التسوية
مع إسرائيل في إشكالياتها الفلسطينية
ماجد كيالي
*
لا
تقتصر إشكاليات عملية التسوية على
الإسرائيليين، فحسب، فلهذه التسوية
إشكالياتها لدى الفلسطينيين، أيضًا. لذا
من المفيد دراسة وتفحص هذه الإشكاليات
واستيعابها؛ لتخليص الفكر السياسي
الفلسطيني من الركود أو التكلس الذي
يعتريه، ولتحقيق نقله جديدة في قدرة
الفلسطينيين على إدراك واقعهم وتعيين
هدف تحركهم من أجل مستقبل أفضل لهم.
وتتمثّل
هذه الإشكاليات في النواحي التالية:
1-
أن انخراط الفلسطينيين في عملية التسوية
ناشئ، أولاً، من الصعوبات والتعقيدات
المحيطة بهم (الفجوة في موازين القوى وفي
المعطيات الدولية والإقليمية غير
المواتية لهم بالقياس لإسرائيل)،
وثانيًا، من الإحباطات التاريخية التي
مروا بها في تجربتهم الوطنية، وثالثًا،
من المعاناة اليومية يعيشونها.
هكذا
تنعكس عملية توسل الفلسطينيين للتسوية
في وعيهم السياسي بكونها مجرد محاولة
للتحايل على الواقع البائس، والخروج من
دوامة الوضع الراهن، والتعويض عن الخلل
في موازين القوى، أكثر من كونها محاولة
لتجاوز مأساة الماضي والحاضر، والتأسيس
لمستقبل جديد مفتوح الآفاق والأبعاد.
بداهة
لا يتحمل الفلسطينيون وحدهم مسؤولية هذا
القصور في الوعي السياسي، إلا بقدر
مسؤوليتهم عن تخلف أوضاعهم الاقتصادية
والاجتماعية. فالطرف الفلسطيني هو
الضحية الذي استلبت حقوقه وهويته
وكينونته؛ لذا فمن الإجحاف تحميله،
وحده، أو بالتساوي مع الإسرائيليين،
المسؤولية عن ابتداع حلول تعوضه عن
اقتلاعه من وطنه وحرمانه هويته وتبديد
كينونته. فالمسؤولية عن هذه الحلول تقع
على الطرف الإسرائيلي، أساسًا، من دون
إعفاء الأطراف الدولية والإقليمية من
مسؤوليتها عن طرح أو فرض حلول لإخراج
الفلسطينيين من حال الحرمان التي
يعيشونها منذ أكثر من نصف قرن. وهكذا فإن
إسرائيل، بحكم طريقة نشوئها (بالقوة)
وطبيعتها كدولة استيطانية إحلالية
لليهود، لم تتح أي مجال للفلسطينيين
لإيجاد مقاربة مناسبة، ولو بالحد الأدنى
لعملية التسوية.
وبغض
النظر عن تقييمنا لطريقة عمل القيادة
الفلسطينية وللفوضى السياسية التي
تخلقها في مفاوضاتها وفي انتفاضاتها،
كما في إدارتها لعلاقاتها الداخلية
والخارجية، فإن هذه القيادة قدمت
مقاربتها لعملية التسوية، المتمثلة
بإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع
المحتلين (22% من الأرض الفلسطينية)،
وتقاسم القدس. وكان يمكن لهذا الحل أن
يتطور لإيجاد مخارج مناسبة لقضية
اللاجئين الفلسطينيين، لولا أن الطرف
الإسرائيلي قطع هذا التطور بإضعاف هذه
القيادة وعزلها (الليكود)، وبالتملص من
استحقاقات التسوية (العمل)، وعبر خلق
الوقائع (الحصارات والمستوطنات والجدار
الفاصل) التي تضعف من صدقية عملية
التسوية برمتها، لدى الفلسطينيين.
2-
بالنسبة لغالبية الفلسطينيين كانت عملية
التسوية بمثابة عملية افتراضية يأخذون
فيها حقوقهم بالتمام والكمال، على
اعتبار أنهم تنازلوا عن جزء من وطنهم،
فيأخذوا الجزء الباقي ويبنوا دولتهم
ويعيدوا اللاجئين إلى أرضهم ومتلكاتهم
التي شردوا منها قبل نصف قرن.
ولكن
هذه التسوية العادلة والشاملة في
حقيقتها هي تسوية متخيلة، ليس لها سند في
عالم السياسة الواقعي الذي لا يعترف إلا
بموازين القوى، أو بالمعطيات الدولية
والإقليمية التي قد تعوض الطرف الأضعف عن
الخلل في القوى الذاتية. وطبيعي أن الطرف
الأقوى، في هكذا عالم، هو الذي يقرر ما
يمنحه وما يمنعه. والقصة ليس لها علاقة
بالأخلاق أو بالعدالة، فكيف إذا كان
الأمر يتعلق بالصراع مع الإسرائيليين
الذين يعتبرون أنهم يتصارعون مع
الفلسطينيين على الأرض والحقوق والرموز
ذاتها؟! ولا بد من الإشارة هنا إلى وهم
إيجاد تسوية عادلة وشاملة ودائمة؛ لأن
أية تسوية ستتأسس على وجود إسرائيل وهي
ستكون بداهة مجحفة بالنسبة للفلسطينيين،
فالعدالة المطلقة غير موجودة والماضي لا
يعود، أما الشمولية فلن تتحقق لأن أي حل
سيتجاوز قضايا معينة في سبيل تحقيق أخرى،
وبالنسبة لصفة الدوام فهي تتناقض مع حركة
التاريخ وتطور المجتمعات.
ولعل
ما يفاقم الأمر بالنسبة للفلسطينيين أن
أقطاب التسوية عندهم لم يكلفوا أنفسهم
شرح عناء أو تعقيدات التسوية مع إسرائيل،
والتي لا تقل عن عناء أو تعقيدات الصراع
معها، وذلك على خلفية استهتارهم بالعمل
الشعبي، أو بالأطر التشريعية، وأيضا على
خلفية سعيهم لتبييض صفحتهم، في غمرة
تنصلهم من شبهة التنازلات، ومبالغتهم في
امتيازات التسوية التي ستجلب
للفلسطينيين الاستقرار والازدهار، على
طريقة هونغ كونغ أو سنغافورة، مثلا!
3-
غالبا ما يتم التعامل مع قضية التسوية في
إطار النصوص، أي الاتفاقات التي يجري
التوصل إليها بين الطرفين المعنيين،
بدلا من التعامل معها في إطار موازين
القوى الذاتية للجانبين والمعطيات
المحيطة بهما. هكذا تم التعامل مع
اتفاقات أوسلو، مرورا بوثائق مفاوضات
كامب ديفيد 2 و"طابا"، وصولا
لتفاهمات "جنيف" وأيالون- نسيبة
اللارسميتين.
وتبين
التجارب التاريخية بأن المواثيق تتغير
وتتطور، بتغير الموازين والوقائع.
فالصين الشعبية ظلت لعقود من الزمن خارج
الأمم المتحدة لمجرد أن الولايات
المتحدة تريد ذلك، ومع ذلك فهي استمرت
وازدهرت وفرضت الاعتراف بها، وباتت عضوا
في مجلس الأمن الدولي.
من
ناحية أخرى فقد انهار الاتحاد السوفيتي (السابق)
برغم من كونه إمبراطورية، وخرج من تحت
عباءته العديد من الدول. وإذا اقتربنا من
موضوعنا فإن الاعتراف الدولي بإسرائيل
كان في حدود 57% من أرض فلسطين، ومشروطا
بعودة اللاجئين وإقامة دولة فلسطينية،
ولكن إسرائيل توسعت إلى 77% من أرض فلسطين
(1948) ولم ترض بعودة اللاجئين ولم تتح
إقامة دولة للفلسطينيين (مستغلة أيضا
موقف النظام العربي). بل إن إسرائيل ذاتها
احتلت باقي الأراضي الفلسطينية وأراض
عربية (1967)، ورفضت قرارات مجلس الأمن
الدولي والمواثيق الدولية، وتفسير ذلك
ينبع من قوة إسرائيل ومن المعطيات
الدولية المساندة لها.
إزاء
ذلك لا يوجد سبب يدعو أحد لاعتبار أي
وثيقة على اعتبارها وثيقة مخلدة، وكأنها
رسالة من السماء، وهذا ما ينبغي على
الفلسطينيين أخذه بالاعتبار في
مناقشاتهم الداخلية والتلفزيونية
الصاخبة؛ لعل شيئا من العقلانية يهبط
عليهم، بدلا من اعتماد لغة التخوين
والتكفير السهلة التي لا تخدم إلا امتهان
كرامة الفلسطينيين وتسطيح عقليتهم
السياسية وإثارة غرائزهم وزرع الشقاق في
صفوفهم. علما أن الفلسطينيين هنا لا
يتنازلون عمليا عن حقوق في يدهم بقدر ما
يحاولون انتزاع حقوق لهم، تحت وطأة
الظروف والمعطيات المحيطة بهم.
4-
في الواقع فإن النقاش الفلسطيني، من حول
عملية التسوية، هو نقاش مبتور لأنه لا
يصل إلى نهاياته المنطقية والطبيعية.
فمثلا، حتى الآن، لا يوجد نقاش مكتمل أو
ناضج حول حل الدولة الديمقراطية
العلمانية (في فلسطين /إسرائيل) ولا حول
حل "الدولة ثنائية القومية"، ولا
حتى حول حل الدولتين، وكل ما هنالك ليس
أكثر من شعارات أو مناقشات جانبية.
كذلك
فإن النقاش الفلسطيني هو نقاش ناقص لأنه
يجري في إطارات محدودة ومغلقة، ولا يشمل
الأطر الشرعية (الرسمية) ولا المستوى
الشعبي. وتفسير ذلك يكمن في: أولا، ضعف
الحراك السياسي الفلسطيني وتكلس الساحة
الفلسطينية عند بناها وشعاراتها التي
انبنت عليها قبل عقود من الزمن؛ ثانيا،
غياب وتغييب العلاقات الديمقراطية
والمشاركة في الساحة الفلسطينية؛ ثالثا،
طريقة العمل الفردية والمزاجية
والفوضوية للقيادة الفلسطينية؛ رابعا،
الإحساس بأن عملية التسوية تشكل نوعا من
الاقتراب من المحرمات، في المزاج الشعبي
الفلسطيني.
إزاء
كل ذلك ثمة أسئلة تطرح نفسها على الساحة
الفلسطينية، فمثلا، هل تملك الساحة
الفلسطينية، بقواها الخاصة وفي الأوضاع
الراهنة، فرض التسوية التي تريد على
إسرائيل (الدولة والعودة)؟ وفي حال نفي
ذلك، أمن مصلحة الفلسطينيين الخروج من
عملية التسوية؟ وهل الزمن يعمل لصالحهم،
في ظل واقع الاستمرار بالاستيطان وبناء
الجدار الفاصل وتقويض الكيان الوليد
للشعب الفلسطيني؟ ثم هل ثمة مصلحة للشعب
الفلسطيني في رهن مطلب الدولة بحق
العودة؟ ألا يمكن اعتبار ذلك شركا يتيح
لإسرائيل التملص من استحقاق الدولة
الفلسطينية، وبذلك لا يحصل الفلسطينيون
لا على دولة ولا على عودة؟ أخيرا، هل أن
غياب الدولة الفلسطينية يشكل دعما
لمطالب اللاجئين أم أنه يفاقم من
معاناتهم؟
وهكذا
فإن الساحة الفلسطينية بإطاراتها
الرسمية والشعبية معنية بمواجهة الأسئلة
المطروحة عليها، لترشيد أوضاعها وتصويب
سياساتها، بدلا من الاكتفاء بسياسة
إدارة الظهر والتلهّي بالشعارات وممارسة
الحوار في الدهاليز المغلقة.
*
كاتب فلسطيني
|