|
رسالة من خلف الأسوار
محمد
الأسطل**
 |
|
استغاثة من خلف الأسوار |
وفي الزاوية الغربية ما زالت
مكتبته المتواضعة باقية كما هي دون
تغيير، فأقلامه مبعثرة عليها ومذكراته
التي كانت يكتبها على أطراف كتبه تشهد
بجهاده وحبه للمقاومة والاستشهاد، فلا
يكاد يخلو كتاب من الآيات القرآنية التي
تتحدث على الجهاد، أو أبيات الشعر التي
تحث على الجهاد، لذلك كان يتمنى دوما
الاستشهاد في سبيل الله، فخطط ونفذ لكن
مشيئة الله أرادت له يكون أسيرا، "سأعود
حتما من أسري.. لأوفي بعهدي مع الله"،
زينت هذه العبارة صورة الفتى الأسير
إبراهيم أحمد صالحة 17 عاما من سكان حي
الأمل في خان يونس جنوب قطاع غزة
والمعلقة في واجهة غرفته...
مجزرة
الكتيبة
عائلة الأسير صالحة استقبلتنا
في منزلها المتواضع في منطقة حي الأمل،
وبدت العائلة مكلومة حزينة فلا حديث ولا
شوق ولا محبة إلا للمجاهد الصغير إبراهيم
الذي أعطى الجميع قدوة للفتى المسلم
المحافظ على دينه ونموذجا للمجاهد
المدافع عن مقدساته وأرضه، واختصر والده
الحكاية بخمس كلمات قائلا: تمنى الشهادة
وكتب له الأسر.
وحاول والده سرد خلفيات
الحكاية فقال: كانت مجزرة الكتيبة التي
استشهد خلالها 17 مواطنا بينهم 5 أطفال هي
الحادث الفيصل في حياة إبراهيم، حيث خرج
وقتها إلى مكان الجريمة وشاهد بعينيه
أشلاء الشهداء التي مزقها صاروخ
الاحتلال، فعاد إلى المنزل منفعلا
بطريقة لم أره فيها من قبل.
وأضاف: منذ ذلك الوقت ومحمد
يخطط للثأر لدمار شهداء فلسطين، فانضم
لإحدى لجان المقاومة الشعبية حتى جاءته
الفرصة للقيام بذلك في إحدى المستوطنات
اليهودية الجاثمة على أرض خان يونس.
ماض
في عهدي مع الله
ليلة الخميس الموافق 16/1/2003،
أبلغ إبراهيم عائلته بأنه ذاهب ليدرس عند
أحد أصدقائه، لكن الحقيقة أنه أراد أن
يبر بقسمه على الثأر والانتقام من
الاحتلال ومستوطنيه الذين عاثوا فسادا
في العباد والبلاد، فانطلق بعزيمة قوية
وإيمان راسخ وحماس منقطع النظير نحو
هدفه، فأعانه الله على اختراق تحصينات
العدو الصهيوني المحيطة بمجمع مستوطنات
غوش قطيف الاستيطاني، ليقتحم مستوطنة
عتسمونة وهي واحدة من مستوطنات المجمع
الاستيطاني اليهودي المعروف بتحصيناته
غير العادية.
وهاجم سيارة مستوطنين
وأصاب من بداخلها، واقتحم أحد المصانع في
المستوطنة واشتبك مع مجموعة من قوات
الاحتلال، وعند نفاذ سلاحه حاول إلقاء
القنبلة الأخيرة التي يملكها في اللحظة
التي أصابه جنود الاحتلال بالعديد من
الأعيرة النارية لتنفجر القنبلة بيده
ويسقط على الأرض مصابا، ثم ما هي إلا
لحظات حتى يقترب منه جنود الاحتلال بعدما
اعتقدوا أنه استشهد ولكن الله كتب له
الحياة ليكمل مشواره أسيرا في سجن هداريم
الاحتلالي.
كفي
في سبيل الله
وبينما كانت مريم صالحة والدة
أسيرنا المجاهد تقلب في بعض الصور التي
أرسلها ابنها من داخل سجنه انخرطت فجأة
في البكاء، حيث وصلت إلى صورة يظهر ابنها
وقد قطع كف يده.
وما إن اقتربت لتقبل
الصورة حتى انفجرت في البكاء من جديد من
شدة انفعالها، وقالت: ابني الصغير قطعوا
له يده وتركوه ينزف ولم يقدموا له
العلاج، فقط كانوا يريدون أن يبدءوا معه
التحقيق بأية وسيلة، فكيف لهذا الطفل أن
يفعل كل هذا بهم.
معاناة
لا توصف
إبراهيم الذي أصاب 4 من حراس
المستوطنة التي اقتحمها قبل أن تنفذ
ذخيرته، بدأ معاناة جديدة منذ اللحظة
التي أسر فيها، حيث تعرض لموجة تحقيق
قاسية ومتواصلة من قبل قوات الاحتلال
التي لم تأبه بجرحه ودمه النازف، وظل
يتنقل خلال ذلك بين زنازين التحقيق
والمستشفيات الصهيونية حيث الإهمال
المتعمد مع الألم المتزايد، لكن
الرصاصات التي ظلت باقية في ظهر وأطراف
إبراهيم كانت بمثابة البلسم لجرحه
النازف ووسام شرف يبقى شاهدا على جهاده
ومقاومته للعدو الصهيوني الظالم.
لأجلك
يا أقصى يهون كل شيء
ورغم الحزن الشديد الذي تشعر
بها الأم لفقدان فلذة كبدها فإنها تفخر
بعمليته وتشعر دائما أن ما فعله ابنها هو
جزء من جهاد الشعب الفلسطيني ضد
الاحتلال، وتقول: رغم أنني أشعر بمرارة
قوية لأن إبراهيم بعيد عني فإن الهدف
الذي أصبح معتقلا من أجله يكون دائما لي
الشفاء والدواء، فالمسجد الأقصى يستحق
منا أن نضحي بالغالي والنفيس، وأضافت
الأم التي استشهد أخوها قبل عدة أشهر في
عملية اغتيال للمجاهد ياسر طه: أنا جاهزة
دائما لأقدم أبنائي في سبيل الله، فرغم
أنهم قطعة منا فإن فلسطين ومقدساتها
تحتاج إلى الرجال المجاهدين الأوفياء،
وإذا لم يكونوا أولادنا فمن سيكونون إذن؟
أما الأب فكان نظرات الشوق
لأبنه تكاد تنطق من عينيه فهو لم يزره منذ
4 أشهر بحجج صهيونية واهية، وقال: منذ 4
أشهر لم ير إبراهيم أحد من العائلة، حيث
منعتنا قوات الاحتلال مرارا من الزيارة
بحجة أننا نمثل خطرا أمنيا عليهم،
متسائلا: وهل أمثل أنا الشيخ العجوز أية
خطورة على الاحتلال، أم أن أمه التي
ينفطر قلبها حنينا لابنها تشكل هاجسا
أمنيا لهم؟ إن لله وإنا إليه راجعون.
شامخ
في عرينه
ويقبع إبراهيم في سجن هداريم
الصهيوني المعزول عن العالم مع باقي
الأطفال الأسرى الفلسطينيين، حيث يواجه
هؤلاء الأسرى الأطفال معاناة مستمرة في
هذا المعتقل، إذ يمنعون من الزيارات
والاتصالات ويواجهون كافة أشكال التعذيب
والتضييق يوميا، إضافة إلى أن قوات
الاحتلال تحتجز في السجن المعتقلين
الصهاينة الجنائيين، الذين يقومون
بالتحرش والاعتداء على الأسرى
الفلسطينيين.
ويذكر أن إبراهيم رفض أن يبدي
ندمه على العملية التي قام بها ضد
الاحتلال الصهيوني خلال نطق المحكمة
الصهيونية بالحكم ضده في شهر مايو
الماضي، معربا عن فخره واعتزازه بما هو
عليه الآن رغم طول محكوميته التي بلغت 12
عاما إضافة لثلاث سنوات مع وقف التنفيذ.
**
مكتب الجيل للصحافة - غزة - فلسطين
|