الصفحة الرئيسية

 
الأحداث في صور
 ابحث | بحث متقدم 

قضية فلسطين

المقاومة الفلسطينية | الفصائل الفلسطينية | عمليات التسوية | فلسطين والمجتمع الدولي | فلاشات


انتفاضة الأقصى.. أطروحة نقدية وسيناريوهات محتملة 

ماجد كيالي **

الانتفاضة إلى أين؟

 تدخل الانتفاضة الفلسطينية عامها الخامس ، ومشهد الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مازال على حال ساخنة من الاحتدام ، بسبب إصرار إسرائيل على فرض واقع الاستيطان والاحتلال على الشعب الفلسطيني ، وبسبب إصرار الفلسطينيين على رفض الاملاءات الإسرائيلية ، ونيل حقوقهم الوطنية المتمثلة في هذه المرحلة بهدف دحر الاحتلال وإقامة دولتهم المستقلة في الضفة والقطاع.

ويمكن أن نعالج الموضوع من خلال المحاور التالية :

الانتفاضة وانعدام القدرة علي الحسم

وهكذا فإنه وبعد أربعة أعوام من المواجهات الدامية ، بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، يمكن القول بأن أي من الطرفين لم يستطع حسم المعركة لصالحه. كما يمكن الاستنتاج ، أيضا ، بأنه ليس ثمة في الأفق ما يشير إلى أي إمكانية في هذا الاتجاه. بل إن مجمل المعطيات تؤكد بأن الفلسطينيين والإسرائيليين باتوا بعيدين ، وأكثر من أي وقت مضى ، عن إمكانية التوافق ، لوحدهما ، على العيش المشترك أو التسوية ؛ وهو ما بات يتطلب تدخلا دوليا وإقليميا ، لفرض ذلك عليهما.

واللافت في هذا السياق أن كل طرف من الطرفين المتصارعين (الفلسطينيين والإسرائيليين) مازال يتمسك بمطالبه إزاء الطرف الأخر، من دون إيجاد أية مقاربة وسطية (وهذا ينطبق بشكل خاص على الطرف الإسرائيلي) ، على رغم ما يتكبده هذان الطرفان من خسائر بشرية باهظة ، مضافا إليها تدهور الأحوال الأمنية والاقتصادية واضطراب الحياة الاجتماعية والسياسية ، مع الأخذ بالاعتبار التفوق الإسرائيلي على الفلسطينيين في المجالين العسكري والاقتصادي وفي مجال السيطرة الإقليمية.

 ملامح الرؤية الفلسطينية والإسرائيلية للانتفاضة

ويعتقد الفلسطينيون ، وهم يدشنون العام الخامس لانتفاضتهم ، بأنهم صمدوا أمام كل الممارسات الإسرائيلية ، وأنهم لم يهزموا ، برغم الخلل الفادح في موازين القوى ، بدليل المعطيات التالية:

 أولا :  قدرتهم على الصمود في مواجهة وسائل العقاب الجماعي والحصارات وعمليات التقتيل والتدمير، التي انتهجتها إسرائيل ضدهم ، طوال المرحلة الماضية.

ثانيا : حفاظهم على الحد الأدنى من حدتهم الوطنية ، وتفويتهم الاستهدافات الإسرائيلية الرامية إلى زرع الفتنة في صفوفهم.

 ثالثا : عجز إسرائيل ، برغم كل قوتها ، عن كسر إرادتهم وفرض املاءاتها السياسية عليهم ، في عملية التسوية ؛ وهو ما اضطرها للجوء لخطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة + أربع مستوطنات من الضفة  للخروج من هذا المأزق.

رابعا : إحساسهم بقدرتهم على زعزعة استقرار إسرائيل وتكبيدها خسائر فادحة في مختلف المجالات ؛ برغم من إدراكهم لعدم قدرتهم على هزيمتها تماما، بالوسائل العسكرية.

خامسا : استطاعتهم إظهار إسرائيل على حقيقتها أمام المجتمع الدولي باعتبارها دولة استيطانية عنصرية تمارس إرهاب الدولة وتستخدم القوة للسيطرة على شعب أخر.

أما الموقف الإسرائيلي بقيادة شارون : فتري إسرائيل من جهتها بل وتعتقد بأنها تخوض حربا وجودية ضد الفلسطينيين: "إما نحن أو هم"! مستغلة في ذلك الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، المتمثلة في الآتي :

 أولا :  هيمنة الولايات المتحدة كقطب أوحد على النظام الدولي والإقليمي .

 وثانيا : تداعيات الحرب العالمية ضد الإرهاب (بعد حدث 11 سبتمبر 2001)  .

وثالثا :  الوضع الإقليمي الناشئ عن تقوض مفهوم الجبهة الشرقية بعد احتلال العراق والتواجد الأمريكي المباشر فيه .

 ورابعا : المخططات الأمريكية الرامية لإعادة هيكلة المنطقة وإدخال تغييرات في النظم السياسية والاقتصادية والتعليمية والأمنية والقانونية فيها ، بما يتناسب مع المصالح والرؤى والأوليات الأمريكية ، وبالتالي الإسرائيلية.

ويمكن القول بشكل خاص أن إسرائيل ، في ظل حكومة شارون اليمينية تعتقد بأن الفرصة باتت سانحة لها للتخلص من استحقاقات "اوسلو"، وللتحرر من عملية التسوية نهائيا ، التي تعتبرها كارثة بالنسبة لإسرائيل . كما تعتقد إسرائيل أن الظروف باتت مواتية لها لفرض املاءاتها في عملية التسوية على الفلسطينيين، والمشاركة من موقع فاعل مع الولايات المتحدة في صوغ النظام الإقليمي الشرق أوسطي في هذه المنطقة.

ومشكلة إسرائيل ، هنا أنها استطاعت توجيه ضربات مدمرة للفلسطينيين ، لبنيتهم السياسية والاقتصادية ولمؤسساتهم ولحياتهم الاجتماعية ، ولكنها برغم كل هذه "الانتصارات" التي تدعيها إسرائيل فقد أخفقت في ثلاثة مجالات أساسية هي:

1) عجزها عن ترجمة هذه "الانتصارات" إلى واقع سياسي ، سواء عبر فرض املاءاتها السياسية على الفلسطينيين ، أو عبر إدخال الهزيمة إلى وعيهم ، على حد تعبير وزير الدفاع شاؤول موفاز .

2) أنها لم تستطع أن تكبح مقاومة الفلسطينيين ، وبالتالي فهي لم تؤمن الاستقرار والأمن للإسرائيليين ؛ برغم الحواجز والاعتقالات والاغتيالات والحصارات والجدار الفاصل. فلا خطّة المائة يوم الشارونية (مطلع العام 2001) ولا حملات "السور الواقي" أو "الطريق الحازم" (في العام 2002) ، حققت وقف المقاومة ، أو تمكنت من جلب الأمن للإسرائيليين ، ولا "جدار الفصل العنصري" ومعه مئات الحواجز الثابتة والمتحركة استطاع ذلك .

3) أنها تبدو اليوم ، بسبب سياساتها الاحتلالية والعنصرية ، أقل شرعية على الصعيد الدولي من قبل. بل يمكن القول بأن إسرائيل باتت شبه معزولة على الصعيد الدولي ، الرسمي والشعبي ، ومن ضمن ذلك في أوروبا ، بدليل الإدانة المستمرة لها في المنظمات الدولية والأمم المتحدة وفي محكمة العدل الدولية .

 4) أن إسرائيل تبدو اليوم ، على رغم كل جبروتها ، أكثر تخوفا على المدى الاستراتيجي من الوجود الفلسطيني ، بالنسبة لامكان بقائها واستمرارها على شكل دولة يهودية ، وبالنسبة لامكان تحولها لدولة "ثنائية القومية". ولعل هذا التخوف أهم  المرتكزات التي استند إليها شارون في طرح خطة الانسحاب من طرف واحد من غزة.

بشكل عام فقد واصلت إسرائيل ، طوال العام الرابع للانتفاضة ، سياستها التقليدية إزاء الشعب الفلسطيني، المتمثلة بتصعيب أوضاعه الحياتية وتشديد الحصار عليه وتدمير مؤسساته وتقويض سلطته ومحاصرة قيادته وعزلها. كما واصلت نشاطها المتعلق بتعزيز النشاط الاستيطاني وبناء جدار الفصل العنصري ، مستغلة في ذلك الأوضاع الدولية والإقليمية ، لاسيما بعد احتلال العراق ، لمواصلة استفرادها بالفلسطينيين وكسر إرادتهم.

 أما أهم ملامح المواجهة الفلسطينية ـ الإسرائيلية ، من الناحيتين السياسية والعسكرية ، خلال هذا العام ، فيمكن تلخيصها في التطورات التالية:

أولاً: إحلال خطة شارون ، المتعلقة بالانسحاب الأحادي من قطاع غزة ، باعتبارها الخطة الوحيدة للتداول الدولي والإقليمي في الحلول السياسية. ويستنتج من ذلك أن خطة "خريطة الطريق"، التي جرى اعتمادها منذ أواخر نيسان/ أبريل من العام 2003، كبديل لاتفاق اوسلو، باتت بدورها معطلة أو مجمدة.

ثانياً: مواصلة إسرائيل خطتها المتعلقة بتقويض الكيان الفلسطيني ، وتدمير المؤسسات واغتيال القيادات الفلسطينية ، وقد استطاعت إسرائيل هذا العام اغتيال الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس ، وعبد العزيز الرنتيسي أحد أهم قيادييها ، كما استطاعت اغتيال عدد من قياديي كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح وعدد من القادة العسكريين والميدانيين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

ثالثاً: واصلت إسرائيل عملية بناء "الجدار الفاصل"، الذي يقتطع أراض واسعة من الضفة الغربية ويضم المستوطنات الكبيرة ، في محاولة منها لفرض حدود الأمر الواقع التي تتوخّى من خلالها فرض املاءاتها على الفلسطينيين ، في مفاوضات الحل النهائي ، وإبقاء أكبر قدر من أراضيهم تحت سيطرتها، وإضعاف كيانهم المفترض.

رابعاً: مواصلة حصار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ، لإضعاف نفوذه وعزله. ولاشك أن مفاعيل هذا الحصار باتت تؤثر على الفلسطينيين بدليل الفوضى المتفشية في العمل الفلسطيني ، وبدليل الأزمة الحاصلة في الصف القيادي الفلسطيني ، ولاسيما في حركة فتح.

خامسا: فشل محاولات تهدئة الانتفاضة والمقاومة ، برغم الجهود المبذولة من أجل ذلك من أطراف دوليين وإقليميين ، وسبب ذلك إصرار إسرائيل على الاستمرار بسياسة الحصار والاغتيالات وعدم التفاوض مع الطرف الفلسطيني.

رؤية عامة للخسائر الفلسطينية والإسرائيلية !!!

برغم من ظروف الفلسطينيين الصعبة والمعقدة ، فقد أدت عمليات العام الرابع للانتفاضة إلى مقتل حوالي 160 إسرائيليا، وهذا العدد يوازي عدد الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم نتيجة العمليات الفلسطينية في العام الأول للانتفاضة. وللعلم فقد أدت عمليات العام الثالث للانتفاضة إلى مصرع 237 إسرائيليا ، في حين أنه في العام الثاني للانتفاضة لقي حوالي 460 إسرائيليا مصرعهم ، وبذلك بات هذا العام أكثر أعوام الانتفاضة سخونة ، على الجبهة الصراع بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. وبالإجمال فقد أدت عمليات المقاومة ، خلال الأعوام الأربعة الماضية ، إلى مقتل حوالي 1020 إسرائيليا.

وبحسب بعض المصادر، فإن عدد القتلى الإسرائيليين خلال الأعوام الثلاثة الأولى للانتفاضة بلغ 867 قتيلا، منهم 608 مدني و 259 جندي ومن رجال قوات الأمن. وأنه ثمة  390 إسرائيليا من هؤلاء قتلوا في عمليات فدائية . أما عدد الجرحى فبلغ 5.878 جريحا ،4.184 مدنيا و 1.694 جنديا. وأن عدد العمليات بلغ حوالي18.876 عملية . كان في المتوسط 17.6 عملية في اليوم ، 96 %منها في الضفة وفي غزة. 4 % فقط كانت في الأراضي الإسرائيلية ، ولكنها كانت الأكثر فتكا (يديعوت29/9/2003)

ومن هذه المعطيات يمكن الاستنتاج بأن نسبة القتلى الإسرائيليين في العمليات الاستشهادية بلغ 40 % ، بمعنى أن آلاف العمليات الفدائية في الضفة والقطاع هي التي عززت الظاهرة المسلحة في الانتفاضة وهي التي كبدت العدو الإسرائيلي العدد الأكبر بالخسائر البشرية (حوالي 60 % من القتلى والجرحى).

في المقابل ومن جهة الفلسطينيين فقد شهدت الأعوام الأربعة من الانتفاضة استشهاد 3650 من الفلسطينيين ، ضمنهم 703 في العام الأول و1292 في العام الثاني و725 في العام الثالث ، ما يعني بأن عدد الشهداء في العام الرابع يقارب عددهم في العام الأول ، في حين ظل العام الثاني للانتفاضة هو الأكثر من حيث عدد الشهداء ، بسبب حدّة المواجهات مع الإسرائيليين ، في هذا العام الذي شهد حملتي "السور الواقي" و"السور الحازم".

واللافت أن التناسب بين الخسائر البشرية الإسرائيلية والفلسطينية بلغ ما يقارب نسبة 1/ 3، لصالح الإسرائيليين ، ورغم ذلك فهي نسبة كبيرة بالنسبة لهم ، قياسا بموازين القوى . وما يؤكد ذلك أن المتوسط السنوي لعدد الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم بنتيجة عمليات المقاومة خلال الأعوام الأربعة الماضية من الانتفاضة بلغ 260 إسرائيليا ؛ في حين أن عددهم لم يتجاوز 65 إسرائيليا سنويا ، إبان الانتفاضة الأولى  التي استمرت ستة أعوام(لقي فيها 383 جنديا ومستوطنا إسرائيليا مصرعهم) وبالمقارنة مع عمليات المقاومة في جنوبي لبنان (قبل التحرير) فقد أدت هذه العمليات إلى مصرع 45 إسرائيليا سنويا ، حيث أنه خلال 18 عاما من الاحتلال لقي حوالي 858 جنديا إسرائيليا مصرعهم ، في جنوبي لبنان والبقاع الغربي.

أيضا يمكن عقد المزيد من المقارنات ، لتبين ضراوة الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين خلال المرحلة الماضية ، إذ صرح رئيس جهاز الأمن العام "الشباك" - آفي ديختر بأنه منذ بداية الانتفاضة في أيلول 2000 وحتى اليوم (8/8/2004) أصيب جراء  " الإرهاب " بين قتلى وجرحى أكثر مما أصيب في الفترة التي انقضت منذ الإعلان عن قيام الدولة في تشرين الثاني 1947 وحتى العام 2000..في السنوات الأربع الأخيرة أصيب  " بالإرهاب 11.356 " شخصا ، مقابل 4.319 شخصا أصيبوا بين 1947 و 2000".( هآرتس 9/8/2004)

من ناحية أخرى وبحسب معطيات جهاز الأمن العام "الشاباك" – المخابرات بأن الانتفاضة كبدت الإسرائيليين خسائر بشرية أكثر مما كبدتها أية حرب أخرى خاضتها في المنطقة ، باستثناء حربين سابقتين كان عدد القتلى الإسرائيليين أكثر - في حرب الاستقلال وحرب يوم الغفران (حرب تشرين).. ثمن المواجهة الحالية في الخسائر يكلف إسرائيل أكثر مما كلفتها حرب الأيام الستة ، 803 قتيلا، وحرب الاستنزاف حين سقط 738 إسرائيليا في الحدود مع مصر، سوريا والأردن. (هآرتس 24/8/2004)؛ وهو بالطبع أكثر مما كلفت الجيش الإسرائيلي إبان احتلال جنوبي لبنان كما قدمنا.

وبنتيجة هذه العمليات باتت شارون يعرف بأنه رئيس الحكومة الذي قتل في عهده أكبر عدد من الإسرائيليين، وباتت إسرائيل تعرف بأنها الوحيدة التي يقتل فيها اليهود، بسبب سياسات حكومتهم، لكونهم يهودا، ما يعني انحسار الدعاية الصهيونية التي تبرر وجود إسرائيل باعتبارها ملاذا آمنا لليهود في العالم.

أما الخسائر من الناحية الاقتصادية ، فكانت بالنسبة للفلسطينيين جد باهظة ، بسبب الفجوة الهائلة في هذا المجال في الإمكانيات الاقتصادية للطرفين ، وهو ما ينطبق على الحياة الاجتماعية ، بالنظر إلى سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وقد بلغت الخسائر الاقتصادية للفلسطينيين حوالي 5 ـ 7 مليار دولار سنويا ؛ وهو مجموع الخسائر الناجمة عن تدمير أو تخريب البني التحتية والمنازل والمنشآت والمزروعات، والاغلاقات والحرمان من العمل. وهذا المبلغ يشكل 150% تقريبا من الناتج السنوي للفلسطينيين ، بمعنى أنه ثمة خراب أو انهيار حقيقي للقطاعات الاقتصادية الفلسطينية وأنه ثمة نسبة إفقار كبيرة في المجتمع الفلسطيني.

أما خسائر إسرائيل الاقتصادية فقد قدرت في السنوات الأولى للانتفاضة بحوالي75 مليار شيكل ، ففي كل سنة انتفاضة خسرت إسرائيل بالمتوسط حوالي 25 مليار شيكل. ومستوى المعيشة انخفض بأكثر من 6 في % ، وثمة نمو سلبي وتراجع كبير في حجم الاستثمارات.

وكما قدمنا فإن إسرائيل بحكم قوتها الاقتصادية والدعم الكبير الذي تلقاه ، من الولايات المتحدة ومن يهود العالم ، تستطيع التعويض على خسائرها الاقتصادية. والجدير ذكره في هذا المجال، أيضا ، أن الخسائر الاقتصادية الإسرائيلية تشكل ما نسبته 5% من ناتجها القومي السنوي ، وهي نسبة قليلة جدا ، بالقياس لخسارة الفلسطينيين التي تشكل 150 % من ناتجهم القومي السنوي. برغم كل ذلك فإن الصراع ، بين الطرفين لا يتركز في الجانب الاقتصادي ، وإنما يتركز على البعد السياسي وعلى صراع الارادات ، وهو الجانب الذي يستثمر فيه الفلسطينيون تضحياتهم ومعاناتهم وبطولاتهم.

قراءة نقدية للحالة الفلسطينية

المشكلة الأساسية للفلسطينيين أنهم يدشنون العام الخامس للانتفاضة وهم مازالوا يفتقدون للحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي ( السياسي والتنظيمي والإداري ) ، مما يجعلهم دون مستوى القدرة على تثمير كفاحهم إلى منجزات.

فمن الجانب السياسي ، مثلا، أدى غياب التوافق على استراتيجية سياسية إلى خلق نوع من التناقض بين الحدود البشرية والجغرافية للانتفاضة ، وحدودها أو أهدافها السياسية.

فالانتفاضة ، بما هي عليه من حالة فعل في الأراضي المحتلة عام 1967، كانت بحاجة إلى توضيح ذاتها ، كحركة تحرر تستهدف دحر الاستيطان والاحتلال من هذه الأراضي ، وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم.

وكان من شأن ذلك تحقيق الآتي :

 أولا :  فضح إسرائيل ، على الصعيد الدولي، باعتبارها دولة مستعمرة تمارس القوة الغاشمة والتمييز العنصري ضد الفلسطينيين لفرض احتلالها.

ثانيا : تعزيز الشرخ في المجتمع الإسرائيلي بين القوى المؤيدة للتسوية وفك الاستيطان وإنشاء دولة فلسطينية ، وبين القوى المتطرفة ؛ بدلا من التسهيل على شارون تحشيد المجتمع الإسرائيلي من ورائه، بادعاء أن حربه ضد الفلسطينيين هي حرب دفاع عن الوجود .

 ثالثا : تمكين الفلسطينيين من تعزيز موقفهم كحركة تحرر، باعتبارهم ضحية للاحتلال وللإرهاب الإسرائيليين ، لا سيما في هذه الظروف الصعبة والمعقدة ، وفي ظل التداعيات الناجمة عن الحرب ضد الإرهاب واحتلال العراق .

 رابعا : الحؤول دون تحميل الانتفاضة ، وشعبها أكثر مما يحتمل (مثلا هدف تحرير فلسطين أو تقويض وجود إسرائيل) ، في هذه الظروف.

أما من الجانب الميداني :   فقد كان من شأن عدم تمييز بعض القوى ، في خطاباتها وعملياتها ، بين الأراضي المغتصبة عام 48 والمحتلة عام 67 ، التسهيل على حكومة شارون توحيد المجتمع الإسرائيلي وراءها ، ومحاولة نزع شرعية المقاومة المسلحة ، والتشكيك بعدالة القضية الفلسطينية ، على الصعيد الدولي ، كما التغطية على حملات البطش والتدمير التي دأبت عليها لكسر إرادة المجتمع الفلسطيني.

وبالمحصلة فإن العمليات الاستشهادية ضد المدنيين ، في مناطق  48، حمّلت الانتفاضة أكثر من طاقتها، ووضعت الفلسطينيين في دائرة مواجهات عسكرية ساخنة ، وفي مستوى عال من التوتير استنزف قواهم ، في صراع يفترض أنه طويل ومعقد ، وبحاجة إلى تنظيم النفس وترشيد القوى.

والأنكى من ذلك فقد كان من شأن قبول الفلسطينيين للاستدراج الإسرائيلي ، إلى دائرة المواجهات العسكرية ، كما حصل مرارا ، إظهار الصراع وكأنه بين قوتين عسكريتين ، متكافأتين! وهو ما مكّن شارون من تبرير تملصه من المسار السياسي والبقاء في المربع الأمني.

طبعا ليس المقصود هنا التشكيك بشرعية المقاومة المسلحة ، باعتبارها ، شكلا من أشكال الكفاح المشروع لدحر الاحتلال ، ولكن المطلوب عدم حصر المقاومة بالعمليات الاستشهادية ، والتمييز أيضا ، بين المقاومة ، باعتبارها وسيلة تستهدف لوصول إلى أهداف سياسية معينة ، وبين الفوضى. 

المهم الآن ، أنه وبسبب مشكلاتها البنيوية وقضاياها الصعبة والمعقدة ، فإن الساحة الفلسطينية ستظلّ ، على الأرجح ، عرضة للاضطرابات والخلافات ، ما لم تحزم أمرها ، وتتّجه لحسم عدة قضايا وإشكاليات يقع في المقدمة منها:

1ـ حسم الازدواجية في طابع القيادة ، فليس من المعقول أن تكون قيادة السلطة (الكيان) هي ذاتها قيادة منظمة التحرير (حركة التحرر) ، أو أن تكون هي نفسها التي تدير الانتفاضة والمفاوضة ، فلكل من هذين الأمرين استحقاقاته ومتطلباته.

2 ـ تحديد مآل الانتفاضة ، فليس خافيا أن الانتفاضة ، ببعدها الشعبي ، تآكلت عمليا منذ زمن ، لصالح المقاومة، وهذه الظاهرة بدورها تعرضت لضربات قاسية ولامتحانات صعبة. لذلك لم يعد مقبولا الاكتفاء بالحديث العام عن ضرورة الصمود واستمرار الانتفاضة والمقاومة. فالمصارحة واجبة وضرورية ، بغض النظر عن الرغبات والطموحات . فليس معقولا تجاهل التقرير بمصير الانتفاضة وكأنها ظاهرة عفوية يمكن أن تستمر إلى الأبد ، أو لكأنّها غاية في حد ذاتها.

3 ـ التوافق على استراتيجية سياسية موحدة ، على ضوء المعطيات والإمكانيات الراهنة ، غايتها تركيز الجهود لإقامة دولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967، لتحقيق التطابق بين الحدود السياسية والجغرافية والبشرية للانتفاضة. ورغم الإجحاف بالحق التاريخي للشعب الفلسطيني في هذا الحل ، إلا أنه الأقرب منالا في هذه المرحلة ، ويستجيب لمطالب شعب الانتفاضة المتمثلة بالتخلص من الاستيطان والاحتلال. وهذا الحل ، قد يفتح المجال مستقبلا، أمام تفاعلات تتيح تقويض الطابع العنصري والاستعماري لإسرائيل لصالح دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية علمانية في كامل فلسطين.

4 ـ إدراك حقيقة أن المقاومة لا يمكن اختصارها بالعمل المسلح ، فثمة مجال لمختلف أشكال الصراع السياسي المدني والشعبي ضد العدو الصهيوني. ولا شك بأن الفلسطينيين بحاجة إلى التوافق على أشكال المقاومة المسلحة ومستوياتها وغاياتها ، لتحقيق الانسجام والتكامل بين الاستراتيجيتين السياسية والميدانية.

5 ـ المواءمة بين الكفاح لدحر الاحتلال وبناء الكيان السياسي ، نظراً للطابع المزدوج لحركة التحرر الفلسطيني. فالمقاومة في الحالة الفلسطينية ، لا تقتصر على الصراع ضد العدو وإنما تشتمل ، أيضا ، على متطلبات بناء المجتمع والكيان ، وترسيخ وحدته وبناء مؤسساته وتطوير إمكانياته ؛ باعتبارها تعزّز وجود الشعب الفلسطيني السياسي والاجتماعي وتقوّض ركنا أساسيا من أركان العقيدة الصهيونية ، التي تأسست على تغييبه.

السيناريوهات المطروحة علي الساحة الفلسطينية

 الآن وعلى ضوء التطورات الجارية والأوضاع الصعبة والمعقدة ، على الصعيد الدولي والإقليمي ، وخصوصا بعد أربعة أعوام من الانتفاضة ، فإن القيادات الفلسطينية مطالبة وبإلحاح بالعمل الجاد والحاسم للشروع في البحث عن الخيارات الممكنة والمتاحة أمامها ، لتجاوز الانسداد الحاصل في العملية السياسية ومواجهة المخاطر والتحديات التي باتت تواجهها القضية الفلسطينية.

ويبدو أن الخيارات المطروحة اليوم ، تتراوح بين الاستمرار بالوضع الراهن ، بمعنى الخروج من العملية السياسية تماما مع استمرار المقاومة والمواجهة مهما كان الثمن، أو البحث عن فرصة لالتقاط الأنفاس عبر فتح أبواب العملية التفاوضية (على هشاشتها)، وربما ثمة مجال للتحول إلى خيار ثالث مغاير تماما ،  يتمثل بخلق معادلات أو رؤى سياسية جديدة ، وأشكال نضالية جديدة.

بالنسبة للخيار الأول : فثمة رأي يعتقد بأن الفلسطينيين لا يملكون القدرة على الانسحاب من العملية التفاوضية ، بدعوى أنها عملية دولية وإقليمية ، وأن هذا الخيار ربما يتيح المجال أكثر لحكومة شارون للاستمرار بقضم الأراضي الفلسطينية وتغيير أوضاعها ؛ وذلك على رغم كل التعثر المحيط بعملية التسوية وخواء هذه العملية. وأصحاب هذا الرأي يعتقدون أيضا بأن الشعب الفلسطيني أنهك واستنزف، وأن الوضع الدولي والإقليمي لا يساعده على الإطلاق ، وأن هذه الظروف تفرض عليه مراجعة أوضاعه ، والتمعن بخياراته.

أما الخيار الثاني :فإن معارضيه يعتقدون بأن إسرائيل ليست في وارد السلام ولو بالحد الأدنى مع الفلسطينيين ، بدليل إجهاضها لاتفاق أوسلو برغم إجحافه بحقوق الفلسطينيين . وأصحاب هذا الخيار يطرحون فكرة خروج الفلسطينيين من عملية التسوية وقلب الطاولة على أصحابها لوضع إسرائيل أمام تحديات التاريخ ، ومخاطر "القنبلة الديمغراقية" ، وأمام تحدي قيام دولة ثنائية القومية. وطبعا فإن أصحاب هذا الخيار يدعون إلى حل السلطة الفلسطينية ، وترك إسرائيل لتدبر نفسها في الأراضي المحتلة مع الشعب الفلسطيني ، وهذا يعني فتح الصراع على مصراعيه مجددا ووضع إسرائيل أمام التحديات الناشئة عن هذا الوضع. كذلك يمكن لهذا الخيار أن يندفع باتجاه الإعلان عن الدولة الفلسطينية من جانب واحد ، بكل ما لذلك من تأثيرات. وثمة وجهة نظر أخرى تعتقد بأن الانسحاب من عملية التسوية لا يفترض تفكيك السلطة ، وإنما يتطلب الإبقاء عليها لتلافي الفراغ ، وللحفاظ على الحد الأدنى من الكيانية الفلسطينية ، باعتبارها إنجازا للشعب الفلسطيني ينبغي البناء عليه ، لا المساعدة على تقويضه.

أما الخيار الثالث :  فيتمثل في مراجعة عملية التسوية ، وصولا للبحث عن خيارات ومعادلات ورؤى سياسية خارجها. وهذا الخيار يكتسب شرعيته من التدهور الحاصل في عملية التسوية ، والتي يبدو فيها وعد الكيان الفلسطيني ، وعدا منقوصا ومشوها ، وأقرب إلى الكانتونات ، التي تعمل إسرائيل بكل جهد على خلقها على شكل محمية إسرائيلية ، أو على شكل كيان محدود الصلاحيات ، مرتبط بألف خيط وخيط بإسرائيل من مختلف النواحي:السياسية والاقتصادية والأمنية.

وطبيعي أن هذا الخيار يتطلب معادلات ورؤى فلسطينية جديدة تتأسس على التخلي عن هدف الدولة المستقلة لصالح "الدولة ثنائية القومية"، أو لصالح "الدولة الديمقراطية العلمانية" في كل فلسطين/إسرائيل.

المهم أن القيادات الفلسطينية مطالبة بتفحص الظروف والتحديات المحيطة واستنباط الخيارات السياسية المناسبة ، ما يتطلب منها إجراء نوع من محاسبة الذات ، وإعادة التقييم للمسيرة وللتجربة ، وخصوصا بعد تجربة أربعة أعوام من الانتفاضة والمقاومة ، لمعرفة أين كنا وأين أصبحنا؟ أين أخطأنا وأين أصبنا؟ أين تقدمنا وأين تعثرنا؟

أخيرا لا شك بأن الانتفاضة والمقاومة ستستمر بشكل أو بآخر، ولكن المسألة هنا لا تكمن في الاستمرارية وإنما أيضا ، بشكل تثمير الانتفاضة والمقاومة في الإطار السياسي لمراكمة الإنجازات ، في صراع مضني ومعقد وطويل الأمد ، كالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.


** كاتب فلسطيني

الأخبار
شؤون سياسية
صفحات وملفات خاصة
ساحة الحوار
حوارات حية
بنك الفتاوى
اسألوا أهل الذكر
استشارات دعوية
استشارات الزكاة
حدث في العام الهجري

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع