|
من المعلوم أن القانون الدولي
العام هو فرع حديث من علوم القانون، لم
يظهر -وفق رأي أغلبية الفقهاء- إلا عبر
معاهدة "وستفاليا" Westphalia التي تم
عقدها عام 1648م(1).
ويميز فقهاء القانون الدولي
العام بين مرحلتين من مراحل تطور هذا
الفرع من فروع القانون، وهما:
- القانون الدولي الكلاسيكي، في
مرحلة نشوئه وتطوره الأولي، بين 1650م و1890م
تقريبا.
- القانون الدولي المعاصر الذي
يحكم عالم اليوم من أوائل القرن العشرين
حتى أيامنا هذه.
وتبدو أهمية التمييز بين هذين
المفهومين للقانون الدولي من وجهات نظر
عدة، وأهمها الناحيتان التاليتان:
* من حيث حق شن الحرب
* من حيث الاحتلال الحربي
أ- من حيث حق شن الحرب
أي حق الدولة في شن الحرب ضد دول
أخرى أو دول أخرى فقد كان هذا الحق معترفا
به بشكل مطلق لأي دولة من الدول، في مرحلة
القانون الدولي الكلاسيكي؛ لأنه كان
ينظر إلى حق الحرب كمظهر أساسي من مظاهر
سيادة الدولة في المجال الخارجي (شن
الحرب وعقد السلم).
وأما في القانون الدولي المعاصر
فقد زال هذا الحق تقريبا بعد أن أصبحت
الحرب جريمة دولية من "الجرائم ضد
السلام"، بل أحيانا من "الجرائم ضد
الإنسانية".
ويستحسن هنا التمييز بين الحرب
الهجومية والحرب الدفاعية؛ حيث إن هذه
الأخيرة لا تزال أمرا مسموحا به في
القانون الدولي، استنادا إلى المادة 51 من
ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وأما الحرب
الهجومية فلم يعد من المسموح اللجوء
إليها إلا إذا جرت تحت علم هيئة الأمم
المتحدة وباسمها استنادا إلى الفصل
السابع من الميثاق.
وأما الحروب الهجومية الأخرى (العدوانية)
فقد منعتها قواعد القانون الدولي
المعاصر، بدءا من "اتفاق بريان- كيلوج"
عام 1928م، وحتى أيامنا هذه، وتعد الدولة
التي تقوم بها "دولة خارجة عن القانون".
ويحاكم الأشخاص المسئولون عن
شنها بصفة "مجرمي حرب".
وبما أن الحرب قد أصبحت جريمة،
واستنادا إلى المبدأ القائل بأنه "لا
يجوز للمجرم أن يستفيد من جريمته"،
فإنه لا يجوز لمن يشن حربا أن يربح منها،
وبالتالي فإن ما يمكن أن تجره الحرب من
مغانم يكون ممنوعا أيضا.
وهذا ما يناقض الأسلوب الذي كان
سائدا في القرون الوسطى، والذي كان يسمح
للدولة المنتصرة أن تتصرف كما تشاء في
الأقاليم المعادية التي تحتلها؛ إذ
بإمكانها أن تنشئ فيها دولة جديدة، أو أن
تضمها إلى أراضيها، أو أن تتنازل عنها
إلى طرف ثالث استنادا إلى ما كان يسمى "حق
الفتح". وأما اليوم فقد زال حق الفتح من
قاموس التعامل الدولي، وحل محله تعبير
جديد هو "مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي
بالقوة".
ب- من حيث الاحتلال الحربي
كان من حق المحارب المنتصر أن
يقوم بالاستيلاء على أراضي خصمه المهزوم
وضمها إلى أراضيه، وقد ظل هذا الحق مطبقا
حتى أواخر حرب السبعين.
ومن ذلك الوقت (1870) لم يعد
للاحتلال الحربي أي أثر ناقل للملكية،
وأصبحت السلطة القائمة بالاحتلال مجرد
سلطة فعلية، أي سلطة أمر واقع أكثر. ولشرح
هذه النقطة بشكل أوسع نقول:
تمارس كل دولة على إقليمها
ورعاياها نوعين من السلطة: السيادة
الشرعية من جهة، والسلطة الفعلية من جهة
ثانية.
