الصفحة الرئيسية

 
الأحداث في صور
 ابحث | بحث متقدم 

قضية فلسطين

المقاومة الفلسطينية | الفصائل الفلسطينية | عمليات التسوية | فلسطين والمجتمع الدولي | فلاشات


مستقبل الحركة الإسلامية في فلسطين

ياسر الزعاترة *

في قراءة للحركة الإسلامية في فلسطين يمكن القول إنها التجلي للظاهرة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي بشكل عام، أو الشق الحركي منها، أو ما بات يسميه البعض "الإسلام السياسي"، يمكن القول إن الفارق الأساسي القائم هو معادلة الاحتلال.

ولو لم يكن ثمة احتلال وكانت فلسطين دولة مستقلة كتلك التي أفرزتها لعبة "سايكس بيكو" لما اختلفت حال الحركة الإسلامية الفلسطينية عن مثيلاتها في الدول العربية المحيطة، ولأخذت بالضرورة لوناً من الألوان المتاحة في العلاقة بين الإسلاميين والسلطة، تلك التي غالباً ما تلقي بظلالها على المعادلة برمتها، إضافة بالطبع إلى شكل استجابة الحركة لإملاءات تلك السلطة، الأمر الذي يعتمد بدوره على حيويتها التنظيمية وإمكانات قيادتها العليا وقدرتها على مواجهة الظروف الموضوعية والتحديات بحكمة ودراية.

منظومة الحركة الإسلامية في فلسطين

يمكن القول إن الحركة الإسلامية الفلسطينية بشقيها (حماس والجهاد) قد جاءت جزءًا من تجليات المنظومة الإخوانية للصحوة الإسلامية، فقد خرجت حماس بكل مباشر من رحم الإخوان الذين انتقلت أفكارهم إلى الساحة الفلسطينية عبر الأردن بالنسبة للضفة الغربية وعبر مصر بالنسبة لقطاع غزة مع بقاء المصدر المصري ثابتاً في الحالين. أما الجهاد فقد خرجت من ذات التجربة قبل أن تخرج عليها بإصرار الشهيد فتحي الشقاقي على إطلاق العمل المسلح قبل الشيخ أحمد ياسين وجماعته.

ينطبق واقع الحركة الإسلامية الفلسطينية في صعودها وهبوطها إلى حد كبير على تحولاتها المشابهة في الساحات الأخرى المصرية والأردنية والعربية عموما مع فوارق بسيطة من حيث المنحنى العام. وإذا صح أن فترة الستينيات والسبعينيات كانت فترة ركود في المد الإسلامي فإن الأمر يبدو كذلك في الساحة الفلسطينية أيضا وصولاً إلى نهاية السبعينيات التي شهدت صعوداً له في معظم الساحات ومن ضمنها الساحة الفلسطينية. وبالطبع بتأثيرات شتى لا تنحصر في هزيمة 67، بل تتجاوزها إلى الثورة الإسلامية في إيران والحرب الباردة التي مثلت هجوماً على الشيوعية التي كانت تحدياً رئيسيًّا أمام الصحوة الإسلامية، ويدخل في هذا الباب ذلك اللقاء الذي برز بين منظومة تريد مطاردة اليسار والفكر القومي وبين الإسلاميين بوصفهم الأقدر على فعل ذلك.

ما يؤكد ذلك كله في المعادلة الفلسطينية هو أن صعود الحركة الإسلامية في الساحة الشعبية لم يرتبط كثيرا بجهدها في المقاومة المسلحة التي يمكن القول إنها كانت محدودة في الداخل الفلسطيني عموماً بوجود المنظمة وعساكرها وقيادتها في الخارج. فقد تقدم الإسلاميون الفلسطينيون وحققوا شعبية نافست حركة فتح خلال النصف الثاني من السبعينيات وصولا إلى انطلاقة حماس نهاية عام 87 تزامنا مع انطلاقة الانتفاضة الأولى، وذلك على رغم تهم العمالة التي كانت تلاحقهم، والتي كانت تأخذ مادتها من إحجامهم عن الدخول في ساحة الفعل المسلح، وإن كان ثمة محاولة لم يكتب لها النجاح في العام 83 عندما كشف التنظيم المسلح الذي أنشأه الشيخ الشهيد أحمد ياسين، إضافة إلى مساهمة سرايا الجهاد المشكّلة من بعض الإسلاميين، والتي ورثت تجربتها حركة الجهاد.

ما نريد قوله من خلال هذه اللمحة التاريخية هو أن المعادلة الإسلامية أو الوجود الحركي الإسلامي لم يرتبط بالبعد الجهادي أو العمل المسلح، وأن منح هذا البعد مدداً كبيراً لذلك الوجود جعله أكثر تجذراً في الوعي الفلسطيني، وربما أكثر تأثيراً وفائدة للحركة الإسلامية -الشق الإخواني منها على وجه التحديد- بسبب عقدة المساهمة في القضية الأكثر أهمية بالنسبة للعرب والمسلمين.

الآن وبعد هذه الرحلة الطويلة من الجهاد والعطاء لحركة حماس وإلى جانبها الجهاد الإسلامي، يمكن القول إن الحركة الإسلامية الفلسطينية بشقيها المذكورين قد غدت الجزء الأهم من المعادلة السياسية الفلسطينية؛ نظراً للجذور الفكرية والاجتماعية التي تعتمد عليها، واستنادها أيضا إلى صحوة إسلامية واسعة تجتاح العالم العربي والإسلامي، فضلاً عن كونها الأهم في تحولات تلك الصحوة بل مصدر فخر لها.

عبر آلاف من الشهداء والأسرى وقائمة طويلة ومميزة من التضحيات على مستوى الأفراد والقادة (استشهد المؤسسان: فتحي الشقاقي والشيخ أحمد ياسين) يمكن القول إن الحركة الإسلامية الفلسطينية قد غدت رقماً صعباً لا يمكن لأحد أن يتجاوزه بحال من الأحوال، بصرف النظر عن شكل التجاوز وتوقيته.

إضافة لذلك كله فقد شكلت الحركة الإسلامية الفلسطينية تجربة مميزة في عقلانيتها ووضوح بوصلتها في ساحة تعج بالتناقضات وتتداخل فيها الأبعاد العربية بالإقليمية بالدولية، ما يعني أننا إزاء حركة قادرة على التعاطي مع مختلف التحولات بصرف النظر عن صعوبتها. وقد تأكد ذلك خلال مسيرة أوسلو منذ العام 1993 وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى نهاية أيلول عام 2000، وهي التي شهدت هجوماً من طرف السلطة على الحركة بشقيها، لم يدفعها بالمقابل إلى حرف بوصلة بندقيتها التي ظلت مصوّبة نحو الاحتلال مع إدارة واعية للصراع تأخذ في الاعتبار المعادلات المحلية والعربية وحتى الدولية. كما تأكد من خلال حصرها الصراع في الساحة الداخلية بعيداً عن أية مغامرات خارجية رغم تدخل الخارج لصالح العدو على نحو سافر في كثير من الأحيان.

في الواقع الراهن، وفي ظل استمرار معادلة المقاومة التي لا تلغي مسيرة التفاوض، أو لعله التفاوض الذي لا يتحرّك ضد مسار المقاومة على نحو سافر.. في هذا الواقع يمكن القول إن الحركة الإسلامية الفلسطينية ستبقى رقماً صعباً، بل ربما الأصعب في المعادلة لولا أن الظرف العربي والدولي لا يقف إلى جانبها، ونعني ما يتصل بالمنظومة الرسمية وليس الشعبية. لكنها في كل الأحوال ستبقى قوية وراسخة الجذور في التربة الفلسطينية بفعل تضحياتها، وبفعل دقة بوصلتها وروعة خطابها، الأمر الذي يمنحها مدداً ماديًّا ومعنويًّا وبشريًّا، وإذا أضفنا إليه ذلك المدد الذي تمنحه إياها الصحوة الإسلامية في العالم العربي والإسلامي من مدد مادي ومعنوي، فإن وضعها العام سيبقى جيداً إلى حد كبير. أما مخاوف إضعافها من خلال استهداف بنيتها التحتية أو قياداتها كما تردد بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين فهي مخاوف لا تبدو ذات قيمة؛ لأن التجربة التاريخية قد أثبتت عكس ذلك، أكان بسبب ثراء التجربة، أم بسبب الأبعاد الخاصة لتطورات من هذا النوع في وعي الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي.

