|
طفا على السطح ملف المستوطنات
في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهضبة
الجولان، وأصبح يحظى باهتمامات كبيرة
داخل قطاعات إسرائيلية متباينة،
لأسباب ودوافع مختلفة، لذلك كلما تم
الحديث عن بناء أو توسيع أو إخلاء
مستوطنة أثيرت مجموعة من التساؤلات
والتكهنات حول الأبعاد التي ينطوي عليها
والنتائج السياسية المتوقعة، وقد
أكدت معلومات إسرائيلية توسيع عدد من
المواقع الاستيطانية خلال الأسابيع
الأخيرة، وتعمدت الحكومة زيادة وتيرة
العمل في بعض المشروعات لوجود وقائع على
الأرض تكرس من سياسة الاستيطان، بما
يجعل أي محاولة للإخلاء مسألة صعبة ومادة
مثيرة للجدل، كما أن المشهد الصاخب
الذي يتبناه المستوطنون للتعبير عن رفض
الخروج من مستوطنات غير مأهولة يحمل
إشارة تؤكد صعوبة إخلاء مستوطنات مأهولة
بالفعل، ويمثل إرهابا معنويا للأصوات
الإسرائيلية والدولية المتقطعة التي
تحذر من مغبة استمرار سياسة الاستيطان
على حالها، عقب ابتلاعها مساحات
كبيرة من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
شارون
والتلاعب بورقة المستوطنات
وفي هذا السياق، تزايدت
الإجراءات التي تتعارض مع قرار شارون
بإخلاء أربع مستوطنات وصفها أنها غير
مشروعة، في بيت لحم ونابلس والخليل
ورام الله، ثلاث منها عبارة عن حاويات
فارغة، بينما في الرابعة يسكن عشر
عائلات فقط، وتسمى تفوح معاريف بشمال
الضفة الغربية ومع ذلك شهدت جهودا مكثفة
للحيلولة دون إخلائها، شاركت فيها
دوائر رسمية وشعبية متواطئة، حيث
وفرت وزارة المال مليون شيكل (22 ألف
دولار) لشق طريق يفضي إليها بغرض
تحويلها إلى حي استيطاني يتبع التجمع
الكبير في مستوطنة أرئيل التي سيدخلها
الجدار العازل، ونشط المتطرفون لإنشاء
ما يوصف بـ كلية حركة كاهانا بالقرب منها،
لإضفاء مسحة دينية تضاعف أي تصورات بشأن
المساس بالمستوطنات، وقد سبق أن تراجع
شارون تحت ضغوط مماثلة عن قرار بإخلاء
مستوطنة تدعى مفرون بعد حشد المستوطنين
أكثر من 3 آلاف منهم وبناء معبد (كنيس)
فيها لإعطاء معنى ديني قوي للمستوطنة،
خاصة أن رجال دين يهودا أصدروا أكثر من
فتوى تحرم إزالة المستوطنات، كما بدأ
بعض المستوطنين استعادة زمام الدفاع عن
أنفسهم، عقب تقليص عدد الجنود
المتخصصين لحمايتهم في 14 مستوطنة
بشمال الضفة الغربية لأسباب مادية
وبشرية، وبالتالي فمكونات الرفض
ستتعاظم واحتمالات تصاعد الاحتكاك مع
الفلسطينيين ستتزايد معدلاتها اليومية.
إخلاء
المستوطنات بين الوهم والحقيقة
وإذا كان ملف الاستيطان له
أبعاده الأمنية والاقتصادية والدينية
والديموجرافية الواضحة، فإن مضمونه
السياسي الذي يحمله لا يقل حيوية، بعد
أن تحول لورقة رئيسية تغازل بها حكومة
شارون على الصعيد الداخلي وتناور بها على
المستوى الخارجي، فقد سجلت المستوطنات
الموجودة في عمق الأراضي الفلسطينية (يطلق
عليها معزولة) أعلى نسبة ارتفاع في
عدد سكانها، كما تحصل المستوطنات
المسماة غير مشروعة على دعم متعدد من كل
الوزارات بما يفيدها عند تطرق الحديث
لإخلائها؛ إذ أصبح المستوطنون
يمتلكون وثائق تحظى بمباركة رسمية مما
يقلل من احتمال هدمها بموجب أحكام قضائية،
وتنصب استفادة شارون المركزية من هذه
الورقة في كسب أصوات المستوطنين،
وإيجاد أمر واقع يصعب أن تتجاهله أي
مفاوضات مقبلة فضلا عن تهدئة خواطر بعض
الجهات الداخلية من نتائج الخطر
الديموجرافي المحيط بها والذي حذرت بعض
الدراسات الإسرائيلية من مغبته في
الآونة الأخيرة؛، فالتهام مزيد من
الأراضي الزراعية الفلسطينية من خلال
الاستيطان والجدار قد يساعد على ضبط
ميزان الخلل السكاني.
من جهة أخرى، أثار قرار
اللجنة اليهودية الخاصة لشئون الاستيطان
بمضاعفة عدد المستوطنين في الجولان جملة
من ردود الأفعال المتباينة والمتناقضة،
فقد اعتبرته دوائر مختلفة رسالة صريحة
ومباشرة إلى سوريا لرفض التجاوب مع
رغبتها المعلنة في استئناف المفاوضات،
وأعلنت الولايات المتحدة أنها لم تتلق
إجابة وافية من "إسرائيل" بخصوص
معرفة خطة توسيع المستوطنات في الجولان،
في حين نفى لاحقا إيهود أولمرت وزير
التجارة والصناعة وجود خطط من هذا النوع،
متناقضا بذلك مع تصريحات يسرائيل كاتس
وزير الزراعة ومدير لجنة المستوطنات في
الحكومة الإسرائيلية؛ الأمر الذي
اعتبرته بعض الأوساط يندرج في إطار
المناورة التكتيكية للتخفيف من إحراج
واشنطن، لا سيما أن هناك مشروعا
حقيقيا بدأت حكومة شارون بحثه ومناقشته
منذ شهر أكتوبر الماضي، كما تقدم
مؤسسات مختلفة في الحكومة امتيازات
مادية ومعنوية لجذب المستوطنين نحو هضبة
الجولان علي ضوء اعتبار بعض التقديرات
الإسرائيلية صعوبة الانسحاب منها، في
وقت تتعزز فيه مكانة "إسرائيل"
الإقليمية وتواجه سوريا ضغوطا أمريكية
هائلة، أي أن زيادة المستوطنات في
الجولان مؤجل إعلانه رسميا حتى إشعار آخر.
*
كاتب مصري
**
نقلا عن الأهرام المصري |