|
رحلة الموت والحياة
معتصم
الميناوي**
"رغم
فقدان أغلى أحبائي، أمي وأبي وبتر ساقي
ويدي وشج رأسي وجرح صدري فإن فرحتي
بالإفراج عني من سجون الصهاينة كانت تغطي
على ذلك كله.. إنه تاريخي المشهود يوم
20-5-1985.. لن أنساه أبدا ما بقيت على هذه
البسيطة، وسأحدثه لأبنائي وكل من أحب".
هذه
الكلمات رسمت بخطين متوازيين من دموع
الذكريات على وجنتين خمريتين
فلسطينيتين، ذاقتا ألم الحرمان والأسر
والبعد عن الأحبة في أبشع سجون عرفتها
البشرية.
بطل
هذه الدموع مجاهد فلسطيني اسمه حسن عبد
الله الدهشان من حي الزيتون والذي روى
لنا حكايته من البداية، بحديث تقاطعه
دموع بللت لحيته، وكانت لها الأثر في رسم
هذه الصورة عنه.
تأريخ
جديد لحياتي
كانت
فلسطين على موعد ميلاد جديد لنور جديد
يوم ميلاد المحرر حسن عبد الله الدهشان
بتاريخ 25-6-1958 حتى حظي حي الزيتون وسط قطاع
غزة بصرخة ميلاد هذا المجاهد على أرضه.
نشأ
المحرر حسن في أسرة ملتزمة ومحافظة،
كباقي الأسر الفلسطينية التي تعيش حياة
القهر تحت أبشع احتلال، لكنه لم يعش
طفولته كباقي الأطفال ليرى حنان أمه
وأبيه فقد فقدهما ولا يزال طفلا لم
يتجاوز عمره 13 عاما، وعلى الرغم من ذلك
نشأ حياة عصامية، فكان من المتفوقين في
مدرسته، رباه أخوه الأكبر أبو محمد فأحسن
تربيته، وكان له فضل عليه عظيم.
بدأ
المحرر حسن الذي قضى 10 سنين من عمره في
سجون الاحتلال الإسرائيلي دراسته
الابتدائية والإعدادية في مدارس حي
الزيتون، فدرس الابتدائية في مدرسة صفد
التي تحمل اسم مدينة فلسطينية هجّر
الإسرائيليون أهلها في نكبة فلسطين عام
1948، وبعدها أنهى حسن دراسة المرحلة
الإعدادية من مدرسة هاشم بن عبد مناف جد
الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والذي
سميت غزة هاشم على اسمه لأنه دفن فيها
وحتى تحظى بشرف عظيم.
وبعد
ذلك واصل حسن دراسة المرحلة الثانوية في
مدرسة يافا التي تحمل أيضا اسما لمدينة
احتلتها إسرائيل عام النكبة، وكان خلال
ذلك يحصل على أعلى الدرجات، حتى إن
مجموعه في الصف الأول الثانوي المتفوق
أهّله من دخول القسم العلمي للصف الثاني
الثانوي بجدارة.
تاريخ
مشرف ولكن؟!!
يحدثنا
الأسير المحرر الصيفي بقوله: "في تلك
الفترة من عمري الذي لم يكن يتجاوز 17 عاما
قررت الانضمام إلى صفوف الثورة
الفلسطينية التي كانت تقودها حركة فتح،
فكان لي ذلك والحمد لله، وبدأت العمل
معهم في الإطار السياسي وانضممت إلى
مجموعة سياسية إعلامية حيث كانت
مجموعتنا أول مجموعة تقوم بتوزيع بيان
سياسي في قطاع غزة، إضافة إلى نشاطها
المتميز في نشر وتوعية الجماهير
والمشاركة في الفعاليات والمناسبات،
وكان من بين تلك المناسبات الاحتفال
بذكرى معركة الكرامة 21-3-1968م وذكرى وعد
بلفور المشئوم.
وأضاف
الدهشان مستذكرا تلك الأيام: "في ذلك
الوقت جاء قرار من مسئولنا أن فرقتنا
ستتحول إلى فرقة عسكرية تقوم بتنفيذ
عمليات ضد الأهداف الصهيونية، ولا
أخفيكم أن فرحتي بهذا القرار طغت على كل
شيء حولي، وأصبح خيالي يسرح بهذا الحلم،
وكنت خلالها أحث نفسي هل أنا في حلم أم
علم؟؟
وفعلا
كان لي أن انضممت إلى من يقاتلون قوات
الاحتلال، حيث قررت مجموعتنا في ذلك
الوقت ضرب أول هدف صهيوني لها في شارع عمر
المختار وسط مدينة غزة وكان الهدف عبارة
عن زرع عبوة ناسفة أسفل إحدى السيارات
المدنية التابعة لأحد التجار اليهود".
وأوضح
الدهشان أن تلك الفترة كانت تشهد ركودا
كبيرا في العمل السياسي والعسكري، وكان
اليهود ينعمون في أمان لم يشهد له مثيل
حيث كان التجار اليهود يأتوا ببضاعتهم
إلى الأسواق الفلسطينية ويتجولون بين
الناس.
لحظات
حاسمة في حياتي
وتابع
الدهشان قائلا: "جهزنا عبوة ناسفة
تحتوي على مواد كبريتية لكنها كانت تحتاج
منا إلى أمور فنية تمثل في إيصال الدائرة
الكهربية إليها، وللأسف لم تكن لدينا
الخبرة الكافية لذلك، وبحكم أنني أدرس في
القسم العلمي بالثانوية كان لدي خلفية
بسيطة في عمل دائرة كهربائية، فأصررت على
عملها رغم معارضة الأخ مسئول المجموعة
لخطورة الأمر.
ونجحت
في ذلك والحمد لله وفرحنا بذلك جميعا
خاصة أنها كانت أول عملية في ظل عدم توافر
الإمكانيات العسكرية والتدريبية،
والأجمل من ذلك أن العبوة كان من المقرر
لها أن تنفجر حسب توقيت زمني محدد بحيث
نستطيع الانسحاب بسهولة بعد تنفيذ
العملية".
وأضاف:
"كان تاريخ 25-8-1977 هو يوم تنفيذ العملية
وكان ضمن مجموعتي الأخ دياب اللوح الذي
يشغل الآن عضوية المجلس الثوري لحركة
فتح، وفي ذلك التاريخ ذهبنا قبل تنفيذ
العملية بنصف ساعة إلى شارع عمر المختار
لاستطلاع الأمر وتحديد السيارة المراد
زرع العبوة أسفلها، وفعلا حددنا السيارة
وكانت عبارة عن باص (ناقلة ركاب) أبيض
اللون لأحد التجار اليهود وذهبنا لإحضار
العبوة وكان دوري أن أقوم بزراعتها بينما
الأخ دياب يعمل على حراستي".
وأكمل
الدهشان: "قبيل الانتهاء من زراعة
العبوة وعند توصيل الدائرة الكهربائية
حدث خطأ فني أدى إلى انفجار العبوة وأنا
بجانبها فبترت ساقي اليمنى ويدي اليسرى
وكسرت جمجمتي بينما كان جرح عميق جدا في
صدري وساقي اليسرى، لكن الله أراد لي
الحياة عندما نقلت إلى مستشفى دار الشفاء
بغزة تحت حراسة الجيش الصهيوني وبعد أن
استقرت حالتي نوعا ما اختطفني جنود
إسرائيليون إلى مشفى عسقلان (المجدل)".
ما
بين الموت والصمت وصناعة الحب!!!
وتابع
الأسير المحرر حديثه: "من لحظتها باشر
الصهاينة التحقيق معي، فما أن فتحت عيني
وإذ بثلاثة رجال وطبيب يجلسون بجانبي
أخبروني أنهم من المخابرات الإسرائيلية
ويودون التحقيق معي، حيث باشروا بالحرب
النفسية علي في البداية وقالوا لي أنت
الآن قد ضيعت مستقبلك ولن تصلح للزواج
ولن تخرج من السجن أبدا، ولن ينفعك أحد،
لكنني بحمد الله كنت صابرا محتسبا
ومعنوياتي عالية، فلم أهتم بما
يقولون".
وأكمل
الدهشان: "خلال مكوثي بالمستشفى وضعت
في غرفة خاصة حيث كانت تناوب علي
ممرضتان؛ الأولى كانت تعاملني بقسوة،
والأخرى كانت تعاملني بحنان ورقة لدرجة
أنني تعلقت بها بصورة غريبة لكنها في
الحقيقة تعمل لصالح جهاز المخابرات من
أجل الحصول مني على معلومات".
وواصل
حديثه قائلا: "نجحت في ذلك إلى حد ما
بعد أن اكتشفت أمرها عبر جهاز تسجيل لم
أكن منتبها إليه وعلى إثرها نقلت إلى
المحكمة الإسرائيلية التي وجهت لي تهمة
المشاركة في تنفيذ تلك العملية، وأصدرت
وقتها المحكمة عليّ حكما بالإعدام، لكنه
خفف إلى 25 عاما".
وأضاف:
"قبل أن يتم التأكيد على الحكم كان لا
بد من شهادة أحد الناجين من تلك العملية
وهو خبير متفجرات إلى قاعة المحكمة، لكنه
بحمد الله قتل في عملية مشابهة قام بها
الفدائيون ولم يبق أحد ليشهد علينا فقررت
المحكمة بعدها الإبقاء على الحكم 25
عاما".
خلجات
قلبي تقودني لله
في
هذه الفترة يقول الدهشان لم أكن أصلي
مطلقا، لكني كنت أشعر بأن هناك أمرا ما
يراودني ولا أدري ما هو، لكنني لا أخفيكم
أنني كنت أشعر بأن ما أقوم به يكتنفه
النقص خاصة بعد أن تعرفت على شخص أذكر
كنيته (أبو أحمد أبو فايد) الذي كان يحظى
بروحانيات عالية جدا، وكنت أرى في عينيه
الصدق والإيمان فتأثرت به وبدأ يشرح لي
في كتاب إحياء علوم الدين للإمام محمد
الغزالي رحمه الله لدرجة أنني تعلقت به
مما دفعني إلى قراءة معظم مجلداته وأصبحت
محافظا على الصلاة وملتزما مع الشباب
الإسلامي".
ويوضح
الدهشان أن تلك الفترة من السجن كانت
بداية ظهور الحركة الإسلامية التي
قادتها فيما بعد حركة المقاومة
الإسلامية حماس، والتي تعتبر أكبر فصيل
إسلامي اكتسح الساحة الفلسطينية.
صفقة
التحرير وبداية الأمل
يقول
الأسير المحرر الدهشان إن الإفراج عنه
كان على خلفية صفقة تبادل للأسرى حيث كان
أحمد جبريل قد اختطف جنديين صهيونيين
واستطاع إخراج 1150 أسيرا فلسطينيا كنت من
بينهم، وتابع الدهشان وعيناه تفجرت
بالدمع: "لم أصدق هذه اللحظة مطلقا
خاصة عندما صعدت الباصات (ناقلات الركاب)
التي ستنقلنا إلى غزة"، وسكت الأسير
المحرر برهة ليلتقط أنفاسه وعاود ليقول:
"عندما اقتربت من البيت وفتحت الباب
رأيت أخي الأكبر أبا محمد فارتميت في
أحضانه وتفجرت في البكاء العميق حتى بللت
دموعي ثياب أخي".
ويوضح
الدهشان أن لحظة الإفراج على الرغم من
أنها فرحة كبيرة فإنها كانت أليمة جدا
لأنه ترك أحبابا له يقبعون في السجن
ودعهم بدموع ودعوات بأن يجمع الله شملهم
عن قريب.
ويشار
إلى أن الأسير المحرر، تزوج بعد خروجه من
السجن، ورزقه الله بستة أولاد ذكور،
وابنتين.
**مكتب
الجيل للصحافة - فلسطين
|