الصفحة الرئيسية

 
الأحداث في صور
 ابحث | بحث متقدم 

قضية فلسطين

المقاومة الفلسطينية | الفصائل الفلسطينية | عمليات التسوية | فلسطين والمجتمع الدولي | فلاشات


فتح تأملات في المسارات ومحددات المصير

د. محمد خالد الأزعر

تعود نشأة حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) إلى نوفمبر 1957. تم ذلك باتفاق بين مجموعة من الشبان الفلسطينيين، الذين اكتسبوا بعض الخبرات التنظيمية في إتحادات وروابط الطلاب أو في أحزاب قومية عربية. وحدث اللقاء التأسيسي الأول للحركة في الكويت وبسرية احتفظت بها الحركة حتى عام 1968، حين أعلن أن ياسر عرفات (أبو عمار) هو الناطق باسم الحركة.

وبخلاف التخلي نسبياً عن السرية شهد ذلك العام توسعاً أفقياً كبيراً في عضوية فتح من بضعة مئات إلى بضعة ألوف، وذلك على خلفية دور الحركة في معركة الكرامة (مارس 1968)، وكان هذا التطور من المحطات الفارقة في مسيرتها، حتى أن البعض يعتبره بمثابة الميلاد الثاني لفتح. لا سيما وقد اقترن بتوسع آخر في أدائها المسلح داخل الأراضي المحتلة 1967.

وكذا في دورها السياسي التنظيمي، بالنظر إلى التحاقها بمنظمة التحرير الفلسطينية وأيلولة قيادة المنظمة لها عام 1969 وإلى يومنا هذا.

ولفتح هيكيلية تنظيمية متنوعة بتأثير المراحل التاريخية والساحات التي تنشط عليها. لكن قوامها الثابت يتمثل في:

- مؤتمر عام، يفترض عقده كل ثلاثة أعوام. لكنه لم يلتئم سوى في خمس دورات، كان أخرها عام 1989. ويدور راهناً جدل داخل الحركة حول ضرورة عقد دورته السادسة لحسم الكثير من القضايا الخلافية. ذلك لكون المؤتمر هو أعلى سلطة فيها، يناط به تحديد أهدافها ووسائلها ومحاسبة قيادتها.

- ومجلس ثوري، مكون من مسئولي وقادة الأجهزة والأقاليم والتكوينات المسلحة بالإضافة إلى 25 عضواً منتخباً من المؤتمر العام و 10 من ذوي الكفاءات تختارهم اللجنة المركزية. ويتشعب المجلس إلى لجان أقاليم (تنعقد كل عامين) ثم لجان مناطق، فشعب، فأجنحة، مخلقات.

- لجنة مركزية، هي بمثابة السلطة التنفيذية، ينتخب المجلس الثوري ثلثي أعضائها. وتضطلع بالمسئولية عن مختلف أجهزة الحركة السياسية والتنظيمية والإعلامية والمالية والاجتماعية..الخ.

وللحركة مجلس عسكري وأجهزة للتعبئة والتوجيه والاستخبارات والتموين والنقل والخدمات الطبية. وبهذه الهيكلية تكاد فتح تماثل التخصصات الحكومية. وهو ما أدى إلى الخلط بينها وبين منظمة التحرير ثم سلطة الحكم الذاتي فيما بعد (1994). بل ويلاحظ أن لها مكاتب تمثلها في بعض الدول بشكل شبه مستقل عن مكاتب تمثيل المنظمة والسلطة.

التأمل في هذا البيان الواسع يشي بقوة فتح مقارنة بالتنظيمات الفلسطينية السابقة عليها والمزامنة لنشأتها واللاحقة لها. ومرد هذه القوة هو أنها لم تضع شروطاً لعضويتها سوى التوجه نحو فلسطين وعدم الالتزام بتنظيم أخر. وأنها لم تصنف هؤلاء الأعضاء بحسب ميولهم الإيديولوجية وخلفياتهم الفكرية والسياسية.

هي فقط ولفترة ممتدة ركزت على مبادئ ثلاثة: تحرير فلسطين كهدف، والكفاح المسلح كأداة، والاستقلالية التنظيمية عن أي نظام أو تنظيم عربي أو دولي.

يمكن بالطبع الآن التناظر بشأن استمرارية هذه القواعد. لكن المؤكد أن تقيد فتح بها مطولاً ضمن لها عضوية واسعة جداً وشعبية كبيرة فلسطينياً. حتى قيل في ذلك "إن أي فلسطيني ليس في تنظيم أخر هو فتحاوي"!

إلى فضفاضية مشروط الالتحاق بفتح وعدم صرامتها الإيديولوجية، ثمة أسباب أخرى وراء شعبيتها وجاذبيتها. لعل أهمها دورها ومكانتها القيادية في إطار م. ت. ف.. فهذه المكانة كفلت لها التواصل مع كافة القطاعات الفلسطينية داخل الوطن المحتل وفي الملاجئ. وألفت بين يديها، بموارد ضخمة، مادية ومعنوية، بما هيأ لها وضعاً استثنائياً وربما تحكمياً، على صعيد المنح والمنع. وقد زادت فرص الحركة في هذا المضمار بعد نشوء السلطة الوطنية، إذ أضحت حزباً يمكنه توزيع الموارد الاقتصادية (التوظيف مثلاً) والاجتماعية والسياسية بشكل أوقع.

وبات البعض ينظر إلى الاقتراب من فتح كممر للحصول على مزايا تفضيلية منظورة.

لقد كانت فتح تضطلع بأدوار غير سياسية وغير عسكرية قبل قيام نشوء السلطة تحت عينها. ولكن هذه الأدوار تعاظمت في عهد السلطة. وكان ذلك مقدراً ومطلوباً من لدن الحركة وكذا من جانب القوى الراعية لعملية أوسلو وتوابعها، حيث برز تأثير ما تعرف بالدول المانحة. وذلك على محمل أن استقطاب قطاعات جماهيرية إلى السلطة (التي هي فتح..) وربط أبعاد مهمة من حياتهم بها يوسع جماهيرية هذه السلطة، ومن ثم يفسح مجالاً أرحب للقناعة بأسلوبها في معالجة القضية الوطنية (التسوية السياسية).

على أن خصائص فتح التي منحتها القوة والشعبية ورطبت مصالح قطاعات واسعة بها، وجعلت لها السبق والريادة ووضعت في حجرها القيادة، لم تكن دوماً بالفاعلية المطلوبة. فالحجم الكبير كماً وكيفاً ربما شكل أحياناً عبئاً على التنظيم باعتباره مصدراً للرخاوة ومدخلاً لاحتمال الاختراق. كما أن اللاتحديد الأيديولوجي يفتح الباب أمام تعدد المدارس والاجتهادات التي قد تتبلور إلى محاور وطرق شتى يأتلف حولها أبناء التنظيم في دوائر معرضة للتباعد. وحين يكون التنظيم بصدد قضية شديد التعقيد كالقضية الفلسطينية، فإن انحداره إلى محذور التشرذم والتشظي وإن تماسك شكلياً أمر وارد شيء من هذا هو ما وقعت فتح في إساره.

فتح في كل حال شأن أي تنظيم ثوري كبير تعرضت لما قد نسميه بلين العظام وضعف المناعة ومن ثم فقدان القدرة على معالجة بعض أزمات الاختلافات الداخلية، بحيث انتهى الأمر أحياناً إلى تغلب عوامل الإفتراق على نقاط التلاقي، مما أدى إلى الانشقاق. جرى ذلك على الأقل بشكل ملموس لمرتين، في مطلع السبعينات (انشقاق فتح المجلس الثوري) وبُعيد غزو لبنان عام 1982 (انشقاق فتح الانتفاضة). وكانت تلك الوقائع من المحطات البارزة أيضاً في مسيرة الحركة.

لم تكن فتح في السابق ولا هي حالياً أو مستقبلاً مبرأة مما تقع فيه التنظيمات والأحزاب من أخطاء وأزمات ومنازعات داخلية. وفي هذه الحركة، اختلطت هذه الظواهر السلبية بتدخلات ومداخلات أطراف إقليمية –ودولية- أثرت على خيارات المعالجة، أحياناً بالإيجاب وكثيراً بالسلب.

ولنا أن نلاحظ أيضاً كيف أن أمراض فتح وتجلياتها قد صاحبتها لعشرات السنين. فما كان مثاراً للجدل والتدافع قديماً، عند النشأة الأولى، ما زال قائماً إلى يومنا هذا وإن أخذ أشكالاً مختلفة. ومن ذلك بلا حصر ما يتعلق بقضايا الأداء القيادي (الديمقراطية وصناعة القرار)، أهداف الحركة ووسائل تحقيقها، العلاقة بالفصائل والقوى الفلسطينية العاملة على الساحة، أنماط التحالف وحدود التفاعل مع القوى الإقليمية والدولية..

وهذه بالمناسبة هي ذات الهموم المطروحة على مجمل حركة التحرر الفلسطيني.

ويمكن تبرير هذا التداعي وإشعاع أزمات فتح على الصعيد الفلسطيني الوطني العام، بمكانة هذه الحركة داخل منظمة التحرير أو سلطة الحكم الذاتي على ما أشرنا أعلاه.. وعليه يصح القول بأن من أراد تبصر حال السياسة والنضال الفلسطينيين، ينبغي أن ينظر في أحوال فتح. وذلك على الرغم من انبعاث منافسين أقوياء لها كحركتي حماس والجهاد الإسلاميتين.

القصد أن الكيفية التي ستجترحها فتح لمعالجة إشكالياتها المزمنة ربما مثلت مرجعية، يعتد بها وبدلالاتها على الكيفية التي سيعالج بها الفلسطينيون، أطرهم السياسية بالذات، لقضاياهم وخياراتهم الداخلية والخارجية. وبقليل من التفصيل تدور هذه الإشكاليات في أفلاك الأبعاد التالية:

هناك أولاً البعد الأيديولوجي السياسي.. ففتح كما قلنا مجمع للأفكار والميول الأيديولوجية. فيها يتحاور القوميون والإسلاميون واليساريون بكل ألوان أطيافهم وتياراتهم الفرعية. وإذا كانت قد أثبتت فترة نادرة على التوليف بين هؤلاء جميعاً، لا سيما في زمن الثورة، فإن الفرز الصارم يبقى من شواغل فتح في المرحلة المسماة ببناء الدولة.

ولا نعرف بدقة حجم الذين تسربوا من مؤسسات فتح كي يردفوا تيارات أخرى كحماس والجهاد. ففتح كانت مناسبة لعناصر إسلاموية كثيرة قبل تبلور الحركتين الأخيرتين. ونشك في أن تظل الموئل الوحيد لمثل هذه العناصر على الدوام بعد ذلك. فكلما اكتملت ألوان التنظيمات السياسية والأيديولوجية، سيكون ذلك خصماً مباشراً أو غير مباشر من معين فتح الجماهيري. كذلك فإن مشاركة القوى الأخرى في صناعة القرار ومزاحمة فتح على توزيع الموارد والمنافع، سيعزز هذا الاتجاه.

وهناك ثانياً البعد الديمقراطي وما يدعى بعمليات الإصلاح السياسي. ويتعلق بالشكوى القديمة المتجددة من سيطرة رئيس الحركة ونخبة ممن حوله على صناعة القرار، والخروج على مواثيق فتح. والغبن بالأجيال الجديدة على صعيد المناصب والمزايا وإغفال الاستماع إلى رؤاهم السياسية وتفضيلاتهم النضالية. والتلكؤ في عقد المؤتمر العام للحركة لعقد ونصف من السنين، الذي عمق الانسداد الديمقراطي والفجوة بين أجيالها.

وللحقيقة فإن المطالب التي يرفعها بعض الفتحاويين بهذا الخصوص ليست خالصة جميعها أو بريئة من شبهات الأهواء والطموحات الشخصية والتصارع على ما يعتبرونه مكاسب مستحقة لهم. وهي ليست خالية من دسم التدخلات والتأثيرات الخارجية والاستقواء بها. ومع ذلك، فإن فتح بحاجة ماسة للانضباط الديمقراطي من القمة إلى القاعدة، وبخاصة عند القمة. ويتصل بهذه المهمة توضيح الأفاق القيادية في حال غياب رجلها القوي ياسر عرفات. فالتفويض الشعبي داخل فتح وخارجها للرجل تمكن من التغطية مطولاً على مساوئه لجهة احتكار القرار والتفرد القيادي... لكن السؤال هو ماذا بعد عرفات؟

البعض يتحدث عن رجال أقوياء صعدوا مؤخراً، يمكنهم القيام بعمليات التسليم والتسلم، في حياة عرفات أو في غيابه! مثل محمد دحلان في غزة وجبريل الرجوب في الضفة. غير أن هذا الحديث يشوبه الكثير. لأن الجدل حول الخلافة القيادية هنا لا يرتد فقط ويتعلق بفتح، وإنما بمواقف ورؤى سياسية وتوازنات وخيارات تجاه مصير الشعب الفلسطيني وقضيته.. عرفات مثل نقطة التوازن الحرج حول هذه الأمور بحرفية، جعلته موضع اجماع تقريباً على الصعيد الوطني العام. (رأينا آثار ذلك في أزمة يوليو 2004 التي أيده فيها الإسلاميون إلى جانب القطاع الأوسع من فتح). ولا نحسب أن المتداولة أسماءهم في بورصة التوقعات القيادية بوسعهم تحقيق التوازن البديل.

وهناك ثالثاً البعد المتعلق بأهداف الحركة ووسائلها.. ففتح اليوم ليست تلك الحركة النضالية التي بدأت قبل أكثر من 45 عاماً. لقد طرأت عليها تطورات فارقة على صعيد الأهداف والوسائل، تطورات تمثل خلفية للمنازعات الداخلية بين أجنحة وتيارات تموج بها الحركة في الوقت الراهن، وقد تمتد بآثارها إلى المستقبل. بعض الفتحاويين ينظر إلى هذه التطورات كتحولات تمثل تنازلات عن قسم الحركة الأول وانحرافات عن مواثيقها. فيما يراها آخرون محاولة للتناغم مع المستجدات والمتغيرات المحيطة بمسيرة القضية الوطنية. لكن الجدل المستعر بين هؤلاء وهؤلاء، الذي بلغ تطوراً متقدماً من الخلاف ويكاد يحتكم إلى العنف –كما حدث في أزمة يوليو- أضر بفتح إلى أبعد الحدود ويوشك أن يذهب بريحها. الأمر الذي اضطر مسئولين كبار فيها إلى لفت الأنظار نحو احتمال تقدم قوى فلسطينية أخرى لشغل الحركة في السياسة والقيادة، ما لم تستدرك الحركة أزمتها.

إلى هذه العناصر المحددة لمسار فتح ومصيرها، فإن المسافة التي توسعت بين عناصرها في الخارج وعناصرها وقيادتها في الداخل، مع صعوبة التواصل وتدفق الاتصال قد تفعل فعلتها في تماسك الحركة وقوتها التنظيمية.

لا يمكن الجزم بالحيثية والمحصلة التي ستفضي إليها هذه الأبعاد. لكن حركة فتح على ما حققته من نقلة تاريخية كمية ونوعية في السياسة الفلسطينية، كانت لها إخفاقاتها، على الأقل قياساً بالمبادئ والأهداف التي استهدت بها عند البداية. فهي لم تتمكن من خوض حرب التحرير الشعبية بحذافيرها، ولم تصبح –كما أرادت- طليعة لحرب تحرير عربية شعبية، وتخلت عن كثير من مواثيقها وكذا الميثاق الوطني لمنظمة التحرير، وتحولت عن أهدافها ووسائلها في التحرير، ويتعرض النظام السياسي الذي سهرت عليه لانتقادات بسبب إهمال الإصلاح الديمقراطي مطولاً.

الأخبار
شؤون سياسية
صفحات وملفات خاصة
ساحة الحوار
حوارات حية
بنك الفتاوى
اسألوا أهل الذكر
استشارات دعوية
استشارات الزكاة
حدث في العام الهجري

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع