الصفحة الرئيسية

 
الأحداث في صور
 ابحث | بحث متقدم 

الاحتلال الإسرائيلي

دولة إسرائيل | المجازر الإسرائيلية | المجتمع الإسرائيلي


طابع "الدولة الإسرائيلية" وإشكالية الجغرافيا والديموغرافيا

ماجد كيالي**

7/12/2004

خريطة فلسطين

يبدو التصارع بين الإسرائيليين والفلسطينيين في مظاهره وجوهره صراعا على الوجود وعلى شكل الوجود، في الوقت عينه. فإسرائيل في محاولاتها تغييب الفلسطينيين، أو شطبهم من الخريطة السياسية، لا تصارع فقط على وجودها، وإنما هي تصارع على طبيعتها كدولة يهودية، في الثقافة وفي التشريعات القانونية- المدنية ورؤيتها لأمنها ودورها ومعنى وجودها.

وبالنسبة للفلسطينيين فهم بدورهم لا يصارعون إسرائيل من أجل وجودهم فقط، فهذا الوجود مضمون بواقع انتمائهم للأمتين الإسلامية والعربية بتاريخها وثقافتها، وإنما هم يصارعون من أجل استعادة حقوقهم المغتصبة في الأرض والسيادة والكرامة. ومن أجل تنمية هويتهم الوطنية والقومية وتعزيز حضورهم في المعادلات السياسية. ووضع حد لمعاناتهم وتوليد معنى جديد لوجودهم.

لذلك فإن الصراع بين هذين الطرفين فريد في نوعه. معقد في قضاياه. متداخل في أبعاده. وملتبس فيما سيؤول إليه. فهو صراع على الجغرافيا (الأرض) والديموغرافيا (السكان) وعلى الرموز والرواية، بقدر ما هو صراع على السيادة والمستقبل. وفي صراع كهذا يدور حول التاريخ الواقعي والمتخيل، في الماضي والحاضر والمستقبل، يحتل البعد الديموغرافي مكانة فريدة، ويغدو قيمة عليا وإستراتيجية سياسية، تساهم بحسم عديد من جوانب الصراع الأخرى.

جغرافية إسرائيل وهم لا محالة

وطبيعي أن يشعر الإسرائيليون بأنهم في المعركة على الديموغرافيا مع الفلسطينيين، وعلى المدى البعيد، سيمنون بخسارة مؤكدة، بحكم انتماء الفلسطينيين للمحيط العربي، وارتفاع نسبة الزيادة الطبيعية لمجتمعهم، قياسا باليهود، وبحكم تراجع موجات الهجرة اليهودية لإسرائيل؛

أولا: بسبب نضوب مصادر الهجرات الكبيرة.

وثانيا: بسبب استقرار أحوال اليهود في البلدان الغربية.

وثالثا: بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في إسرائيل التي باتت المكان الوحيد الذي يقتل فيها اليهود، لكونهم يهودا، نتيجة للسياسات التي تنتهجها هذه الدولة.

ولعل هذا الوضع يفسر اهتمام إسرائيل بالهاجس الديموغرافي، وحديثها عن القنبلة الديمغرافية. كما يفسر ذلك محاولات إسرائيل إيجاد حلول لهذه المشكلة، عبر تقديم الحوافز لتشجيع اليهود على القدوم إليها، وعبر صكها القوانين التي تحافظ على كونها دولة يهودية، مثل "قانون العودة" الذي يتيح لأي يهودي، مهما كانت جنسيته، الهجرة إلى إسرائيل، ونيل جنسيتها؛ على حساب أهل الأرض الأصليين.

من ناحية أخرى فإن هذا يفسر عدم ضم إسرائيل للأراضي المحتلة عام 1967 إليها، برغم احتلالها منذ أكثر من ثلاثة عقود، إدراكا منها أنها، في حال إذا قامت بذلك، فستكون أمام أمرين، إما منح السكان المواطنة لحفظ طابعها الديمقراطي، ما يجعلها تتحول إلى دولة ثنائية القومية، وهو ما تخشاه، وإما إخراج العرب من المواطنة، والتحول إلى دولة تمييز عنصري "أبارتايد"، ضد مواطنيها غير اليهود، وهذا ما لا تريده، لأنه يضعف مصداقيتها ويضعها بمواجهة ضغوط دولية.

والنتيجة أن العامل الديموغرافي بات من أهم عوامل الضغط للتسوية؛ فهو الذي دفع حزب العمل إلى هذه العملية التي تتضمن التنازل عن أراض، في سبيل الحفاظ على طبيعة إسرائيل كدولة يهودية. وهذا ما قصده الرئيس بوش، في خطابه (24/6/2002) حين اعتبر أنه ثمة مصلحة إسرائيلية في قيام دولة فلسطينية.

إسرائيل وسياسة توازن المصالح!!!

واللافت أن إسرائيل لم تأخذ بخيار ضم الضفة الغربية، برغم اعتبارها في الرواية الصهيونية "أرض الميعاد"، ما يقوض هذه الرواية الخرافية، ويؤكد أن الاعتبارات السياسية والبرغماتية هي التي توجه دفة السفينة الإسرائيلية. ومؤخرا وصل شارون إلى هذه القناعة، باعترافه أنه لا يمكن لإسرائيل أن تتحمل الاحتلال، لأنه مضر لها ولاقتصادها ولأمنها، وأنه لا يمكن لها الاستمرار في السيطرة على 3.5 ملايين فلسطيني، برغم كونه زعيم حزب الليكود اليميني القومي المتطرف.

ومعروف أن المواطنين العرب في إسرائيل (1.2 مليون) يشكلون 20% من سكانها، وفي حال إذا أضيف إليهم الفلسطينيين، في الضفة والقطاع ( 3.5 ملايين)، فإنهم يشكلون كتلة قدرها 4.7 ملايين فلسطيني، مقابل 5.4 ملايين يهودي. وثمة تحليلات تقدر بأن الفلسطينيين يحتاجون لبضع سنوات كي يصبح وجودهم معادلا للوجود اليهودي أو أكثر منه؛ وهو الأمر الذي يشكل هاجسا يقض مضاجع ساسة إسرائيل. وكما قدمنا فإن إسرائيل لم تستكن لهذا الأمر، وهي تطرح العديد من المخططات، لمواجهته، في النواحي التالية:

1- الرفض المطلق لحق العودة للاجئين فلسطينيين، إلى داخل أراضي إسرائيل، لدرجة أن إسرائيل تحاول فرض إرادتها، حتى على أعداد الفلسطينيين الذين ينوون العودة إلى دولتهم التي قد تقام بنتيجة عملية التسوية. وفي هذا الإطار تأتي محاولات إسرائيل، للالتفاف على حق العودة للاجئين، بالضغط على القيادة الفلسطينية، لانتزاع تصريح منها يتضمن الاعتراف بالطابع اليهودي لإسرائيل. وحصر حق تقرير المصير لكل شعب في دولته؛ فاليهود يقررون مصيرهم في إسرائيل، بما في ذلك حقهم في "العودة" إليها. والفلسطينيون يقررون مصيرهم في دولة فلسطين المفترضة بما في ذلك ممارسة حقهم في العودة إليها، فقط.

2- الأنكى من ذلك أن إسرائيل، في محاولاتها تعديل وضعها الديموغرافي، وسعيها للضغط على الفلسطينيين، لحملهم على التخلي عن حق العودة، تحاول أن تطرح حلولا دراماتيكية، غير متوقعة ومربكة، من نوع "تبادل الأراضي". وثمة مقترحات تتعلق بمبادلة المستوطنات بتجمعات مدنية عربية، لا سيما في المثلث ووادي عارة؛ وكأنه ثمة مساواة بين مستوطنين/مهاجرين بالقوة وبين أصحاب الأرض الأصليين. والغرض يهود أكثر وعرب أقل، حيث تحتفظ إسرائيل بأكبر عدد من اليهود في التجمعات الاستيطانية، تحت سيادتها، وتتخلص من بعض التجمعات العربية كثيفة السكان. وهذا يعني أن الخط الأخضر، في العرف الإسرائيلي، ليس خطا نهائيا ولا مقدسا، فكل شيء يمكن أن يخضع للمساومة، حسب مصالح إسرائيل وأولوياتها، في كل مرحلة؛ ومن ضمنها مصلحتها في تعزيز وضعها كدولة يهودية.

3- ثمة اتجاهات صهيونية متطرفة، تتبنى أطروحة "الترانسفير" التي لا تتوقف عند تصعيب العيش على الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة عام 1967، لإجبارهم، طوعا أو غصبا، على الرحيل منها، وإنما هي تصل إلى درجة حض إسرائيل على طرد مواطنيها من الفلسطينيين من أراضيهم في مناطق 48.

والمشكلة أن دعوات "الترانسفير" باتت تلقى قبولا من قبل سياسيين وأكاديميين، غير محسوبين على الاتجاهات المتطرفة، بدعوى الحديث عن ترانسفير طوعي! ويجيب عوزي أراد، رئيس مؤتمر هرتسليا (كان مستشارا سياسيا لنتنياهو)، عن الاقتراح المتعلق بنقل عرب إسرائيل محاذين للخط الأخضر إلى السيادة الفلسطينية، بالقول: "في دولة ديمقراطية، الأغلبية حرة في ترسيم حدود الدولة، وكما أن الأغلبية حرة في أن تقرر انسحابًا من مناطق معينة في يهودا والسامرة (الضفة)، فإنها حرة في أن تقرر التنازل عن السيادة على مجموعات سكانية عربية. لهذا، إذا تم تنفيذ الأمر بوسائل ديمقراطية مقبولة.. عبر تعويض الجماهير قيد الحديث، فلا أرى غضاضة في ذلك" (هاآرتس2/3/2001).

4- عمدت إسرائيل إلى سن تشريعات تصعّب على الفلسطينيين، الحصول على جنسيتها، متذرعة بدواع أمنية، ناجمة عن مشاركة بعض الفلسطينيين، من مواطنيها بعمليات فدائية، مباشرة أو مداورة. وتتجه إسرائيل لحرمان الفلسطينيين الذين يحملون جنسيتها من نقل الجنسية لأزواجهم؛ لوقف ما تسميه "الزواج من هوية" أو "زواج المصلحة". كما باتت تضع قيودا على منح الهوية الإسرائيلية، بدعوى لمَّ الشمل. بحجة أن هذين الأمرين ساهما في تطبيق "حق العودة" من بوابة خلفية، وأن عدد الفلسطينيين الذين استفادوا من ذلك يناهز على ربع مليون، (يديعوت أحرونوت 24/5/2002) منهم حوالي 100 ألف فلسطيني، هاجروا إلى إسرائيل، منذ عام 1993، بواسطة لمَّ شمل العائلات (هاآرتس14/6) وهو ما يشكل، من وجهة النظر الصهيونية، خطرا أمنيا وديمغرافيا، على إسرائيل، ويهدد طابعها كدولة يهودية؛ دون الأخذ بعين الاعتبار للجوانب الأخلاقية والقانونية ولحقوق مواطنيها من العرب.

وحتى أنه ثمة أوساط محسوبة على الوسط، تبرر هذه الإجراءات العنصرية، لدرء ما يسمى الخطر الديموغرافي الزاحف. وهذا شلومو غازيت رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الأسبق يطالب بفرض نظام الطوارئ لمواجهة "وضعية الاحتضار" التي تواجهها إسرائيل، بسبب التغيرات في "الميزان الديمغرافي" والتي تهدد بأن يصبح اليهود أقلية فيها" (يديعوت أحرونوت 28/3/2001).

5- أخيرا تدرك إسرائيل ألا حل لها، للحفاظ على أكثريتها اليهودية، وعلى طابعها اليهودي، إلا الانفصال عن الفلسطينيين. والمفارقة، أن الانفصال يعني اعترافا بحقوقهم، كما يعني ترسيما لحدودها، الجغرافية والسياسية، وهنا مكمن إشكالية إسرائيل في عملية التسوية. ولكن شلومو غازيت يحسم الأمر بقوله: "الخطر الديمغرافي هو الأشد ضراوة، بين الأخطار التي تواجهها إسرائيل في الوقت الراهن. وإذا لم نهتم بهذه القضية، ونتخذ الإجراءات المطلوبة فإنه خلال جيل واحد أو جيلين على أكثر تقدير، ستكف إسرائيل عن كونها دولة يهودية صهيونية".

المعنى أنه لا يمكن لإسرائيل الحفاظ على الجغرافيا والديمغرافيا، في آن معا؛ لأن هذا الوضع إما سيضعها في تناقض مع حدود الديمقراطية أو مع حدود اليهودية، وعليها أن تختار.


** كاتب فلسطيني

الأخبار
شؤون سياسية
صفحات وملفات خاصة
ساحة الحوار
حوارات حية
بنك الفتاوى
اسألوا أهل الذكر
استشارات دعوية
استشارات الزكاة
حدث في العام الهجري

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع