذا المنطق اعتبرت القوى المشاركة في التفاوض الانتقال من وفاة ياسر عرفات إلى المرشح الحالي رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير هو الأمر الطبيعي الذي يكاد لا يناقش. ونحن فعلاً لا نسمع نقاشًا سياسيًّا داخل حركة "فتح"، ولا حتى في سياق انتخاب أشخاصٍ حسب الناس أن هناك نقاشًا سياسيًّا معهم، ويبدو من الصمت كأن هناك افتراضًا لتعارض بين النقاش والوحدة، وكأن هناك تناقضًا بين تعددية المتنافسين داخليًّا وبين الحسم بينهم نحو مرشح واحد.

كل ما هو غير طبيعي بدا طبيعيًّا، بل مصدرًا للاعتزاز. وتم تأكيد الثوابت. والثابت الوحيد هو الإجماع على المرشح من دون تنافس، وكل ما عدا ذلك غير ثابت وغير متفق عليه، ولكن تم الاتفاق على عدم مناقشة غير المتفق عليه. ربما، وربما يشكل هذا تفسيرًا واحدًا لما يحصل.

وهناك تفسير آخر: أن النقاش لم يكن سياسيًّا من أصله. بمعنى أن أيًّا من معارضي هذا المحور داخل حركة "فتح" في مرحلة أوسلو والعقبة وغيرها كان سيتصرف مثله لو وضع مكانه، وكل ما في الأمر أنه أراد أن يكون مكانه. أي أن الصراع هو صراع نفوذ. وقد تم تجاوز صراع المحاور هذا من أجل مصلحة الجميع في البقاء في السلطة فلا نفوذ لأي منهم دونه، أما النقاش السياسي فلم يكن قائمًا أصلاً، بل كان غطاء لصراع محاور داخل الحركة... وهذا ينطبق على المحاور كافة. هذا كما قلنا تفسير آخر.

أما عزوف أحزاب المعارضة عن الترشيح الجدي المشترك الذي يتجاوز التنافس بينها كفصائل فقد أكد هذا الواقع ولم يعارضه بواقع آخر. وحتى لو لم تعترف المعارضة بالسلطة فإن ذلك لا يتعارض مع خوضها انتخابات السلطة في برنامج يدعو لحلها في أقصى الحالات مثلاً. ولكنها لم تفعل ذلك ولم تعرض بديلاً عن السلطة.

والأهم من ذلك أنها سهلت على السلطة رفض مقولة القيادة الوطنية الموحدة. فلماذا لا يشارك في الانتخابات من يطالب بقيادة وطنية موحدة؟ قد يرفض من شارك في الانتخابات المشاركة في الحكومة ليؤكد ضرورة قيام قيادة وطنية موحدة، خصوصًا أن الانتخابات تثبت وجود قوة سياسية واضحة تطالب بقيادة كهذه قيادة كهذه. ورئيس السلطة المنتخب يستطيع تجاهل ما يزيد على 40% من الأصوات في دولة، ولكن ليس في مرحلة تحرر. هنا يصبح بالإمكان ترجمة مفهوم الوحدة إلى مطلب عيني واضح.

أين أطروحة المواقف البديلة؟!

قد يدعي البعض أن المعارضة تعارض وتقاطع لكي تطرح موقفًا بديلاً!!! مطلب قيادة موحدة مثلاً مقابل السلطة وإستراتيجية مقاومة موحدة خارج السلطة لا علاقة لها بعملية التفاوض. ولكن ما نشهده هو مفاوضات بين قيادة السلطة والفصائل من هدنة ووقف إطلاق نار وجمع السلاح إلى انتظار نتائج التفاوض، والحرص على ألا تتخلى السلطة الفلسطينية عن "الثوابت" في المفاوضات. والجميع يعلم أن برنامج الحد الأقصى بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية هو أفكار كلينتون!!! اسألوهم عن رأيهم بها وستسمعون الجواب. هذه هي الحقيقة. وقد يكون هذا هو المقصود بالثوابت. وربما المقصود بالتمسك بالثوابت هو تجميدها خارج التفاوض، أي التركز بالمفاوضات على مرحلة انتقالية طويلة المدى تشمل دولة فلسطينية كمركب من مركباتها على 40 - 50% من أرض الضفة الغربية إضافة إلى غزة؛ لأن الحل الدائم غير ممكن. فكيف ستتعامل المعارضة مع هذا السيناريو الواضح، إما أفكار كلينتون (ولا يوجد شريك إسرائيلي لها حاليًّا) أو مرحلة انتقالية طويلة المدى.

ألم يحن الوقت لطرح إستراتيجية موحدة للمعارضة على الأقل تطرحها للمجتمع الفلسطيني في الانتخابات أو حتى بدون انتخابات كبديل لهذا كله؟

كنت أتمنى لو أن المطالبة بانتخابات مجلس تشريعي تدل على تغيير في العقلية وليس فقط مجرد تأخر وتلكؤ في فهم ما يجري. ولكن الموقف من انتخاب رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة تدل على أنها لا تعكس تغييرًا في العقلية. لا يوجد تناقض بين المقاومة والسياسة. ومن تتوفر لديه إستراتيجية مقاومة يفترض أن لديه إستراتيجية سياسية.

على فكرة ما هو النقاش في الانتخابات الفلسطينية الحالية ما دام الجميع متمسك بالثوابت، والجميع مع الإصلاح والديمقراطية، والجميع حتى مع حق العودة.

هل يصدق أحد ذلك؟ ليس هذا مهمًّا كما يبدو؛ لأن موضوع الانتخابات كما رسخ في الذهن وكما تتصرف القوى السياسية المختلفة هو منح ختم شعبي شرعي لقيادة تم الاصطلاح عليها؛ لأنها تبدو إقليميًّا الممكن الوحيد. لا شك أن القارئ يذكر أنه كلما انتقد القيادة الفلسطينية كان الجواب العبثي يأتي من كل صوب: "ولكن هل لديك بديل؟". ولا يفترض أن يكون لكل ناقد بديل. أما الفرق بين الانتخابات وغيرها من أدوات النقاش والمحاورة أن حزبًا سياسيًّا أو شخصًا لا يستطيع أن يخوض الانتخابات بجدية وألا يجيب على هذا السؤال: "ما هو بديلك؟". إذا كان لدى أحد ما يقوله فليقله الآن في سياق المقاطعة أو المشاركة، هذه هي الانتخابات. في مقدمة كتاب "رأس المال" جلب ماركس مثلاً من الميثولوجيا اليونانية. كان أحدهم يفاخر في أثينا قائلاً: "عندما كنت في رودس قفزت قفزة مهولة، فأجابه مستمعوه: هنا رودس هنا اقفز!" (hic Rhodes hic salt).


* نقلا عن موقع أمين

** عضو البرلمان الإسرائيلي "الكنيست"، رئيس التجمع الوطني الديمقراطي - الناصرة.

الأخبار
شؤون سياسية
صفحات وملفات خاصة
ساحة الحوار
حوارات حية
بنك الفتاوى
اسألوا أهل الذكر
استشارات دعوية
استشارات الزكاة
حدث في العام الهجري

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع