سياسة
التزييف الإسرائيلي
ماجد كيالي
*
في
إطار سعي الحركة الصهيونية لتبرير
مشروعها واغتصابها حقوق الفلسطينيين
واحتلال أرضهم والاعتداء عليهم، عملت
إسرائيل على استخدام كل ما في ترسانة
الحضارة الغربية من موروث تاريخي
وثقافي، لاحتلال الوجدان العالمي وتعزيز
التعاطف معها، لا سيما في البلدان
الغربية (أوربا والولايات المتحدة).
هكذا
استغلت إسرائيل، مثلاً، عقدة "المحرقة"،
عند الغربيين، كي تحتكر موقع الضحية في
الوجدان الجمعي لديهم، واستعارت فكرة
الاستعمار الاستيطاني، معتبرة نفسها
امتدادًا "حضاريًّا" للدور الأوربي
في الشرق الأوسط، وظلت تدّعي بأنها "واحة
للديمقراطية" في "صحراء" العالم
العربي، وأنها رسولة الغرب لنشر الحداثة
والعلمانية، في هذه المنطقة من العالم!!!
لم
تتوقف إسرائيل عند هذا الحد في محاولتها
مصادرة تاريخ الشعب الفلسطيني وحقوقه
ووجوده، وإنما ظلت تبتدع كل يوم جديدًا،
لمحو الشعب الفلسطيني من الوجدان
العالمي ووأده أو تشويهه سياسيًّا
وأخلاقيًّا وحضاريًّا.
معروف
أن الصهيونية انطلقت من دعوى مزيفة
مفادها أن "فلسطين أرضًا بلا شعب لشعب
بلا أرض"!، ولكن عندما ظهر الشعب
الفلسطيني متحديًا حال الغياب والتغييب
التي فرضت عليه، ادعت إسرائيل بأن
الفلسطينيين هم مجرد طارئين على الزمان
والمكان، وأنه لم يكن لهم قط في يوم من
الأيام كيان ما!.
وعندما
ظهر الفلسطينيون على شكل شعب يكافح من
أجل تحرره الوطني واستقلاله استعارت
إسرائيل المفاهيم الاستعمارية العنصرية
التي تدعي أن الشعب الفلسطيني مجرد شعب
قاصر لا يليق به التمثّل في دولة ولا
التحكم بأحواله، وبالتالي فهو لا يستحق
الحقوق التي يدعيها؛ لأن إسرائيل متقدمة
عليه وهي الأولى بوراثة هذه الحقوق أو
الوصاية عليها، ريثما يجري تأهيله
بالمعايير الدولية إلى حين يصبح أهلاً
لثقة إسرائيل والعالم الغربي!.
على
ذلك فقد خاض الشعب الفلسطيني، خصوصًا في
الفترة من 1965 - 1987، كفاحًا صعبًا وعنيدًا
ومعقدًا من أجل نيل تعاطف العالم مع
حقوقه، ومن أجل نزع الاعتراف به كونه
ضحية للصهيونية وكيانها إسرائيل، بقدر
ما هو ضحية لعقدة الغرب تجاه اليهود (الهلوكوست).
لكن
الفضل في كسر الادعاءات التي روّجتها
إسرائيل ضد الفلسطينيين، يعود إلى
الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987 - 1997)،
فهي التي وضعت حدًّا لهذه الادعاءات،
وكشفت إسرائيل على حقيقتها، كدولة
عنصرية غاشمة تسيطر على شعب آخر بالقوة
والعنف، في حين أن هذا الشعب يقاومها
بصدوره وبحجارته، مقوضًا بذلك صورتها
الأخلاقية. وهذه الانتفاضة هي التي أظهرت
عدالة كفاح الفلسطينيين وعززت التعاطف
العالمي معهم، وهي التي كسرت احتكار
إسرائيل لصورة الضحية، في الوجدان
الغربي، وأحلّت مكانها صورة إسرائيل
الغاشمة المعتدية العنصرية؛ وفي حينه
ساهم ذلك كله في الضغط على إسرائيل
ودفعها إلى ولوج عملية التسوية، في
محاولة منها لترميم صورتها أمام العالم.
في
الانتفاضة الثانية (عام 2000) استمر الصراع
بين إسرائيل والفلسطينيين على الوجدان
العالمي برغم الالتباسات والإشكاليات
التي أحاطت بهذه الانتفاضة نتيجة انتهاج
الفلسطينيين للكفاح المسلح، ولا سيما خط
العمليات الاستشهادية التي طالت
المدنيين في المدن الإسرائيلية في مناطق
48.
في
هذا السياق سارعت إسرائيل إلى استغلال
هذا التطور للتلاعب على وتر التعاطف
الدولي مع الفلسطينيين، لا سيما بعد
ازدياد النقمة الدولية على الأعمال
الإرهابية التي باتت تشكل خطرًا على
العالم كله، عبر ترويج الادعاءات
التالية:
1
- التشكيك بأخلاقية كفاح الفلسطينيين،
حيث وصل الأمر بإسرائيل حد اعتبار نفسها
ضحية للفلسطينيين! واعتبار الفلسطينيين
معتدين يبتغون تدمير إسرائيل وقتل شعبها.
2
- نزع الشرعية عن كفاح الفلسطينيين
والادعاء بأن حربها ضدهم مشروعة؛ لأنها
تدافع عن حياة الإسرائيليين وعن حقها
بالوجود.
3
- اعتبار حربها ضد الفلسطينيين جزءاً من
الحرب الدولية ضد الإرهاب، وجزءاً من
صراع التنوير والحداثة ضد الظلامية
والتخلف، وهي في ذلك تحاول تجريد الكفاح
الفلسطيني من طابعه الوطني التحرري.
4
- تكريس وجهة نظر مفادها أنه يحق للدول
الديمقراطية ما لا يحق لغيرها، بما في
ذلك حق استخدام مبدأ "الحرب
الاستباقية" واحتلال أراضي شعب آخر.
طبعًا
لا المنطق يستجيب لهذه الادعاءات ولا
الوجدان العالمي، بدليل تزايد عزلة
إسرائيل وتآكل صورتها على الصعيد
العالمي. وإذا نحينا جانبًا الحديث عن
مشروعية كفاح الفلسطينيين وعدالة
قضيتهم، لسهولة النيل من ادعاءات
إسرائيل في هذا المجال، فإن طروحات
إسرائيل المتعلقة باعتبارها دولة
ديمقراطية علمانية، يستحقان وقفة خاصة،
لتفنيد هذه الادعاءات الاستعلائية
المتغطرسة أمام الرأي العام العالمي،
وكشف التناقضات والالتباسات التي
تعتورها.
في
حقيقتها فإن العلمانية الصهيونية
والإسرائيلية هي علمانية مشوّهة، وهي
تختلف ثقافيًّا وتاريخيًّا عن العلمانية
كما ظهرت عليه في الغرب (باعتبارها فصلاً
للحيز الديني عن الحيز المدني)؛ لأنها
متأسسة على نقيضها، أي على الموروث
الأسطوري الديني والثقافة الدينية،
أصلاً؛ وهي لذلك لا تستطيع الانفكاك عن
هذا الموروث؛ لأنه يشكل العجينة التي
تحاول بها صوغ فكرتها ودولتها المصطنعة.
مثلاً،
من وجهة نظر الصهيونية، المفترض أنها
حركة قومية علمانية، فإن اليهودية ليست
مجرد دين، وإنما هي رابطة قومية تصهر
جميع اليهود في مختلف القارات والبلدان
في بوتقة شعب واحد، بغض النظر عن
انتماءاتهم القومية وخلفياتهم الثقافية
والتاريخية؛ وكأن اليهودية ظاهرة سرمدية
عابرة للأزمان والقارات، ونسقًا فوق
الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة
المشتركة! هكذا وقعت الصهيونية في تناقض
فريد من نوعه، بين الدين والعلمانية، في
خلطها بين الرابطة الدينية والرابطة
القومية، وبين الموروث الديني والموروث
الثقافي، في محاولتها اصطناع سردية
واحدة متماثلة لليهود في العالم لتبرير
مشروعها الاستعماري وخلفيتها العنصرية.
وفيما بعد حملت إسرائيل تبعات هذه
التناقض في واقع اتكائها على كونها دولة
علمانية وارتكازها على الدين لتبرير
ذاتها وجلب المهاجرين إليها وصوغ
ثقافتها وهويتها وفرادتها.
النتيجة
أنه يتعذر النظر إلى الحركة الصهيونية،
وكيانها إسرائيل، باعتبارها ظاهرة
علمانية خالصة، فهي ليست كذلك لا من حيث
الأيدلوجيا ولا الثقافة ولا التشريع ولا
الانتماء الفردي، وفاقم من هذا الأمر
واقع انبعاث الأصولية اليهودية المتطرفة
وازدياد نفوذها في دولة تحتل فيها
الأحزاب الدينية الحريدية 27 مقعدًا من
مقاعد الكنيست (120 مقعدًا)، من دون أن نذكر
نفوذ المتدينين في الأحزاب الأخرى،
ونفوذهم في مؤسسات الدولة الخاصة
بالتعليم والقضاء والتشريع.
وفي
الواقع فإن إسرائيل تكاد تتحول مع سطوة
المتدينين والحاخامات، من دولة يغلب
عليها الطابع العلماني إلى دولة دينية
يغلب عليها الطابع الأصولي؛ وتلك هي إحدى
أهم مشكلات إسرائيل اليوم، في محاولاتها
التماثل مع الحداثة الغربية وترميم
صورتها في الغرب. إذ كيف لها تتحدث عن خطر
الأصولية في العالم الإسلامي فيما هي
تتحول باطراد نحو التماثل مع هذا العالم؟!
أما
بالنسبة لادعاء إسرائيل الديمقراطية فقد
بات بدوره يتعرض للتآكل بسبب تمييز
إسرائيل ضد مواطنيها الفلسطينيين (في
مناطق 48) وبسبب تحكمها بوسائل القوة بشعب
آخر. فقد حاولت الصهيونية ثم خليفتها
إسرائيل، كما قدمنا، انتهاج خط تغييب أهل
الأرض الأصليين، على اعتبار أن تغييب
الفلسطينيين يعني الخلاص الأخلاقي
للمشروع الصهيوني، وتكوين دولة يهودية
خالصة، من دون التشوه بشبهة التمييز ضد
الآخرين. طبعًا لم يكتب للصهيونية ولا
لإسرائيل النجاح في "سفرها" هذا
التي حاولت أن تخطه رغم التاريخ
والجغرافيا والبشر في هذه المنطقة،
فالشعب الفلسطيني لم يختفِ من الخريطة
وواصل وجوده، إن داخل الدولة
الإسرائيلية ذاتها، على شكل مواطنين من
الدرجة الثانية، أو على شكل لاجئين
يكافحون من أجل حقوقهم المغتصبة، أو على
شكل شعب يكافح للتحرر من الاحتلال. وكانت
جولدا مائير، رئيسة الحكومة الإسرائيلية
منذ أواخر الستينيات إلى أوائل
السبعينيات، متنبهة إلى هذا الوضع، ولكن
البجاحة الاستعمارية العنصرية وصلت بها
حد القول إنها لن تسامح الشعب الفلسطيني
على التشويه الذي ألحقه بإسرائيل
وبأخلاقياتها، حين اضطرها لكشف وجهها
الحقيقي!.
من
كل ذلك يستدل أن الجدل حول طابع إسرائيل
يحتاج إلى مزيد من التفحص لفضح الخداع
الذي تمارسه إسرائيل على العالم وكشف
حقيقتها كدولة عنصرية استعمارية تنحو
نحو الأصولية المتطرفة. وهذا الجدل مهم
جدًّا في الصراع لكسر احتكار إسرائيل
لصورة الضحية وكسب المعركة معها على
الصعيد الأخلاقي.
*
كاتب فلسطيني
|