30 يوليو.. يوما للقدس
*
د. أحمد يوسف القرعي
عيوننا إليها ترحل كل يوم، رغم
الجدار العنصري العالي الذي عزلها،
ورغم المستعمرات التي أحاطت بها وسلختها
من الرحم الفلسطينية الأم. عيوننا لن
تغفل عنها وذاكرتنا لن تفقد اسمها
وتاريخها وحضارتها وقدسيتها، وهممنا
لن تفتر لاستردادها، كما استردتها
أجيال الأمة العربية والإسلامية مرات
عديدة من أيدي جحافل الغزاة والمحتلين
عبر العصور القديمة والوسيطة؛
فالاحتلال الإسرائيلي للقدس هو الاحتلال
الحادي والأربعون ومصيره مصير كل صنوف
الاحتلال السابقة ويشهد التاريخ أن
المدينة كانت تعود إلى أصولها العربية
ووضعها الطبيعي بعد طرد ورحيل كل
المحتلين. وهذا هو الدرس التاريخي
الذي يجب أن يتعلمه ويدركه شارون.
عيوننا إليها ترحل كل يوم وتنشط
ذاكرتنا لترصد أياما صعبة وعصيبة مرت على
المدينة تعرضت فيها لعمليات الاحتلال
وتكريسه أو مخطط التهويد وادعاءاته
ومزاعمه، وفي هذا السياق تأتي ذكرى
صدور أول قانون للكنيست الإسرائيلي في
30 يوليو 1980 الذي يعتبر القدس
الغربية والشرقية عاصمة موحدة وأبدية
لإسرائيل.
وكان هذا القانون الصادر في
30 يوليو 1980 هو بداية مسلسل قوانين
وقرارات للكنيست الإسرائيلي لا تزال
تصدر حتى الآن وتشكل ملفا متضخما وتتمحور
حول تهويد المدينة المقدسة. والقانون
الأساسي للقدس لعام 1980 تقدمت به آنذاك
النائبة (جيئولا كوهين) التي كانت عضواً
في المنظمة الإرهابية ليجي وعصابة شتيرن
قبل قيام "إسرائيل"، كما كانت
عضواً في حركة أرض "إسرائيل"
الكاملة التي تشكلت عقب حرب يونيو 1967
وركزت نشاطها منذ ذلك الوقت على المطالبة
بفرض القانون الإسرائيلي على كافة
المناطق التي احتلتها "إسرائيل"
آنذاك وضمها إلى "إسرائيل" نهائيا
وأسست كوهين بعد انسحابها من الليكود
حزبا يمينيا متطرفا مع عدد من زملائها
السابقين أطلقوا عليه اسم البعث (هتحياه).
وكان الهدف من مشروع قانون
القدس كما قدمته ج.كوهين إحراج
الحكومة الإسرائيلية القائمة والحكومات
التالية وتكبيل أيديها بمنعها من التقدم
باقتراحات أو التوصل إلى اتفاقات ضمن أية
تسوية محتملة يمكن أن تمس وضع القدس
والسيادة الإسرائيلية عليها كما حدث
بالنسبة إلى سيناء مثلا دون العودة إلى
الكنيست والحصول على موافقته المسبقة.
ونجحت كوهين ومؤيدوها في
مساعيهم تلك عندما حملوا الكنيست على
إقرار القانون بأكثرية 69 صوتا من أصل
120 ومعارضة 15 وامتناع 3 عن التصويت
وتغيب الباقين أو انسحابهم قبل التصويت
تلافيا للإحراج والاضطرار للتصويت إلى
جانب القانون، وكان من بين هؤلاء رابين
وبيريز أبرز زعماء حزب العمل المعارض
آنذاك.
ولقد تعرض هذا القانون وقت
صدوره لانتقادات شديدة داخل "إسرائيل"
بوصفه تشريعا استعراضيا إعلاميا
لإجراءات ضم القدس التي اتخذت قبل ذلك
بثلاث عشرة سنة (أي فيما بين 1967 ـ1980)
وأن مثل هذا القانون قابل للتعديل أو
الشطب.
ومع إجادة المفاوض الفلسطيني في
استخدام ورقة القدس فور بدء مفاوضات
أوسلو أحس الإسرائيليون بضرورة رتق
القانون الأساسي للقدس بعدد من القوانين
المكملة التي تحول دون الاختراق
الفلسطيني لقانون 1980، ومن هنا صدرت
تباعا ثلاثة قوانين في أكتوبر 1993، مايو
وديسمبر 1994، يعني هذا أن أول قانون منها
صدر بعد أربعة أسابيع فقط من موافقة
الكنيست على اتفاق أوسلو في 23 سبتمبر
93 حيث سارع الكنيست في الشهر التالي
(21 أكتوبر 1993) بإقرار قانون يلزم
الحكومة بالحصول على تأييد 80 عضوا من
أصل 120 عضوا هم عدد أعضاء الكنيست
لإجراء أي تعديل على حدود مدينة القدس أو
مكانها ومع احتدام المواجهة في
المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية لم
يجد الكنيست مفرا في 10 مايو 1994 من
إقرار قانون آخر يزعم فيه بأن مدينة
القدس ستبقى موحدة إلى الأبد تحت سيادة
"إسرائيل". وما هي إلا شهور قليلة
حتى أصدر الكنيست في ديسمبر 1994
القانون الثالث بحظر نشاط منظمة التحرير
الفلسطينية في القدس الشرقية.
والقانون يعني أساسا بـ بيت الشرق الذي
يعد وزارة الخارجية الفلسطينية.
وما هي إلا سنوات قليلة وعاد
الكنيست مرة أخرى في 26 يناير 1999
ليستكمل مسلسل قوانين وقرارات القدس
ليعرقل أي إجراء لإعادة المدينة المقدسة
إلى الفلسطينيين. واشترط القرار
موافقة 61 نائبا من أصل 120 (أعضاء
الكنيست) لإعادة أراض تحت السيطرة
الإسرائيلية مثل القدس الشرقية والجولان
على أن يعرض الأمر بعد ذلك على استفتاء
شعبي بهدف تكريس صعوبة إعادة مثل تلك
الأراضي إلى الفلسطينيين أو السوريين.
ومع تأزم المفاوضات الفلسطينية
الإسرائيلية مع مفاوضات كامب ديفيد -2
عام 2000 صوت الكنيست في27 نوفمبر
2000 بالموافقة وبشكل نهائي على مشروع
قانون تقدمت به المعارضة اليمينية بشأن
القدس المحتلة وينص على ضرورة وجود
أغلبية مطلقة في الكنيست لإجراء أي تعديل
للحدود البلدية الحالية لمدينة القدس.
ومنذ عام مضى استكمل الكنيست الإسرائيلي
مسلسل قوانين وقرارات تهويد المدينة
المقدسة بمصادقته في 15 يوليو 2003 على
مشروع قرار قدمته كتلة الليكود يقضي بأن
أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة ليست
محتلة من الناحية التاريخية ولا حسب
القانون الدولي ولا وفقا للاتفاقيات
التي وقعت عليها "إسرائيل" والقرار
يعني أساسا الإصرار في كل المفاوضات
المستقبلية على التمسك بالخطوط الحمراء
وفي مقدمتها السيادة المطلقة على القدس
كلها.
وأخيرا تخطئ حكومة "إسرائيل"
أيا كان رئيس وزرائها وأيا كانت نوعية
أحزابها وقواها السياسية لو اعتقدت أن
الفلسطينيين سوف ينخدعون بأي قانون أو
قرار للكنيست صدر أو سوف يصدر بشأن تهويد
القدس؛ فالقوانين والقرارات اللاشرعية
مجرد قصاصات من الورق لا قيمة لها إيمانا
بأن قضية القدس قضية محورية لن يقرر
مصيرها كنيست أية حكومة إسرائيلية.
نقلا عن صحيفة الأهرام 29/7/2004
|