بريطانيا
وفلسطين انتداب أم استلاب ؟
فاطمة
حافظ *
لكل من الأيديولوجية ورأس
المال أهميتهما بالنسبة لأي حركة سياسية
، ولكن هل هما كافيتين لترجمة الغايات
إلى واقع ملموس والتغطية على جوانب
القصور الذاتي للحركة ، أجاب الصهاينة
بالنفي على هذا التساؤل مبكرًا فقد ارتأت
الحركة الصهيونية أن توافر مناخ دولي
يسمح بتشكيل غطاء من التحالفات الدولية ،
والتزام دولة كبرى تمتلك الوسائل
الشرعية اللازمة ، هي ضرورات لا غنى عنها
لوضع مخططاتها موضع التنفيذ.
العلاقة
العضوية بين الإمبريالية والصهيونية
بنشوب الحرب العالمية الأولى
تهيأ المناخ الدولي الملائم لتنفيذ
المخططات الصهيونية بإنشاء وطن قومي ،
وغدت بريطانيا الدولة القادرة على حمل
هذا الالتزام لعدة أسباب منها أنها كانت
الدولة الأوروبية الأوفر نشاطاً على
الصعيد الإمبريالي وأظهرت اهتماماً
بالمنطقة العربية منذ وقت مبكر ، وهو ما
أهلها لأن تحتضن مقر الحركة الصهيونية
منذ عام 1905 وقبلها بأعوام شهدت تأسيس بعض
الشركات الصهيونية الأولى الرامية
لإيجاد موطئ للقدم الصهيونية في فلسطين ،
من هنا يتضح أن نشوء الفكرة الصهيونية
ترافق مع بروز الظاهرة الاستعمارية
الغربية واعتنقت نفس أهدافها القائمة
على التوسع على حساب الغير، وهو ما حمل
الكثيرين على الاعتقاد بأن الصهيونية ما
هي إلا أحد تجليات هذه الظاهرة. وفي
محاولاتهم المستميتة لكسب التأييد
البريطاني للدولة اليهودية المقترحة
غازل الصهاينة الأماني الإمبريالية
البريطانية فشددوا على الرابطة العضوية
بين الأهداف الصهيونية والمصالح
البريطانية ؛ وتذرعوا بأن استيطان عنصر
موال في فلسطين يمكن أن يشكل درعاً يوفر
الحماية لقناة السويس ويؤمن لبريطانيا
طرق مواصلاتها الإمبراطورية في الهند
والشرق الأدنى ، في مقابل هذه الخدمات
الجليلة المقترحة قصر الصهاينة مطالبهم
في أن تقبل بريطانيا الانتداب على فلسطين
وتسهل إنشاء وطن قومي لليهود وشددوا على
ضرورة أن "يضمنه القانون العام" أي
يحظى بالشرعية والاعتراف الدولي.
تصريح بلفور "نوفمبر 1917"
كان هو الوثاق الذي ربط مصالح الحركة
الصهيونية وبريطانيا بصورة رسمية حيث
كان تمثل بريطانيا في ذلك الحين اعتي قوي
استعمارية في العالم ( إمبريالية ) ، ومن
يقارن بين الالتزام البريطاني بتصريح
بلفور والالتزام بالتعهدات الدولية
الأخرى يلحظ أنه بينما تمسك البريطانيون
بتنفيذ كامل اتفاقهم مع الصهاينة بحرفية
وإخلاص فإنهم تنصلوا من تنفيذ بعض بنود
" سايكس بيكو" مع فرنسا وبخاصة
المتعلقة بوضع فلسطين تحت إدارة
أنجلوفرنسية مشتركة. أما بالنسبة
لتعهداتهم للشريك العربي ممثلا في
الشريف حسين بإنشاء الدولة العربية
الكبرى فإنها لم توضع قط موضع التفكير
الجدي. وما نستنتجه أن نجاح الصهاينة في
إقناع الإدارة البريطانية بتطابق
مصالحها مع الأهداف الصهيونية هو ما
حملها على تنفيذ التزامها في تصريح
بلفور، وليس صحيحاً ما يشاع عن أن عطف
بريطانيا على أماني الحركة الصهيونية
وعدائها للعرب أحد ثوابت السياسة
البريطانية ؛ فالثابت الوحيد في السياسة
البريطانية كان تحقيق المصالح
الإمبراطورية الاستعمارية .
الوديعة
المقدسة في ذمة شرعية الغاب
الانتداب نظام ابتدعته عصبة
الأمم ونجحت من خلاله في إسباغ الصفة
الشرعية على مصالح الدول الاستعمارية
الظافرة في الحرب وتغليفها بغلاف إنساني
؛ فغاية العصبة من إقرار نظام الانتداب
أن الأقطار التي كانت خاضعة للدول التي
خسرت الحرب لن تقوى على حكم نفسها ومن
الأفضل أن يعهد بإدارتها مؤقتاً إلى دولة
متقدمة تساعدها على بلوغ الاستقلال
واعتبر ميثاق العصبة " بأن صالح مثل
هذه الشعوب وتطورها يمثلان أمانة مقدسة
في ذمة المدنية "
ويؤخذ على الميثاق إطلاقه يد
الدولة المنتدبة ومنحها سلطات مطلقة في
التشريع والإدارة ، وأنه لم يوفر أي آلية
أو جهاز رقابي لتقييم أدائها وتوفير
الحماية القانونية " للأمانة المقدسة
" وهو ما يدفعنا للتساؤل عن الفوارق
الجوهرية بين الانتداب والأنظمة
الاستعمارية التي ألفتها الدول المنتدبة
في مستعمراتها ؟؟ والحقيقة أنه لا اختلاف
بين جوهر النظامين فكلاهما قائم على فرض
حكم دخيل على شعب ما دون إرادته. أما
الفروقات فلا تتعدى كون الانتداب نظام
مؤقت يتمتع بواجهة من" الشرعية
الدولية" التي هي في نظر العصبة شرعية
القوة والتغلب لا شرعية الحق.
وإذا
أمعنا النظر في صك الانتداب على فلسطين
الصادر في 1922 لوجدنا أن بريطانيا بذلت
جهوداً مضنية في صياغته لتلائم إنشاء
الوطن القومي لذلك أتى الصك مهوداً بشكل
كبير بالإضافة إلى كونه أداة تهويد ؛ فقد
أقرت مقدمته بتصريح بلفور بل وتضمنت
فقرات منه حين أشارت " للصلات
التاريخية التي تربط الشعب اليهودي
بفلسطين " وهي عبارة تنطوي على مغالطة
تاريخية كبرى إذ أنها لا تعد اليهود
أجانب وطارئين على فلسطين وعبارة "الشعب
اليهودي " مغالطة أخرى فالجماعات
اليهودية المتناثرة لم تتوفر لها قط
مقومات الشعب المستقل . وبينما تم
الاعتراف بأن اليهود يشكلون شعباً فقد
أشارت المقدمة إلى العرب بحسبانهم مجرد
طائفة تذكر ضمن "الطوائف غير اليهودية"
من قاطني فلسطين !!!
أما
مواد الصك فقد شرعت لأسس التهويد إذ حددت
المادة الثانية مسئولية الدولة المنتدبة
في وضع البلاد في أحوال سياسية واقتصادية
واجتماعية تضمن إنشاء الوطن القومي
اليهودي ، وتعترف المادة الرابعة بوكالة
يهودية تتعاون مع إدارة فلسطين "
البريطانية" وتعملان سويا لتحقيق
الوطن القومي بينما افتقر السكان
الأصليين إلى نظام يمثلهم أمام بريطانيا
، أما المادة السادسة فقد فتحت الباب
أمام المهاجرين اليهود ، كما تم إقرار
اللغة العبرية لغة رسمية والأعياد
اليهودية أعياداً رسمية.
المبالغة البريطانية في
التوكيد على الحقوق اليهودية أتت على
حساب الحقوق والمطالب الأساسية
الفلسطينية الذين هم أصحاب الحق في
فلسطين إذ شكل صك الانتداب حجر عثرة أمام
الأخذ بيد البلاد نحو الحكم الذاتي ،
المسوغ الأساسي للانتداب كما جرى
الادعاء ، وقد عبر تشرشل وزير المستعمرات
البريطاني في عبارة لا تعوزها الصراحة عن
التقليد الليبرالي البريطاني في مواجهة
المطالب الوطنية الفلسطينية بالأخذ بيد
البلاد نحو الاستقلال قائلاً " سوف
نقوم بتطوير المؤسسات التمثيلية خطوة
خطوة لكي تؤدي إلى الحكم الذاتي لكن
أحفادنا قد يموتون قبل أن يتم ذلك " !!!
سرقة
الوديعة مسئولية لن يغفرها التاريخ
منذ قبولها الانتداب على
فلسطين تحيزت إدارة الانتداب البريطانية
لسياسة دعم الوطن القومي لليهود وكان
اختيار هر برت صمويل "1920-1925" -اليهودي
الديانة والصهيوني الهوى- كأول مندوب
سامي خطوة في هذا السبيل ، وقد ترك تعيينه
أسوأ الأثر لدى العرب الذين استحثوا
بريطانيا الرجوع عن هذا الاختيار لكن
الإدارة البريطانية تمسكت باختيارها
وعددت في برقية لها مآثر صمويل والتي
تجعل منه مناسباً للمهمة الملقاة على
عاتقه ووعدت بأن "يمسك طرفي الميزان
بعدل "وكانت أولى مهام صمويل إعادة
تعيين حدود فلسطين الدولية بحيث تحقق
المطامع الصهيونية فأدخلت منطقة الجليل
الأعلى والمنابع العليا لنهر الأردن
وبحيرة الحولة وطبريا ضمن الحدود
الفلسطينية لتوفير المياه والطاقة
للمستوطنين والمشروعات الصهيونية.
سارت سياسة الدعم البريطاني
بشكل منهجي على ثلاثة محاور رئيسية هي:
1. انتزاع الأراضي
العربية .
2. دعم الهجرة
اليهودية .
3. تشجيع المشروعات
الاقتصادية اليهودية .
أ- المحطة
الأولى في الدعم البريطاني تمحورت حول
الأراضي إذ فتحت التشريعات والسياسات
البريطانية الباب على مصراعيه أمام تملك
اليهود لقطاعات كبيرة في فلسطين وحسب نص
الانتداب فإن على بريطانيا حشد اليهود في
الأراضي الأميرية التي قدرت آنذاك بنحو
45% من مساحة فلسطين . أما دستور فلسطين
الذي أصدرته الإدارة البريطانية فقد ذهب
إلى أبعد من ذلك إذ وضع ثروات فلسطين
الطبيعية من المناجم والمعادن والأنهار
تحت التصرف المطلق للمندوب السامي
البريطاني ، وخوله الحق في أن يهب أو يؤجر
أي من الأراضي العمومية لمن يشاء ،
وتحقيقاً للإنصاف البريطاني فإن الدستور
اشترط أن يتم ذلك وفق صك الانتداب !!! ، ومن
البديهي أن تكون الهبات كلها لصالح
الصهيونية ؛ فالسياسة البريطانية آنذاك
كانت قائمة على انتزاع الأراضي من
أصحابها بيد ومنحها للصهاينة باليد
الأخرى ومنذ منتصف العشرينات عمدت
الإدارة إلى سن التشريعات الخاصة
بانتزاع الأراضي من يد ملاكها العرب
واستولت خلالها بريطانيا على مساحات
شاسعة من الأراضي تحت ذرائع متهافتة منها
توسيع الطرق المؤدية إلى المستعمرات ،
وحاجة المشروعات الصهيونية الكبرى
للأراضي من أجل استكمال منشأتها ، وعلى
سبيل المثال انتزع مشروع روتنبرج لتوليد
الكهرباء مساحة 18 ألف دونم من أخصب
الأراضي المملوكة للعرب تحت ذريعة توسيع
منشآته.
ب- السخاء البريطاني في
انتزاع الأراضي من يد ملاكها ومنحها
للصهاينة أغرى كثير من المهاجرين
بالتوجه لفلسطين ، وشجعت الإدارة
البريطانية الهجرة الصهيونية بفتحها
المجال واسعاً أمام المهاجرين تحت دعوى
أن صك الانتداب ينص على تشجيع الهجرة
اليهودية ومدعية بأن العناصر الصهيونية
عناصر ذات كفاءات فنية وتقنية عالية
وبإمكانهم المساهمة في ترقية البلاد
ووضعها على مضمار التقدم. وغضت السلطات
البريطانية الطرف في أحيان كثيرة عن
الهجرة غير الشرعية وسمحت بتجاوز
الأعداد المقررة وبخاصة في الأوقات التي
شهدت صعود النازية في ألمانيا. وبينما
كان عدد اليهود مع بدء الانتداب 50 ألف
نسمة يشكلون أقل من 7% من السكان غادرت
بريطانيا البلاد عام 1948 بعد أن بلغ عدد
اليهود 650 ألف نسمة يشكلون 31% من عدد
السكان.
ج- واستكمالا لسياستها الخاصة
بتهويد فلسطين خصت سلطات الانتداب
الشركات الصهيونية بامتيازات المشروعات
الاقتصادية الكبرى في فلسطين لتتحول
فيما بعد إلى نواة القطاع الاقتصادي
والصناعي مع إنشاء الدولة وأهم هذه
المشروعات مشروع روتنبرج للكهرباء،
ومشروع استغلال البحر الميت، ومشروع
أراضي الحولة. والملاحظ أن الرأسمالية
الصهيونية تخيرت أخصب الأراضي والمواقع
الإستراتيجية الفلسطينية كالجليل
والحولة لتشيد عليها مشروعاتها
الاقتصادية، وبموجب عقود امتياز هذه
المشروعات سمحت سلطات الانتداب للصهاينة
وحدهم باحتكار الثروة المعدنية ومياه
الأنهار العربية والكهرباء المتولدة
منها لمدد وصلت في بعض الأحيان إلى سبعين
عاما ً، وبهذه الصفة الاحتكارية تمكن
الصهاينة في نهاية المطاف من وضع أيديهم
على الموارد الطبيعية للبلاد. وقد خدمت
هذه المشروعات الاقتصادية المشروع
الصهيوني من عدة جهات فمن ناحية ساهمت في
بناء المزيد من المستعمرات على الأراضي
التي تم انتزاعها من العرب، وفتحت آفاق
العمل لآلاف المهاجرين الجدد إذ أن دستور
الوكالة لا يجيز لغير اليهود العمل في
هذه المشروعات ، كما أدى الإعفاء
الضرائبي للمواد والبضائع التي تستوردها
هذه الشركات إلى دعم وتوسيع الصناعة
الصهيونية وتعاظم الإنتاج الصهيوني في
مقابل تقهقر الصناعة العربية أمام
التحدي التقني الذي فرض عليها.
الصهيونية
ربيبة الاستعمار
ولد الدعم البريطاني
اللامحدود للحركة الصهيونية يقيناً لدى
الفلسطينيين بأن الانتداب والصهيونية
هما وجهان لعملة واحدة ، وأن توجههم
بالمقاومة نحو الصهيونية لن يجدي نفعاً
طالما ظل الانتداب يشد من أزرها ، لذا
أدخل الفلسطينيون تغييراً في استراتيجية
الكفاح الفلسطيني الذي اتجه منذ
الثلاثينات نحو مقاومة الانتداب
والصهيونية معاً.
ومثلما شهد الداخل الفلسطيني
تبدل في الإستراتيجية الكفاحية، تميز
العقد الأخير من الانتداب بحدوث تبدلات
جوهرية على صعيد السياسة الدولية بنشوب
الحرب العالمية الثانية، وكان الصهاينة
ظفروا-بتأييد بريطاني- بإنشاء فيلق يهودي
مستقل حارب تحت راية الحلفاء كان نواة
جيش الدفاع الإسرائيلي فيما بعد. ولكن
الصهاينة لم يحفظوا الجميل لبريطانيا
هذه المرة كما حفظوه في الحرب العالمية
الأولى، فولوا وجههم بعد الحرب مباشرة
شطر الولايات المتحدة وريثة القوى
الاستعمارية القديمة مستهدفين إلغاء
الانتداب وإعلان الدولة؛ فمارسوا
الإرهاب والعنف ضد الأهداف البريطانية
وهو ما اضطر بريطانيا المنهكة بفعل الحرب
إلى رفع الأمر لمجلس الأمن الذي أقر قرار
التقسيم 1947وفتح الباب أمام إقامة الدولة
الإسرائيلية. وبذا تكون بريطانيا قد أدت
دورها كاملاً في تسهيل إنشاء الوطن
القومي اليهودي ووفت بتعهداتها في تصريح
بلفور على أكمل وجه.
* باحثة مصرية
|