ولما يقع جزء من إقليم هذه
الدولة تحت يد دولة أخرى تنتقل السلطة
الفعلية إلى هذه الدولة الأخيرة، بينما
تبقى السيادة الشرعية في يد الدولة التي
تملك الإقليم أصلا(2).
ومعنى هذا أنه توجد في كل إقليم محتل
حربا سلطتان:
* سلطة الدولة صاحبة السيادة
الشرعية من جهة.
* وسلطة الاحتلال من جهة ثانية.
وهذا الأخيرة هي مجرد "سلطة فعلية"
تملك حق إدارة الإقليم فقط، ولكنها لا
تملك حق التصرف فيه من ضم أو إلحاق أو
تنازل عنه إلى طرف ثالث... لأن هذه الأمور
جميعا من اختصاص الدولة الشرعية.
وتطبيقا لهذا المبدأ فإن جميع
الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل
بعد 5 حزيران 1967م هي "أراض محتلة" لا
تملك إسرائيل أكثر من إدارتها، بينما
تبقى السيادة الشرعية عليها للدولة التي
تملكها أصلا، وعلى إسرائيل -كسلطة احتلال-
أن تنسحب منها بعد فترة طالت أو قصرت.
وهذا ما تم فعلا في القسم الأكبر
من المناطق العربية المحتلة التي
احتلتها إسرائيل في عدوان حزيران 1967 وما
بعدها، إذ اضطرت هذه للانسحاب من الأراضي
المصرية -بما فيها طابا- استنادا إلى نص
معاهدة الصلح المصرية- الإسرائيلية
المعقودة عام 1979م كما انسحبت من الأراضي
الأردنية المحتلة استنادا إلى معاهدة
الصلح الأردنية- الإسرائيلية المعقودة
في وادي عربة عام 1994م، وأخيرا انسحبت من
الجنوب اللبناني المحتل استنادا إلى
القرار رقم 425 الصادر عن مجلس الأمن
الدولي.
وتطبيقا لهذا المبدأ أيضا تعد
منطقة الجولان بكاملها أرضا محتلة حربا،
تظل تابعة للحكومة السورية، من حيث
الشرعية الدولية، مهما طال زمن
احتلالها، وعلى إسرائيل أن تنسحب منها
حتما إلى حدود 4 حزيران 1967م.
والأمر نفسه ينطبق على الأراضي
الفلسطينية بما فيها مدينة القدس،
استنادا إلى القرار 242 تاريخ 22 تشرين
الثاني 1967م، الصادر عن مجلس الأمن، الذي
ينص على جملة أمور أهمها: وجوب انسحاب
إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في
النزاع الأخير، أي في عدوان حزيران 1967م.
ولا صحة لما تدعيه إسرائيل من أن منظمة
التحرير الفلسطينية أو "سلطة الحكم
الذاتي الفلسطيني" لا يشملها القرار
رقم 242؛ لأن هذه "المنظمة" أو "السلطة"
كيان دولي يتمتع بشخصية دولية، ويعد قد
حل مكان "المملكة الأردنية الهاشمية"
في حقوقها وصلاحياتها على الضفة الغربية
ومدينة القدس العربية، بعد مؤتمر فاس1974م،
وفق مبدأ "التوارث الدولي".
ومن هذا يتبين أن مدينة القدس هي
جزء من الضفة الغربية، الواقعة تحت
الاحتلال الحربي الإسرائيلي بعد عدوان
حزيران 1967م، وينطبق عليها قانون
الاحتلال الحربي، وعلى إسرائيل أن تنسحب
منها وتسلمها إلى السلطة الفلسطينية كما
فعلت بالنسبة لقطاع غزة ومدن الضفة الست
سابقا. وإسرائيل ملزمة بموجب أحكام
القانون الدولي والشرعية الدولية أن
تعود إلى الحدود التي كانت قواتها تنتشر
فيها يوم الأحد 4 حزيران 1967م.
وإذا حصرنا بحثنا هذا بمدينة
القدس نجد أن هذه المدينة مرت بعدد من
التحولات، إما بفعل الواقع أو بفعل
القانون، طوال القرن العشرين، وذلك
وفق التسلسل الزمني التالي:
أولا: مدينة القدس قبل
التقسيم
ثانيا: القدس في مشروع
التقسيم 1947م
ثالثا: أورشليم. القدس
رابعا: محاولات نقل
العاصمة إلى القدس
خامسا: القدس مدينة
موحدة
سادسا: القدس منذ عام 1980م
أولا: مدينة القدس قبل
التقسيم
كانت القدس مدينة عربية منذ فجر
التاريخ، ثم أصبحت عربية- إسلامية منذ
البيعة العمرية عام 637م.
وظل وضع القدس مثل وضع بقية
المدن الفلسطينية (حيفا، عكا، عسقلان...)
طوال الحكم العثماني، حتى عام 1887م حينما
نزلت الآستانة عند مطالب الدولة الكبرى،
وأعطت مدينة القدس نوعا من "الاستقلال
الذاتي".
وهذا الاستقلال الذاتي ليس "حكما
ذاتيا" وإنما هو استقلال عن الولاية
العثمانية التي كانت تتبع لها أساسا -وهي
ولاية دمشق- وإلحاقها بالعاصمة الآستانة
مباشرة.
واستنادا إلى أحكام اتفاقية
سايكس- بيكو 1916م كانت فلسطين من حصة
بريطانيا، لذلك نجد الجنرال اللنبي
يحتلها عام 1917م ويجعلها مقرا لقيادة
القوات المتحالفة.
وبعد انتهاء الحرب العالمية
الأولى وعقد معاهدة فرساي وإنشاء عصبة
الأمم اعترفت المادة 22 من صك هذه العصبة
بنظام الانتداب الذي بدأت بريطانيا
تمارسه باسم العصبة، وقد ترسخ هذا الأمر
بعد معاهدة لوزان 1923م التي تنازلت فيها
تركيا عن سيادتها عليها، وبهذا بدأت
الشخصية الدولية لفلسطين بالظهور،
وأصبحت مدينة القدس عاصمة لها.
وعلى الرغم من انحياز بريطانيا
في أثناء فترة انتدابها على فلسطين
لليهود على حساب العرب تنفيذا لوعد بلفور
1917م فإن مدينة القدس لم تفقد طابعها
العربي طوال ربع قرن (1922ـ1947) وبقي الجزء
الأكبر منها -حتى في قسمها الغربي الحديث-
في ملكية العرب.
ثانيا: القدس في مشروع
التقسيم 1947
في التاسع والعشرين من شهر
تشرين الثاني 1947م أصدرت الجمعية العامة
لهيئة الأمم المتحدة قرارها رقم 181 (الدورة
الثانية)، وهو يقضي بإنشاء دولتين
مستقلتين ضمن حدود فلسطين المعروفة في
عهد الانتداب البريطاني:
إحداهما عربية، والثانية
يهودية، وأن تكون مدينة القدس الكبرى
خاضعة لنظام دولي خاص خارج عن إقليم
الدولتين العربية واليهودية.
وفق المفردات المستخدمة في
القانون الدولي العام نقول إن قرار
التقسيم جعل مدينة القدس "كيانا
منفصلا" عن الدولتين وأعطاه "صفة
دولية" حيث قضى بأن يدار من قبل "مجلس
الوصاية الدولي" نيابة عن الأمم
المتحدة وباسمها.
وقد حدد التقسيم الامتداد
الإقليمي لمدينة القدس حين قضى بأن تضم
حدود بلدة القدس التي كانت قائمة حينئذ،
إضافة إلى القرى والبلدات المحيطة بها
حتى قرية أبو ديس من جهة الشرق، وبيت لحم
من جهة الجنوب، وعين كارم من جهة الغرب (بما
في ذلك كتلة الأبنية المسماة موتسا)
وشعفاط من الشمال، وذلك وفق الخارطة
المربوطة بالملحق B في القرار.
وقد نص قرار التقسيم المذكور
إعلان على قيام "مجلس الوصاية"
بتعيين "حاكم" لإدارة المدينة
داخليا، والاهتمام بعلاقاتها الخارجية.
وللمدينة "مجلس تشريعي" ينتخب من
أبنائها، وفق "نظام عام" كان من
المفروض أن يوضع لحكم المدينة وإدارتها
قبل الأول من تشرين الأول 1948م. وكان من
المفروض كذلك أن يحكمها هذا النظام لعشر
سنوات على الأقل، ثم بعد هذه المدة يقوم
مجلس الوصاية بتقديم اقتراحات بشأنها -على
ضوء التجربة السابقة- كما يستشار السكان
لتعديل هذا النظام عند اللزوم.
وقضت إحدى فقرات هذا القرار
بأنه "يجب على مجلس الأمن أن يعد كل
محاولة ترمي إلى تغيير نظام حققه وقضى به
المشروع (مشروع التقسيم) بوساطة القوة
تهديدا للسلم وقطعا للعلاقات
الدبلوماسية وعملا عدوانيا"(3).
ومن هذا يتبين لنا أن مدينة
القدس الشريف، استنادا إلى القرار رقم 181
تاريخ 29 تشرين الثاني 1947م الصادر عن
الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة (وهو
قرار التقسيم) تُعد "كيانا منفصلا ذا
نظام دولي".
إن العرب لم يقبلوا في حينه قرار
التقسيم هذا، ولكن عدم قبولهم به لا يعني
إلغاءه، ولا يعني عدم إمكانية عودتهم
للاستفادة منه الآن. أما إسرائيل فقد
قبلته في حينه ولكنها لم تعد تقبل به
الآن، أو بالأحرى هي تقبل جزءا منه وترفض
الجزء الآخر. والأمر الذي يستحسن الإشارة
إليه هو أنه ليس من مصلحة إسرائيل أن
تجادل في قضية إلزامية القرار 181 (الدورة
الثانية) تاريخ 29/11/1947م؛ لأن المستند
الشرعي الوحيد لوجودها كدولة هو قرار
التقسيم المذكور.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فقد
سبق لحكومة إسرائيل أن اعترفت رسميا بهذا
القرار، من خلال البرقية التي أرسلها
موشي شاريت، وزير خارجية الحكومة
المؤقتة لدولة إسرائيل، إلى الأمين
العام لهيئة الأمم المتحدة، المستر
تريغفي لي لإعلامه بنشوء الدولة حيث حدد
له أن هذا الإعلام يأتي تنفيذا لقرار
الجمعية العامة تاريخ 29 تشرين الثاني 1947م:
IN IMPLEMENTATIUM OF RESOLUTION OF "THE GENERAL
ASSEMBLY OF 29 NOV.1947
كما أقر آبا إيبان، مندوب
إسرائيل في هيئة الأمم المتحدة، أثناء
مناقشة قبول عضوية دولة إسرائيل في
الهيئة بالوضع القانوني الدولي لمدينة
القدس حين قال: "إن النظام القانوني
لمدينة القدس مختلف عن الأراضي الخاضعة
للسيادة الإسرائيلية THE LEGAL STATUS OF JERUSALEM IS
DIFFERENT FROM THE TERRITORY IN WHICH ISRAEL IS SOVERAIGN”.
ولم تقبل إسرائيل في عضوية هيئة
الأمم المتحدة إلا بعد تعهدها رسميا
بقبول قرارات هذه الهيئة، ولا سيما
القرار 181 (الدورة الثانية) والقرار 194 (الدورة
الثالثة) بما في ذلك ما يتعلق بمدينة
القدس.
ثالثا: أورشليم. القدس
من المؤسف أن قرار التقسيم (مع
تدويل القدس) هذا لم ينفذ في حينه، وانتهت
حرب عام 1948م إلى احتلال إسرائيل للقسم
الغربي من المدينة المقدسة.
ولهذا لا غرابة أن نجد الجمعية
العامة تؤكد، في قرار جديد لها، هو
القرار رقم 303 (الدورة الرابعة) في تاريخ 9
كانون الأول 1949 على "وضع القدس تحت
نظام دولي دائم" ضمن معطيات القرار رقم
181 (الدورة الثانية) تاريخ 29 تشرين الثاني
1947م، والقرار 194 (الدورة الثالثة) تاريخ 11
كانون الأول 1948م. وينتهي القرار الجديد
بالفقرة المهمة التالية:
"تطلب الجمعية العامة في سبيل
هذه الغاية، من مجلس الوصاية، في جلسته
التالية، سواء أكانت استثنائية أم
عادية، أن يتم إعداد النظام الأساسي
للقدس ولن يسمح مجلس الوصاية بأية أعمال
تقوم بها أية حكومة أو حكومات مهتمة
بالأمر لتحويله عن تبني النظام الأساسي
لمدينة القدس وتنفيذه.
وعلى الرغم من أن الجمعية
العامة تتمتع بنوع من الأولوية على مجلس
الوصاية فإن هذا المجلس، سمح لنفسه، في
ظل ضغوط دولية معروفة المصدر، بأن يخالف
قرار الجمعية العامة رقم 181 (الدورة
الرابعة) حيث اتخذ قرارا بتاريخ 30 كانون
الثاني 1950 يقضي بتقسيم القدس إلى
ثلاثة أقسام:
- قسم إسرائيلي تابع لإسرائيل
وخاضع لإدارتها.
- قسم عربي تابع للملكة الأردنية
وخاضع لإدارتها.
- قسم دولي يوضع تحت سيادة الأمم
المتحدة وخاضع لإدارة مجلس الوصاية،
بإدارة "حاكم عام" يعاونه "مجلس
استشاري" وثلاث لجان للاماكن المقدسة:
إسلامية ومسيحية ويهودية.
وبكلمة أخرى فإن قرار مجلس
الوصاية هذا قضى بتدويل الأماكن المقدسة
لدى الديانات الثلاث فقط، وأما فيما عدا
ذلك فقد ثبت الوضع القائم على الأرض من
حيث انقسام المدينة إلى شطرين: شطر عربي (القدس)،
وشطر يهودي (أورشليم). وبقي القرار رقم 181
تاريخ 29/11/1947م صالحا للتطبيق على "المنطقة
الدولية من القدس" بدلا من تطبيقه على
المدينة بكاملها، بما في ذلك القسم
الغربي (اليهودي) منها.
رابعا: محاولات نقل العاصمة
إلى القدس
في سنة 1953م أقدمت إسرائيل على
خطوة جديدة تخرق بشكل فاضح أحكام
القرارات رقم 181 لعام 1947م، و194 لعام 1948م، و303
لعام 1949م، وذلك بإعلان قرب نقل عاصمتها
من تل أبيب إلى مدينة القدس، وبدأت بنقل
وزارة خارجيتها فقط لكي تجبر الدول التي
تتبادل معها التمثيل الدبلوماسي على نقل
سفاراتها إلى المدينة المقدسة.
ولما طالبت حكومة إسرائيل من
حكومة الولايات المتحدة الأمريكية نقل
سفارتها من تل أبيب إلى القدس أجاب السيد
جون فوستر دلس، وزير الخارجية الأمريكية
آنئذ، برفض بات وحاسم، وأرسل رسالة رسمية
إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية يقول
لها فيها:
The Department of state was informed on July 10, by the
“Israeli government that intends to transfer its foreign ministry from
Tel Aviv to Jerusalem as of July, 12, 1953.
The United States does not plan to transfer its embassy
form Tel Aviv to Jerusalem. It is felt that it would be inconsistent
with the U.N. Resolutions dealing with the international nature of
Jerusalem.
والمعنى باللغة العربية "لقد
تلقت وزارة الخارجية (الأمريكية) بتاريخ
10 تموز (1953) مذكرة من الحكومة الإسرائيلية
تعلمها فيها بأنه تعتزم نقل وزارة
الخارجية فيها من تل أبيب إلى القدس في 12
تموز 1953م. إن الولايات المتحدة ليس في
خطتها نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس؛
إذ يبدو أن مثل هذا النقل لا يأتلف مع
قرارات هيئة الأمم المتحدة التي تتعلق
بالطبيعة الدولية لمدينة القدس". ثم
ينهي دلس مذكرته هذه بعبارة حاسمة في هذا
الموضوع ويقول واصفا مدينة القدس بأنها An
international city Rather than a Purely National city. أي: "أنها
مدينة دولية أكثر من كونها مجرد مدينة
وطنية"، علما بأن هذا الوصف يتعلق
بمدينة القدس الغربية الحديثة ولا يشمل
المدينة القديمة؛ لأن هذه كانت تحت
الإدارة الأردنية حينئذ.
خامسا: القدس مدينة موحدة
بعد النصر الذي حصلت عليه
إسرائيل في عدوان حزيران 1967م قامت
بالاستيلاء على كامل الضفة الغربية بما
فيها القدس القديمة التي كانت تحت
الإدارة الأردنية.
وعلى الرغم من أن الضفة
والمدينة تتبعان، وفق أحكام القانون
الدولي لنظام واحد هو "قانون الاحتلال
الحربي"، فإن حكومة الاحتلال ميزت
المدينة عن بقية الضفة، فمدت الصلاحيات
البلدية الإسرائيلية على مدينة القدس
المحتلة بحجة توحيد المدينة. وذلك بقرار
أصدرته في 28 حزيران 1967م.
وفقد وقفت الهيئات الدولية
جميعا ضد هذا الخرق الفاضح لقواعد
القانون الدولي:
1- الجمعية العامة: عقدت دورة
استثنائية خاصة بقضية فلسطين، وخاصة
بمدينة القدس، وقضت قراريها رقم 2253 تاريخ
4 تموز 1967م، و2254 تاريخ 14 تموز 1967م، بأن
احتلال إسرائيل للمنطقة يجب ألا يمس
بالوضع الدولي لمدينة القدس ومما ينص
عليه إقرار الأول (2253) تأكيد أن: "جميع
الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل بهدف
تغيير وضع القدس باطلة، ولذا تطلب
الجمعية العامة من الحكومة الإسرائيلية
سحب هذه القرارات وعدم اتخاذ أية تدابير
أخرى من شانها تبديل وضع القدس". وتمت
الموافقة على هذا القرار بأغلبية 99 صوتا
ضد لا أحد، وامتناع 20 دولة عن التصويت كان
على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية
لكن امتناع الولايات المتحدة عن التصويت
كانت الغاية منه تخفيف وقع القرار
وأهميته الدولية، ولا يعني أنها كانت
موافقة على عملية التوحيد وابتلاع
المدينة من قبل إسرائيل؛ لأن المندوب
الأمريكي إلى هيئة الأمم المتحدة آرثر
غولدبرغ عند مناقشة الموضوع بالعمق لم
يجد حرجا من القول: "فيما يتعلق
بالإجراءات الخاصة التي اتخذتها حكومة
إسرائيل يوم 28 حزيران (1967)، أود أن أوضح أن
الولايات المتحدة لا تقبل الاعتراف بأن
هذه الإجراءات من شأنها تغيير الوضع
القانوني لمدينة القدس"(5).
2- مجلس الأمن: أصدر عدة قرارات
أهمها القرار 242 تاريخ 22/11/1967م الذي يتعلق
بالنزاع العربي- الإسرائيلي ككل،
والقرار رقم 252 تاريخ 21 أيار 1968م الذي
يطالب بالحفاظ على الوضع القانوني
للقدس، وينص على أن جميع الأعمال
والإجراءات التشريعية والإدارية التي
اتخذتها إسرائيل، إنما في ذلك أعمال نزع
الملكية التي استهدفت تغيير الوضع
القانوني للقدس، هي باطلة ولا أثر لها في
تغيير هذا الوضع، ويدعو إسرائيل
لإلغائها.
ويصب في هذا المنحى نفسه قرار
مجلس الأمن رقم 267 تاريخ 3 تموز 1969م،
وقراره رقم 298 تاريخ 25 أيلول 1971م، وعدة
قرارات أخرى لاحقة.
3- في مجال التعامل الدولي: كان
موقف الأغلبية الساحقة من الدول إلى جانب
الحق العربي، ولا سيما من حيث وجوب عدم
المساس بالوضع القانوني الدولي لمدينة
القدس. بل إن أشد الدول تحيزا إلى إسرائيل
عادة لم تجد من مصلحتها هنا الوقوف إلى
جانبها في قضية القدس واعتبارها عاصمة
لدولة إسرائيل.
ونسوق هنا على سبيل المثال نص
الرد الذي قدمته وزارة الخارجية
البريطانية، بتاريخ 27 تشرين الثاني 1967م،
على سؤال كان قد تم توجيهه إليها في مجلس
العموم: "على الرغم من أن حكومة صاحبة
الجلالة اعترفت، منذ عام 1949م، اعترافا
واقعيا بسلطة إسرائيل والأردن على القسم
الذي تحتله كل منها في مدينة القدس،
فإنها، بالاتفاق مع العديد من الحكومات
الأخرى، لم تعترف اعترافا قانونيا
بسيادة إسرائيل على أي من أجزاء المنطقة
المحددة في قرار الجمعية العامة رقم 303 (الدورة
الرابعة) تاريخ 9 كانون الأول 1949م، الذي
ينادي بإنشاء وضع قانوني دولي لمنطقة
معينة من القدس. وفي الظروف الراهنة يبدو
أنه مما لا يأتلف مع موقف حكومة صاحبة
الجلالة أن تتخذ أي عمل من نوع الاعتراف
بالقدس عاصمة لإسرائيل(6)،
أو إقامة سفارة جلالتها هناك؛ لأن مثل
هذا العمل يتضمن الاعتراف بسيادة
إسرائيل على القدس الغربية".
سادسا: القدس منذ عام 1980
في عام 1980م قامت إسرائيل بسن "قانون
أساسي"(7)، ضمت
بموجبه مدينة القدس (العربية) إلى القدس
اليهودية، وصرحت رسميا بأن "القدس
الموحدة" ستكون "العاصمة الأبدية"
لدولة إسرائيل، وفي هذا انتهاك فاضح
لجميع قواعد القانون الدولي والشرعية
الدولية المتعلقة بالموضوع!
ولم تسكت الدول العربية
والإسلامية على مثل هذا الخرق الخطير
فرفعت شكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي،
الذي اتخذ قرارا صريحا وباتا في شجب هذا
التصرف اللامسئول بأغلبية 14 صوتا
وامتناع دولة واحدة عن التصويت هي
الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بتاريخ
20 آب 1980م. ونظرا لأهمية هذا القرار
وحداثته نسبيا، فإننا نسوق هنا نصه
بالكامل: "إن مجلس الأمن إذ يشير إلى
قراره 476 تاريخ 30 حزيران 1980م، ويؤكد ثانية
أن اكتساب الأرض بالقوة أمر غير مقبول
ليساوره القلق حول تشريع الكنيست
الإسرائيلي لـ (قانون أساسي) يعلن تغيير
وضع وصفة مدينة القدس المقدسة، وما
يتضمنه هذا العمل من نتائج على السلام
والأمن".
ويلاحظ أن إسرائيل لم تستجب
لقرار مجلس الأمن رقم 476 لعام 1980م، إلا
أنه يؤكد تصميمه على البحث عن طرق
ووسائل، وفقا لفقرات ميثاق الأمم
المتحدة ذات العلاقة، لتأمين تنفيذ عملي
تام لقراره رقم 476 في حالة عدم استجابة
إسرائيل، وهو:
1- يشجب بأشد الألفاظ تشريع
إسرائيل للقانون الأساسي حول القدس،
ورفضها الاستجابة لقرارات مجلس الأمن
ذات العلاقة بالأمر.
2- يؤكد أن تشريع إسرائيل
للقانون الأساسي يشكل انتهاكا للقانون
الدولي، وأنه لا يؤثر في وجوب التطبيق
المستمر لاتفاقية جنيف الرابعة المعقودة
في 12 آب 1949م، بالنسبة لحماية المدنيين في
وقت الحرب، في فلسطين والأراضي العربية
المحتلة الأخرى منذ عام 1967م، بما فيها
القدس.
3- يصر على أن كل التشريعات
والإجراءات الإدارية والأعمال، التي
قامت بها إسرائيل- القوى المحتلة، والتي
غيرت، أو يفهم منها تغيير، صفة ووضع
مدينة القدس المقدسة، ولا سيما القانون
الأساسي حول القدس، باطلة ولاغية ويجب
إلغاؤها فورا.
4- يؤكد أن هذا العمل يشكل إعاقة
خطيرة لتحقيق سلام شامل وعادل ودائم في
الشرق الأوسط.
5- يقرر ألا يعترف بالقانون
الأساسي وغير ذلك من الأعمال التي تقوم
بها إسرائيل كنتيجة لهذا القانون بقصد
تغيير صفة ووضع القدس، ويناشد كل أعضاء
الأمم المتحدة بـ:
أ) قبول هذا القرار.
ب) والدول التي أقامت بعثاتها
الدبلوماسية في القدس أن تسحب هذه
البعثات من المدينة المقدسة.
6- على الأمين العام أن يرفع
تقريرا إلى مجلس الأمن حول تطبيق هذا
القرار قبل 15/11/1980م.
7- يقرر أن يبقى على اتصال بهذا
الوضع لتلافي الأوضاع الخطيرة(8).
*
نقلا عن موقع مقاومة
**
كاتب وأكاديمي سوري
1-
أنهت معاهدة وستفاليا حرب الثلاثين عاما
(1618ـ1648). انظر لمعلومات أوسع عنها كتاب
الدكتور إحسان هندي: "مبادئ القانون
الدولي العام في السلم والحرب" ـ دار
الجليل ـ دمشق 1984م.
2-
الدكتور إحسان هندي: "قوانين الاحتلال
الحربي" مطبوعات الإدارة السياسية ـ
دمشق 1972م.
3-
الدكتور فؤاد شباط: "الحقوق الدولية
العامة" ـ مطبوعات جامعة دمشق سنة 1965م
ـ ص 408 و409.
4-
يمكن الرجوع إلى نص الهدنة الأردنية ـ
الإسرائيلية في كتاب الدكتور محمد يوسف
"القانون الدولي العام: وثائق
ومعاهدات" ـ مطبوعات الجامعة الأردنية
ـ عمان 1978م.
5-
انظر: Henry cattan "Palestine and international law
"second edition. Longman-London 1976”
6-
لم يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل إلا نفر
ضئيل من الدول أهمها هولندا وعدد من دول
أمريكا اللاتينية: كوستاريكا، كولومبيا،
بوليفيا، التشيلي، الدومينيكان،
الإيكوادور، السلفادور، هاييتي،
باناما، الأورغواي، غواتيمالا، فنزويلا(120
دولة).
7-
من المعروف أن "القانون السياسي" ذو
صفة دستورية حسب النظام القانوني في
إسرائيل.
8-
عن كتاب الدكتور سيف الدين الوادي الرمحي:
"القانون الدولي وقضية فلسطين" ـ
ترجمة الدكتور عزمي السيد أحمد ـ شركة
كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع ـ الكويت
1984م. |