إنها
قصة لجوئي *
د
/ احمد صدقي الدجاني**
واجهت قضية اللاجئين إحدى
قضايا العصر في عالمنا- على صعيد البحث
مؤخرا ، وأنا الذي أعيشها في ذاتي ومع
أهالي اللاجئين منذ اكثر من خمسين عاما ،
وجاء هذا الانشغال بها في بمناسبة عكوفي
على كتابة بحث عنها لمؤتمر المجمع الملكي
لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن عام
1997.. فقرأت مئات الصفحات عن هذه القضية ،
وتأملت المعلومات المتعلقة بها ،
واستعرضت صورة واقع اللجوء في العالم ،
واسبابه ومعاناته.. وتوقفت أمام تعريف
مصطلح اللاجئ ، وأمام واقع اللجوء في
دائرة الحضارة العربية والإسلامية ،
ونسبته العالية من اللجوء من العالمي ،
ووجدت نفسي أتأمل في خصوصية اللجوء
الفلسطيني ، ومحاولات إيجاد حلول لقضية
اللاجئين والمهاجرين ، وانتهت إلى
استحضار التوجيه الإلهي في كيفية
التعامل مع القضية كما جاء في القران
الكريم ، والمثل العملي لهذا التعامل كما
حفظته السيرة النبوية .
ولم يكن صعبا عليّ تفسير ما
اتصف به انشغالي البحثي من اندماج عاطفي
وعقلي بالقضية، فانا واحد من "الذين
اخرجوا من ديارهم".. بالقوة الغاشمة مع
أهله وغالبية شعبه ، وحمل مثلهم اسم "لاجيء"
وعاش معهم معاناة اللجوء ، ولا تزال قوى
الطغيان التي أخرجتهم تحول بالقوة
الغاشمة دون "عودتهم" وتجاهر بإحلال
غرباء محلهم تهجرهم من أوطانهم بأساليب
ملتوية خداعه .
الفتى
الذي كنته!
خواطر كثيرة تتداعى لدي
وأفكار تتوالى.
يا له من يوم ذلك الذي شهد
إخراجنا من ديارنا.. السادس والعشرون من
شهر أبريل من عام 1948 ميلادية.. كنت يومئذ
على وشك أن اكمل اثنتي عشرة عام من عمري
المكتوب ، وقد تابعت منذ طفولتي المبكرة
الأحداث العاصفة في وطني فلسطين ، ثم في
دائرتي العربية والعالم المحيط ،
وذكرياتي عن هذه الأحداث بدءا من ثورة
فلسطين الكبرى ، وأنا ابن سنتين ، مرورا
بالحرب العالمية الثانية ، وأنا بين
الثالثة والتاسعة... وصولا إلى اضطرابات
عام 1946، وعرض القضية على الأمم المتحدة
عام 1947.
ذكريات واضحة لدي في حدود ما
كان يستوعبه عمري .. ولم يكن يخطر على بال
" الفتى الذي كنته" ولا على بال أحد
من أهلي حتى بداية ربيع 1948 إننا سنخرج
بالقوة الغاشمة من مدينتنا يافا ، ومن
دارنا المطلة على البحر في حي العجمي ،
فعلى الرغم من اتخاذ الجمعية العامة
للأمم المتحدة قرارها بتقسيم فلسطين يوم
29/11/1947 تحت ضغوط دول غربية كبرى، وعلى
الرغم من تصعيد الممارسات الإرهابية
لسلطات الاحتلال البريطاني ، والعصابات
الصهيونية الإرهابية ، فان تصميمنا على
المقاومة كان على اشده ، وحقق نجاحات
واعدة
ذاكرتي حفظت ما جرى في ذلك
اليوم ، كان نهاره مثل نهارات سابقه
مفعما بالعمل المقاوم دفاعا عن الديار،
وقد تضاعف العزم على المقاومة بعد أن
عشنا مرارات مذبحة دير ياسين يوم 11/4/1948
وجاء مساء ذلك اليوم وآوينا نحن الأولاد
إلى دورنا، وكنت قد غفوت بعد العشاء، حين
أيقظني أخي ، وطلب إلىً أن أقوم على عجل
لان الهاجانا هجمت على الحي ، وعلينا
أن ننجو من مذبحة تدبرها هذه العصابة
الصهيونية .
فركت عيني لأبعد سلطان النوم ،
فرأيت الأهل في حركة دائبة ، يحمل كل واحد
منهم بعض اللوازم الضرورية.. والدي
وأخواي ، بينما عنيت والدتي وامرأة عمي
بشقيقتي الصغيرتين.. وحمل عمي جدتي التي
جازت السبعين من العمر على ظهره ، وكانت
الشيخوخة أقعدتها عن المشي ، وسارعت
لاحمل بدوري سلة وأنا انتعل البابوج ،
وسالت عن حذائي بعد أن افتقدته، فقيل لي
بصبر يكاد ينفذ هيا، وانطلقنا إلى
الميناء القريب في عتمة الليل وأصوات
أزيز الرصاص يسبقها لمعان أراه واسمعها،
ثم ركبنا قاربا بخاريا توغل بنا إلى
أعماق البحر لنكون بمأمن من بنادق
المعتدى ، وما كان أطولها ساعات تلك
الليلة الليلاء ، إلى أن وصلنا في الصباح
ميناء صور في لبنان .
ليل
اللجوء الطويل
ورأيت جمعا من أهل المدينة
يستقبلوننا بتحية دافئة عطوفة مشفقة ،
وسمعتهم يصفوننا " بالمهاجرين"
ويتداعي إلى خاطري كيف شعر " الولد
الذي كنته" بحرج شديد لانه يخرج أمام
الجميع "بالبابوج" بدل " الحذاء"
وقد نشا في أسرة ترعى التقاليد علمته آلا
يخرج للناس إلا منتعلا الحذاء .
وهكذا انتهى اليوم بليلته تلك
، ليكون فاصلا بين مرحلة العيش في ديارنا
قبله ومرحلة اللجوء والعيش بعيدا عن
ديارنا بعده أياما تتالت فسنوات فعشرات
السنين .
وعندما استحضر الآن ما جرى في
ذلك اليوم ، أبين أن هذا " اللجوء" في
الواقعة الفلسطينية جاء بفعل الإخراج من
الديار تحت تهديد السلاح ، وان هذا "اللجوء"
جاء "جماعيا" وما زلت اذكر ازدحام
ميناء يافا بالناس من أهلها في تلك
الليلة وركوبهم البحر إلى الشمال مثلنا
والي الجنوب ناحية غزة ومصر، ومما يدعوني
إلى هذا التبيين أنني أجد التعريف الدولي
الحالي للاجئ لا يميز بين لجوء فردي
ولجوء جماعي ، وبين لجوء يتم تحت تهديد
السلاح أخر يفعل بفعل خوف من احتمال
اضطهاد .
فكرة واحدة كانت مسيطرة علينا
حين أخرجتنا قوى الطغيان من ديارنا ، هي
العودة إلى الديار والربوع الغالية ،
والعمل من اجل هذه العودة ، وأتأمل في مدى
قوة هذه الفكرة عند كل لاجيء فاجدها
بالغة القوة ، وقد استوقفني ما قالته لي
أمي التي جاوزت السادسة والثمانين سنة من
العمر، وهي تعاني من وطأة الشيخوخة و"ارذل
العمر" حين سألتها في لحظة من لحظات
صحوها ، أين تحب أن نذهب ؟ فكان جوابها
إلى "يافا" ورددت في جمل متقطعة
أسماء أحياء "العجمي" حيث دارنا ،
"المنشية" حيث كان يسكن أهلها وهي
صبية صغيرة و"النزهة" حيث كانت تسكن
أختها بعد أن تزوجت ، و"الجبلية" حيث
دار المفتي كبير عائلتنا.
نداء
الأرض
والقوة البالغة لفكرة العودة
تتجلى أيضا في سيطرتها على أجيال
فلسطينية جديدة رأت النور بعيدا عن
ديارنا ، ولكنها تضع نصب عينيها ديار
آبائها وأجدادها، وهاأنا أرى أبنائي
ذكورا وإناثا يضعون نصب أعينهم العودة
إلى فلسطين ويافا ، شأن كل فلسطيني اخرج
من دياره ومثلهم أحفادي الذين يعلنون
باعتزاز انتمائهم لتلك الديار الغالية
منذ تفتح وعيهم ، وتتجلى القوة البالغة
لفكرة العودة عند اللاجئ الذي اخرج من
دياره قسرا في أن هذه الفكرة تبقى نصب
عينيه مسيطرة عليه تتلبسه حتى وان توطن
وتحسنت أوضاعه المادية وعاش في القصور
وحصل على جنسية أو اكثر، فلا بديل عنده عن
العودة للربوع التي رآها حين تفتحت عيناه
، ولارض الآباء والأجداد إذا ولد في
المهجر، فأرضه هذه هي "عرضه" وان لها
"نداءها" الذي لا يسكت حتى يكون
اللقاء .
واجدني ، وأنا لاجيء منذ اكثر
من نصف قرن ، وقد وصلت جيل الشيخوخة
وجازوت الستين ، ازداد تعلقا بفكرة
العودة إلى يافا، واعمل بدأب لتحقيقها .
والحق أن الليالي العديدة
التي تلت ليلة الإخراج تلك ، والى أن
تتحقق العودة، هي بمثابة "ليلة طويلة"
تنتهي بانبلاج فجر العودة ، وقد أسميت
مسرحية كتبتها عن النكبة واللجوء في
أعقاب حرب عام 1967: "هذه الليلة الطويلة"
وكنت قد اخترت لها قبل ذلك اسم " ارض
اللقاء" تطلعا ليوم اللقاء مع ارض
الآباء والأجداد وارض الأبناء والأحفاد"
.
*
نشرت
هذه المقالة في مجلة نصف الدنيا في عدد
الفلسطيني بتاريخ فبراير 2002م
**
مفكر فلسطيني
|