رؤية الإسلاميين في التعاطي مع عملية التسوية

تبقى أسئلة المستقبل في حال حدوث تطور ما على صعيد التسوية يجعل استمرار المقاومة أمراً صعباً. وهنا يمكن التذكير بأن مثل هذا التطور قد حصل كما سبق وأشرنا خلال سنوات 93 وربما 94، على نحو أكثر دقة، وصولاً إلى عام 2000 عندما اندلعت انتفاضة الأقصى وعادت المقاومة لتشكل عنصر إجماع في الداخل الفلسطيني. ففي تلك المرحلة لم تخسر الحركة شيئاً من شعبيتها، بل إن صبرها على أذى السلطة قد منحها المزيد من المصداقية والشعبية بدليل عدد من الجولات الانتخابية في الجامعات والنقابات في تلك المرحلة، حيث تفوقت الكتلة الإسلامية (حماس والجهاد) على كتلة حركة فتح التي مثّلت حزب السلطة.

هنا يمكن القول إن الحركة الإسلامية تراهن على صعوبة وربما استحالة التوصل إلى تسوية قابلة للحياة في الصراع العربي الإسرائيلي، ما يجعلها أكثر هدوءاً في التعاطي مع أية محطات عابرة توحي بأن الصراع قد غدا يرسم الحل النهائي؛ لأن الحل الذي يريده الإسرائيليون لا يمكن أن يمر إلا بإخضاع الفلسطينيين ومعهم الدول العربية، الأمر الذي يبدو صعباً وربما مستحيلاً في ظل المعطيات الراهنة. وإذا حصل أن نجحت المراهنات الإسرائيلية الأمريكية وخضع الوضع العربي لاستحقاقات ما بعد سقوط بغداد، وهو ما لا يبدو متوقعاً بعد اندلاع المقاومة العراقية الباسلة التي استلهمت تجربة المقاومة الإسلامية الفلسطينية، فإن التسوية التالية ستكون معاهدة تحت تهديد السيف، مما يجعلها غير قابلة للحياة في أمة مدججة بالإرادة والحياة كما تقول تجاربها في مواجهة الغزاة والأعداء.

إذا حدث شيء من ذلك أو تم التوصل إلى تسوية ما أياً كانت فإن الإسلاميين الفلسطينيين سيكونون قادرين على التعامل معها بوعي، ودون الوقوع في فخ الصدام مع الآخرين من أبناء شعبهم، حتى لو كانت لهم تحفظاتهم الجوهرية على ما جرى.

يبقى الأفق الآخر المتعلق بالتحرير الحقيقي، الكلي منه أو الجزئي. وهنا يمكن القول إن وضع الحركة الإسلامية الفلسطينية لن يختلف كثيراً عن مثيلاتها في الأقطار الأخرى، سوى فيما تضيفه شرعية الجهاد والعطاء في رسم معالم علاقة أكثر إيجابية وأقل إقصائية من السائد في العالم العربي، فيما يتوقع أن تبقى السلطة بيد حركة فتح حتى لو تفوقت عليها الحركة الإسلامية شعبيًّا بلغة الأرقام. والسبب هو المعادلة الخارجية عربيًّا ودوليًّا، والتي تدعم بقاء الحال على ما هو عليه في التعاطي مع مسألة الديمقراطية والمشاركة الشعبية ومسألة الإسلاميين والسلطة بشكل عام. وهي ولا شك معادلة لن تكون مؤبدة كما هو حال المعادلة الدولية الشاذة التي يعيشها العالم في ظل التفوق الأمريكي السافر، وذلك لسبب بسيط هو مخالفتها للتجربة التاريخية ولواحدة من سنن الله في الكون، ألا وهي سنة التدافع.. "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين".


* كاتب وباحث أردني

الأخبار
شؤون سياسية
صفحات وملفات خاصة
ساحة الحوار
حوارات حية
بنك الفتاوى
اسألوا أهل الذكر
استشارات دعوية
استشارات الزكاة
حدث في العام الهجري

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع