الصفحة الرئيسية

 
الأحداث في صور
 ابحث | بحث متقدم 

اللاجئون وحق العودة

أبحاث ودراسات| مقالات |شهادات|يدا بيد من أجل العودة| قرارات دولية|فلاشات


قضية اللاجئين الفلسطينيين ومفهوم الأمن القومي العربي *

مني ياسين

على الرغم من أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين نشأت منذ ما يقرب من نصف قرن (1948)، فهي لا تزال قضية حية وحيوية من ناحية تأثيرها على الأمن والسلام الدوليين بشكل عام وعلى الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وهي بالتأكيد واحدة من هموم الأمن القومي العربي بحكم موقعها المحوري في الأمن الوطني الفلسطيني.

وهي إن كانت من أقدم قضايا اللاجئين في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية فهي الآن من أحدث قضايا اللاجئين التي تدور حولها المفاوضات سعيا لحلها وتسويتها. ففي ظروف عالم اليوم، ومع انتشار موجات الهجرة واللجوء والنزوح في مناطق كثيرة في العالم، ومع المخاوف المتزايدة من تأثير هذه الموجات على الاستقرار، أخذت قضايا اللاجئين تحتل مكانها البارز والساخن، بما فيها قضية اللاجئين الفلسطينيين، ليس فقط بسبب الجانب الإنساني لهذه القضية الذي تعايش معه العالم طوال السنوات الماضية وإنما لأسباب سياسية تتعلق كلها بمحاولة المجتمع الدولي الوصول إلى تسوية دائمة للصراع في الشرق الأوسط‍‍؛ لذا كان من غير الطبيعي أن يتشكل إطار المفاوضات المتعددة المنبثق من مؤتمر مدريد للسلام (أكتوبر 1991) ليناقش قضايا ضبط التسلح والمياه والبيئة والتنمية ولا يذكر اللاجئين.. حتى اقترحت مصر تشكيل لجنة خاصة باللاجئين وهو أمر اعترضت عليه إسرائيل في البداية ثم وافقت دون أن تشترك في الجلسات الأولى بحجة وجود ممثلين للفلسطينيين من خارج الأراضي المحتلة، ثم عادت وحضرت وبدأت لجنة اللاجئين في مناقشة هذه القضية. ذلك يفرض البحث في مفهوم الأمن القومي العربي ومدى تأثير قضية اللاجئين الفلسطينيين في تشكيله. وتحتوي هذه الدراسة علي المحاور الآتية:

  • تعريفات للأمن القومي العربي

  • أبعاد الاستراتيجية الإسرائيلية

  • اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي العربي

  • سيناريوهات اللاجئين في الدول المضيفة،

  • اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي الأردني

  • اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي اللبناني

  • اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي السوري

تعريفات للأمن القومي العربي

توجز موسوعة السياسة(1) تعريفا عن الأمن القومي حيث تقول إنه "تأمين سلامة الدول ضد أخطار خارجية وداخلية قد تؤدي بها إلى الوقوع تحت سيطرة أجنبية نتيجة ضغوط خارجية أو انهيار داخلي.

ويقدم الدكتور عبد المنعم المشاط في كتابه "نظرية الأمن القومي العربي المعاصر" تعريفا "مجتمعيا" بعد أن يعرض للاتجاهات المختلفة التي تميز مواقف المفكرين العرب عن هذه القضية، فيقول:

وترتيبا على ما سبق يمكن تعريف الأمن القومي بأنه "قدرة المجتمع على مواجهة ليس فقط الأحداث أو الوقائع الفردية للعنف، بل جميع المظاهر المتعلقة بالطبيعة المركبة والحادة للعنف"(2).

وفي الصياغة التي قدمتها دراسة حول الأمن القومي العربي، أعدت بناء على قرار مجلس الجامعة العربية رقم 5125 / سبتمبر 1992 وصدرت في القاهرة عن "جامعة الدول العربية"، محاولة تقديم تعريف جامع لمفهوم الأمن القومي العربي يمكن أن تتفق عليه الدول العربية الأعضاء.

يقول التعريف الخاص بهذه الدراسة:

"الأمن القومي العربي هو قدرة الأمة العربية على الدفاع عن أمنها وحقوقها وصيانة استقلالها وسيادتها على أراضيها، وتنمية القدرات والإمكانيات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.. مستندة إلى القدرة العسكرية والدبلوماسية، آخذة في الاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لكل دولة والإمكانات المتاحة والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، والتي تؤثر على الأمن القومي العربي"(3).

وللدكتور علي الدين هلال(4) تعريف يرى فيه أن "الأمن القومي يعني تأمين كيان الدولة ضد الأخطار التي تتهددها داخليا وخارجيا وتأمين مصالحها، وتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق أهدافها وغاياتها القومية".

وقد نقلت الدكتورة إجلال رأفت عن علي الدين هلال في دراستها الخاصة "بالأمن القومي العربي ومنطقة القرن الأفريقي" الصادرة عن مركز البحوث والدراسات السياسية - سلسلة بحوث سياسية (56)، كلية الاقتصاد جامعة القاهرة، مايو 1993، "بأنه سلامة حدود الدولة ومصالحها وقيمها وثقافتها من المخاطر المحدقة بها، وقد تكون هذه المخاطر خارجية آتية من دول الجوار أو الدول الكبرى وقد تكون داخلية كأن يهدد النظام الشرعي للدولة أو أمن المواطن في الداخل نتيجة فقدان مقدمات الأمن الثلاثة: القوة العسكرية والتنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي، فإن كان المقصود هو عدة دول مرتبطة بنظام إقليمي محدد كالدول العربية، تزاد على هذه العوامل دعامة أخرى رئيسية، ألا وهي ضرورة وجود حد أدنى من الاتفاق على تحديد مصادر التهديد الرئيسية داخليا وخارجيا مما يوجب رسم إستراتيجية موحدة للدفاع عن هذا الكيان الإقليمي. ويتبع ذلك ضرورة توافر الإرادة السياسية الموحدة وجهاز صنع القرار على المستوي القومي"(5). وقد أضافت إجلال رأفت في مفهومها للأمن القومي العربي "أنه محصلة لمجموع أمن الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية. والعلاقات العربية الآن تمر بمحنة حقيقية لعل أخطر سماتها التمزق والتشتت في السياسات والأهداف، حيث أصبح من أصعب الأمور على المهتمين بالشئون العربية رسم خطة واضحة لحماية الأمن العربي، بل أكثر من هذا وضع مفهوم موحد ومتفق عليه بين جميع الأطراف لما يطلق عليه الأمن القومي العربي"(6).

وكان الدكتور حامد ربيع قد انتقد بشدة هذا التمزق في كتابه "نظرية الأمن القومي العربي، والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط"(7)، قائلا: "إن السياسة العربية مفتقرة بصورة واضحة لما يمكن أن يعبر عنه بكلمة الأمن القومي. مما لا شك فيه أن مفهوم الأمن القومي يرتبط ارتباطا عضويا بتكامل الكيان السياسي، والأمة العربية وهي متفرقة ومتجزئة متعددة الإيرادات لا يمكن أن تملك نظاما للممارسة أساسه تكامل مفهوم الأمن القومي".

وقد عالج الدكتور عبد المنعم المشاط هذا الجانب في كتابه "نظرية الأمن القومي العربي المعاصر" عندما تحدث عن الأمن القومي بالمعني القطري/ الوطني، والأمن دون الإقليمي، والأمن القومي بالمعني الإقليمي منبها إلى أن تحليل المستويات الثلاثة من الأمن يقوم على افتراضين رئيسيين: الأول أن الأمن القومي العربي هو حاصل الأمن القومي لكل الأقطار العربية، أو حصيلة مجموع الأمن القومي العربي لكل قطر عربي.. والثاني أن التنوع الشديد في الوطن العربي سكانيا واقتصاديا وعسكريا يضيف إلى قدرات الوطن العربي نتيجة انسجام المصالح بين مختلف الأقطار وعدم تعارضها أو تضاربها... وإن تحقيق الأمن القومي العربي يتضمن تحقيق الأمن القطري لكل دولة وأقطاره وإن كان العكس غير صحيح"(8).

وعندما ثار الجدل حول مفهوم الأمن القومي العربي مؤخرا واعتبره البعض أكذوبة أو مصطلحا دخل التاريخ(9) تتابعت الردود المصححة لهذا الرأي، وأكدت كلها بعبارات متنوعة أن "الأمن القومي العربي بمفهوم والتزامات وسياسات هو حقيقة واقعة رغم ما قد يعترضه من ردة أحيانا أو ضعف أحيانا أخرى"(10).

وبمراجعة كل الردود والتعقيبات التي نشرت على مقال "أكذوبة الأمن القومي العربي"، للدكتور عبد العظيم رمضان، تبين أنها جميعا تتفق على استمرار التهديد الإسرائيلي، واعتبار هذا التهديد فاعلا ومستمرا -بل ورئيسيا- عند رسم السياسات والخطط الخاصة بالأمن القومي العربي دون أن ينفي ذلك وجود مصادر تهديد خارجية وداخلية أخرى بالطبع.

والدراسة المتأنية لأبعاد الإستراتيجية الإسرائيلية ضد الوطن العربي ولنظرية الأمن الإسرائيلي وللقدرات العسكرية والنووية الإسرائيلية تؤكد أن إسرائيل وجدت داخل الوطن العربي من أجل تهديد أمنه وأن استمرارها لا يدوم إلا إذا استمر الأمن العربي معرضا للخطر(11).

أبعاد الإستراتيجية الإسرائيلية

وتنطوي الإستراتيجية الإسرائيلية ضد الوطن العربي على عدة أبعاد نركز منها على البعدين المرتبطين بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وهما: ضمان يهودية إسرائيل، ومنع قيام دولة فلسطينية.

1 - ضمان يهودية الدولة:

المبرر أمام يهود العالم لوجود إسرائيل في داخل الوطن العربي ولدعمها يكمن في أنها دولة يهودية تقطنها أغلبية تنتمي إلى الديانة اليهودية وتتحدث العبرية، ولقد صار الحفاظ على يهودية إسرائيل الشغل الشاغل لكافة الحكومات الإسرائيلية المتتالية منذ إعلان إنشاء الدولة عام 1948، سواء أكان ذلك لأسباب أيديولوجية أو أمنية أو اقتصادية.. مع ارتباط حركة الهجرة صعودا وهبوطا بتطورات الصراع العربي الإسرائيلي، وظهور مصطلح "الحرب الديمغرافية بين العرب وإسرائيل"(12).

ولقد توالت الهجرات اليهودية إلى فلسطين بدءا من نهاية القرن التاسع عشر حتى وقتنا الراهن حتى صار عدد سكان إسرائيل حوالي 3.4 ملايين نسمة، وهو عدد أقل من عدد الفلسطينيين في العالم والبالغ عددهم 000،65،4 نسمة، وإن كان أقل من نصف هذا العدد يوجد على الأراضي الفلسطينية سواء في الضفة الغربية (ما بين 002،869 -000،134،1) أو قطاع غزة (100،449) أو داخل إسرائيل ذاتها (فلسطينيو 1948م 200،597)(13).

ومنذ حرب 1967، والمسئولون الإسرائيليون يبدون قلقا شديدا إزاء مسألة التوازن الديمغرافي داخل إسرائيل، وهكذا أنشئت لأول مرة في عام 1967 وزارة الهجرة، كما صدر عن الكنيست عام 1971 قرارا يقضي بمنح الجنسية الإسرائيلية تلقائيا لأي يهودي يود الهجرة إلى إسرائيل حتى قبل أن يغادر الدولة التي ينتمي إليها ويحمل جنسيتها(14).

2 - منع قيام دولة فلسطينية:

يدرك الإسرائيليون إدراكا تاما أن استمرار المشكلة الفلسطينية دون حل، وعدم إقامة دولة فلسطينية في فلسطين هو أسلوب مثالي لاستمرار الانقسام والتجزئة العربية، فضلا عن استنزاف الموارد المالية والبشرية العربية.

وينبني رفض إسرائيل لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة أو على أي جزء يتحرر من فلسطين إلى أسس أيديولوجية وسياسية وإستراتيجية وديمغرافية، كذلك على أنه ينبغي أن يضمن أي مشروع للحكم الذاتي ألا ينتج عنه قيام دولة فلسطينية بأية صورة ويعود ذلك في الواقع إلى أنه وإن كان الصراع في الشرق الأوسط يقوم بين العرب من ناحية وإسرائيل من ناحية أخرى، إلا أن جوهر الصراع يدور حول حق الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم وإنشاء دولتهم المستقلة، وهو ما يعني -من وجهة نظر إسرائيل- نفي الوجود الإسرائيلي على أرض فلسطين.

وقد خلق احتلال الضفة الغربية وغزة وضم الجولان السورية إلى إسرائيل معضلة حقيقية أمام الحكومات الإسرائيلية بخصوص الحفاظ على يهودية إسرائيل، ومن ثم كانت سياسة الاحتلال الإسرائيلي هي بعد 1967 أيضا تفريغا لفلسطين من الفلسطينيين، وهكذا فقد بلغ عدد الفلسطينيين الذين أجبروا على ترك فلسطين منذ عام 1967 وحتى عام 1986 أكثر من 000،149(15،16). وإذا كانت الإستراتيجية الإسرائيلية القائمة على هاتين الدعامتين (ضمان يهودية الدولة ومنع قيام دولة فلسطينية) تشكل التهديد الرئيسي على الأمن القومي العربي بشكل عام .. فإن مواجهة هذا التهديد عربيا لم يتحقق بشكل إجماعي طوال الوقت وإن كانت كل الدول العربية لا تزال تعلن التزامها بذلك.

وكما يذكر الدكتور المشاط في مقالته المنشورة في الأهرام في 1994/4/14 "فإنه لا يمكن التمييز بين دول قريبة أو بعيدة عن إسرائيل أو دول مواجهة أو دول تربطها بإسرائيل التزامات قانونية لأنه مع استمرار التهديدات الإسرائيلية التقليدية سوف تدخل في تهديدات أخرى تتناسب وطبيعة المرحلة المقبلة"(17)، ويؤكد الدكتور المشاط "أن الأمن القومي العربي بمفهوم والتزامات وسياسات هو حقيقة واقعة رغم ما يعترضه من رده أحيانا أو نكسات أحيانا أخرى...".

اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي العربي

ويمكن ربط الأمن القومي العربي بقضية اللاجئين الفلسطينيين من المنظورين التاليين:

1- أن قضية اللاجئين باعتبارها جزءا من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام تعد أحد أوجه التهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي حيث تبني إسرائيل إستراتيجيتها ضد العرب على أساس منع عودة اللاجئين إلى فلسطين.

2- إن وجود اللاجئين كمجموعات بشرية داخل مناطق متوترة من العالم العربي يعد مصدر تهديد لأمن هذه المناطق سواء من زاوية ما تحدثه من تغيير في التوازن الديموغرافي في البلدان قليلة السكان مثل لبنان والأردن أو بما تخلقه بوجودها ونشاطها من مبررات للتوتر العسكري مع إسرائيل كما حدث في لبنان قبل الغزو عام 1982 (وما يزال يحدث حتى الآن في جنوب لبنان) أو باستخدام حكومة هذا البلد أو ذاك الوجود الفلسطيني كورقة ضغط على إسرائيل وعلى القيادة الفلسطينية في الوقت نفسه.

اللاجئون في ظل عمليات التسوية الفلسطينية

ارتبط نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بإعلان دولة إسرائيل عام 1948 ومنذ ذلك الحين صارت هذه المشكلة جزءا لا يتجزأ من الصراع العربي الإسرائيلي العام وعلقت جميع محاولات تسويتها على حل ذلك الصراع. ولكن بتقادم الصراع تحولت المشكلة إلى واحدة من أعقد مشكلاته التي قد لا تحل بشكل نهائي حتى في حالة تسوية الصراع مؤقتا. وتأكد ذلك بانعقاد مؤتمر مدريد لمفاوضات السلام في 30 أكتوبر 1991.. عندما استبعدت قضية اللاجئين من المفاوضات الثنائية ولم تدرج في أعمال المفاوضات المتعددة إلا بعد المبادرة المصرية في الاجتماع الأول للمفاوضات متعددة الأطراف في موسكو. ولم تحرز تقدما ملموسا يذكر.

وفي اتفاق أوسلو 13 سبتمبر 1993 المعروف بإعلان المبادئ اتفق على إرجاء مشكلة اللاجئين إلى المرحلة النهائية من المفاوضات تأكيدا على صعوبة تسويتها. ولكن الحديث عن اللاجئين لم يتوقف إذ استغلت المعارضة الفلسطينية لاتفاق أوسلو الموقف بتأجيل مناقشتها كواحدة من الحجج التي ترفض بها الاتفاق.

وقبيل توقيع اتفاق القاهرة في 4-5-1994 سأل صحفيون رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين عما إذا كانت إسرائيل على استعداد للسماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة فأجاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن مسئولية اللاجئين يتحملها أولئك الذين شنوا حربا عام 1948 ضد وجود إسرائيل نفسه، واستطرد قائلا: "لقد خسروا الحرب"!! وأضاف: "هناك مشكلتا لاجئين، أكرر مشكلتا لاجئين، إذ استوعبت إسرائيل في الفترة من عام 1949 – 1954 نحو ستمائة ألف يهودي من المجتمعات اليهودية في البلدان العربية والإسلامية وهؤلاء فروا تاركين ممتلكاتهم وراءهم، وأكد أن قضية اللاجئين يمكن البحث فيها بعد التوصل إلى حل نهائي للصراع العربي الإسرائيلي، وينبغي البحث عن طرق جديدة لحلها"(18).

ويعكس هذا التصريح الاتجاه الإسرائيلي الساعي إلى تحميل مسئولية حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين للأطراف العربية، وربط مشكلة اللاجئين العرب بما يسمونه مشكلة اللاجئين اليهود!! بهدف تحويل القضية الأساسية إلى قضية تعويضات متبادلة. وفي المقابل تصر الأطراف العربية على أن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الأساسي شرط لإحلال السلام وترفض ربطها بما تزعمه إسرائيل عن مشكلة اللاجئين إلى هود!!!

وقد أكدت مصر بلسان الأطراف العربية المشاركة في الجولة الرابعة من أعمال لجنة اللاجئين المنبثقة عن المفاوضات والتي عقدت في القاهرة في 11 مايو 1994، الموقف إزاء قضية اللاجئين على أنه "دون حل عادل لهذه المشكلة فإنه لن يكون هناك سلام ولا استقرار في المنطقة خاصة بعد ما شعر الفلسطينيون بأنهم وحدهم هم الذين تركوا ليعانوا من الحرمان من حقوقهم المشروعة المعترف بها بعدما تحرر إخوانهم في ناميبيا وجنوب أفريقيا من الهيمنة الخارجية والتمييز العنصري البغيض"(19).

ولا يرجع الموقف العربي الملتزم بقضية اللاجئين الفلسطينيين إلى الأبعاد الإنسانية لهذه المشكلة الإنسانية فحسب أو الالتزام القومي العربي العام (المستمر) بهذه القضية وبقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وإنما يرجع أيضا إلى إدراك هذه الدول أن استمرار مشكلة اللاجئين يهدد أمنها القطري (داخليا وخارجيا) كما يهدد الأمن القومي العربي ككل، خاصة بالنسبة للدول التي يكثر الوجود الفلسطيني داخلها مثل الأردن ولبنان وسوريا.

فإذا كانت قضية اللاجئين الفلسطينيين هي من مصادر التهديد للأمن القومي العربي بشكل عام، ولا يزال الالتزام العربي العام -الجماعي والفردي- هو ضرورة تنفيذ قرار 194 للأمم المتحدة القاضي بالعودة والتعويض، وهو ما تسجله كافة القرارات العربية الجماعية، وقد جرى التعامل معها في إطار كافة المشاريع والخطط العامة، فإن التطورات السياسية العربية والإقليمية أدت مع الوقت إلى بروز خصوصيات في علاقة هذه المشكلة مع كل دولة عربية على حدة.. سواء بسبب موقف هذه الدولة المعنية في التعامل مع جماعة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين فيها قانونيا أو بسبب قرب هذه الدولة أو تلك من مصدر التهديد الرئيسي ألا وهو إسرائيل كما سبق الذكر.

سيناريوهات اللاجئين في الدول المضيفة

تتداخل وتتعارض مواقف الدول العربية المفاوضة، وهو ما يحتاج إلى دراسة مواقف كل دولة على حدة وبخاصة المملكة الأردنية الهاشمية (الأردن)، ولبنان، سوريا.

اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي الأردني:

الأردن هو البلد الوحيد في المنطقة الذي يذكر الأمن السكاني في سياق إستراتيجيته، وهو يصر على أن حل المسألة الفلسطينية يجب أيضا أن يجعل التوازن الضئيل بين السكان يميل لصالح الهاشميين(20).

ويرجع اهتمام الأردن على هذا المستوي الإستراتيجي بقضية اللاجئين لكونه البلد العربي الوحيد الذي تحول جغرافيا وديموغرافيا عام 1948، بوصول أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين ليس فقط إلى الضفة الشرقية لنهر الأردن وإنما أيضا إلى الضفة الغربية التي أصبحت جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية عندما ضمها الملك عبد الله وأصبح الأهالي العرب في الضفتين يعتبرون أردنيين من الناحية القانونية. ولقد عارض فلسطينيون كثيرون وحدة الضفتين ولكنهم شعروا بأن الحياة في حماية الأردن هي أفضل خيار لهم!!(21).

وكانت الحرب الأهلية التي نشبت في سبتمبر 1970 والتي أطلق عليها الفلسطينيون اسم أيلول الأسود من المعالم الأساسية في تاريخ الأردن الحديث، وقد قسم هذا الصراع سكان المملكة أكثر من أي حدث آخر إلى خطين: أردني وفلسطيني، وتبادل الطرفان الاتهامات وبدأت تتحدد قوميتان متميزتان(22).

ولكن الملك حسين أبقي على صلته بالفلسطينيين لأنه لم يشأ أن يسجل في التاريخ أنه الزعيم العربي الذي فقد مدينة القدس وكان لا يزال يأمل في أن يستردها، ثم إنه كان يعرف أن مقدرة الأردن في الحصول على النقود من الخارج تتوقف على اشتراكه في النزاع الفلسطيني، وأن فض العلاقة بالضفة الغربية يعني قطع شريان الحياة الاقتصادي للمملكة وتقويض أساسي رئيس للحكم الهاشمي(23).

بعد حرب الخليج الثانية، وبسببها عاد عدد كبير من الفلسطينيين (300 ألف لبعض التقديرات) من الكويت إلى الأردن. وكانت تلك سياسة كويتية أعلنها المسئولون الكويتيون بأنهم ينتوون طرد العديد من الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم 120 ألف فلسطيني، وينتوون منع أغلب الفلسطينيين الآخرين الذين تركوا الكويت ويبلغ عددهم 180 ألفا من العودة إلى الكويت، ولما كان هؤلاء بلا مأوى ويعانون العوز ويشعرون بالمرارة لم يجد كثيرون منهم مكانا يذهبون إليه سوى الأردن وهم يعلمون أنهم سوف يعانون هناك في ظل اقتصاد مسحوق بالفعل مع خطر يتهدد عرش الملك حسين(24). وقد أضاف هذا العدد الكبير أعباء جديدة اقتصادية وسياسية وديموغرافية على النظام الملكي. كما أضاف أعباء جديدة على مخيمات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة هناك. وقد قدرت دراسة لمركز البحوث التابع لمكتبة الكونجرس بعنوان "السلام في الشرق الأوسط وقضايا الأمن" أعدتها كارول ميجالوفتز ونشرت في سلسلة دراسات هذا المركز بتاريخ 2 يونيو 1992، قدرت أن مئات الألوف من الفلسطينيين أرغموا على الرحيل وذهبوا إلى الأردن أو المناطق المحتلة حيث يعيش ما يقدر بـ 300 ألف "عائد" والحياة هناك مع الأقارب أو في الفنادق أو الشقق المستأجرة، وذهب منهم حوالي 60 ألفا للعيش في مخيمات اللجوء التابعة للأمم المتحدة خارج عمان.

في ظل هذه الضغوط الداخلية والخارجية وضع الملك حسين المبادئ التي يتبعها في معالجته للصراع العربي الإسرائيلي، وهي "أولا: الحاجة إلى تسوية شاملة تقبلها جميع الأطراف التي يعنيها الأمر، خاصة منظمة التحرير الفلسطينية. ثانيا ترتبط هموم الأردن (مثل اللاجئين والمياه والحدود وترتيبات الأمن ووضع القدس) ارتباطا لا ينفصل بالقضية الفلسطينية، ولا يمكن حلها بشكل منعزل عنها، وأخيرا أن الصلح المنفرد مع إسرائيل الذي يتجاهل المشكلة الفلسطينية يمكن أن يؤدي إلى نفور الفلسطينيين المقيمين في الأردن"(25).

وعندما وجد الملك حسين نفسه مستبعدا من المفاوضات السرية التي أدت إلى اتفاقية إعلان المبادئ بين إسرائيل ومنظمة التحرير أصبح عليه أن يعمل لكي لا يكون بلده على الهامش، ووقع الأردن سريعا مشروع جدول الأعمال الذي يدور حوله التفاوض مع إسرائيل، ثم قرر الملك في شهر يوليو 1994 الإسراع في التفاوض الثنائي مع إسرائيل ورفع مستواه إلى مستوي القمة التي انعقدت في البيت الأبيض في واشنطن بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين وبرعاية الرئيس بيل كلينتون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

يتبين مما سبق أن الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية) هو أكثر الدول العربية تأثرا في جانب أمنه (القومي) بعنصر اللاجئين الفلسطينيين، وهو العنصر الذي يدخل في تكوين كافة مجالات تشكيل الدولة، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية أو حتى عسكرية، وكذلك في مجال العلاقات الخارجية الدولية للأردن، وهو ما يجعل الملك وأي قيادة أردنية تضعه في اعتبارها عند تحديد أي سياسة واتخاذ أي خطوة.

وبينما يمكن لأي دولة عربية الاكتفاء بالمطالبة بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، وترك الفلسطينيين للتفاوض حول هذا الموضوع. فإن الأردن (ومن بعده لبنان) ليس في إمكانه أن ينعزل عن أي مفاوضات خاصة بتحديد مستقبل اللاجئين، ذلك أنه مهما كانت أشكال الحل المقترح بالسلم أو بالحرب فإن الأردن كدولة معرض لهزة كبيرة إذا لم يكن مشاركا في آليات التنفيذ.

وهناك اتفاق بين الأطراف الثلاثة المعنية، الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل على قيام كونفدرالية أردنية فلسطينية، ولكن تفاصيل مثل هذا الإطار لم يتم الاتفاق عليها بعد. وبينما يؤجل الطرفان الأردني والفلسطيني مناقشة شكل الكونفدرالية المقبلة مؤسسيا من الناحية السياسية فإن المفاوضات حول العلاقات الاقتصادية بينهما وبين كل منهما وبين إسرائيل تشهد تحركات واتصالات متوترة أحيانا مع محافظة كل طرف على عدم قطع القنوات والمفاوضات.

الأردن يخشى تحول المساعدات الدولية لسلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، ويخشى تحول رؤوس الأموال إلى هناك.. في الوقت نفسه ترغب إسرائيل في أن تمر هذه الاستثمارات والمعونات من خلال مؤسساتها وشركاتها. كما يخشى الأردن أن تتحول مدخرات الفلسطينيين المقيمين على أرضه إلى مناطق الحكم الذاتي المؤقت ويحرم هو منها، فضلا عن أنه ليس من المتوقع عودة عدد كبير من الفلسطينيين إذا ما تم الاتفاق على العودة، والأرجح أن يختار الكثيرون الاحتفاظ بمنازلهم وربما بمشاريعهم في الضفتين معا وكان هذا واقعا قبل عام 1948 وتأكد في الفترة ما بين هذا التاريخ وعام 1967 بل وبعد ذلك.

من وجهة نظر إسرائيل فإن تصوراتها في هذا الشأن تسير في اتجاه أن الاتفاق بين منظمة التحرير وإسرائيل هو أساس السلام والتنمية، ولكن هذا الأساس مفتوح لكي يضم الكيان الفلسطيني والأردن وإسرائيل حتى أن بعض الدراسات تقترح إنشاء منطقة تجارة حرة بين الثلاثة.

يقول ستانلي فيشر (وهو نائب الرئيس السابق وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي ورئيس إدارة الاقتصاديات في معهد ماسا شوستس للتكنولوجيا) في دراسة أشرف عليها لحساب ذلك المعهد واستخلص منها بحثا بعنوان "تحقيق الرخاء الفلسطيني": إن المهم هو التعاون الاقتصادي الإقليمي الذي ستحدده ترتيبات التجارة، وهو يوصي "بإقامة مؤسستين إقليميتين جديدتين: معهد بحوث الشرق الأوسط لإجراء بحوث السياسة ومصرف إقليمي جديد: بنك الشرق الأوسط للتعاون والتنمية، ويتمثل الهدف الأساسي لهذا البنك في تنمية المشروعات الإقليمية التي تضم الاقتصادات الأردنية والفلسطينية والإسرائيلية"!!(26).

ويظل الباب مفتوح أمام احتمالات عدة لمستقبل الأردن، فإذا لم تتم تسوية شاملة ترضي الفلسطينيين (أغلبية المقيمين على الضفة الشرقية للأردن) فإن النظام الأردني سيواجه خطر قيام تحالف بين الفلسطينيين الغاضبين والقوى الإسلامية الرافضة وهو تحالف يمكن أن يطيح بالملك والنظام الملكي ويغير جوهر الكونفدرالية المقترحة عند تنفيذها. وهذا الاحتمال تخشاه إسرائيل أيضا التي قد تكتشف عودة النفوذ الإسلامي إلى داخل الأراضي الفلسطينية من بوابة الأردن.

وهناك احتمال آخر أن لا تتم التسوية على نحو يرضي الجارين الكبيرين للأردن وهما سوريا من جانب والعراق من جانب آخر، وعندئذ يتهدد الاستقرار الداخلي في الأردن خاصة إذا استمرت علاقاته متوترة مع المملكة العربية السعودية وهو توتر له أصول تاريخية قديمة.

وإذا تعقدت مفاوضات التسوية ولم يتم التوصل إلى تسوية شاملة في الشرق الأوسط، مع استمرار التوجه الإسرائيلي نحو التمدد اقتصاديا، أي مع استمرار التوجه الإسرائيلي الأمريكي لتجنب نشوب حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط فسوف تتخلى الولايات المتحدة وإسرائيل عن النظام الملكي الهاشمي، وقد يجري تقسيم الأردن وتوزيعه على سوريا والعراق والسعودية وفلسطين وهو مشروع قديم منذ أوائل السبعينيات أشار إليه بريجنسكي في حديث مع جيمس شيلزنجر عندما قسم شعوب المنطقة إلى بدو وغير بدو.

وفي كل الأحوال فإن اللاجئين الفلسطينيين في الأردن -الذين يشكلون ما يقرب من ربع اللاجئين الفلسطينيين في العالم وأكثر من ثلثي سكان الضفة الشرقية (الأردن)- سيكون لهم الدور الأساسي في كل تغيير؛ وهو ما يجعلهم عاملا أساسيا عند تشكيل كافة خطط المحافظة على الأمن القومي القطري الأردني.

اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي القطري للبنان:

يخشى لبنان ألا يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين فتظل قائمة على أرضه أو أن تحل بالتوطين وعندئذ يختل التوازن السكاني داخلها.

ويتميز لبنان عن غيره من الدول العربية فيما يتعلق بعلاقة أمنه القومي/ القطري بالأمن القومي العربي العام أو حتى بالأمن القومي دون الإقليمي حسب المستويات التي ذكرها الدكتور المشاط في كتابه نظرية الأمن القومي المعاصر، يتميز بالتداخل الشديد بين هذه المستويات الثلاثة بحيث يصعب إلى حد كبير الحديث عن مستوى واحد منها دون الحديث عن المستويات الأخرى، ويرجع ذلك إلى عوامل عدة منها، وأهمها: امتداد أرضه مع أرض فلسطين (كان جنوب لبنان وشمال فلسطين تحت ولاية واحدة في ظل الحكم العثماني)، واشتراك مياهه مع مياه شمال فلسطين (الليطاني وروافده ومصباته(27) وترابط سكانه بعلاقات أسرية وتشابههم حتى في المذاهب الدينية (مسلمون سنة، مسلمون شيعة، دروز، موارنة)، بالإضافة إلى أن المنطقتين (الجليل الفلسطيني وجنوب لبنان) مستهدفتان في كافة المشاريع الصهيونية. إلى جانب ذلك فإن وقوع البلدين على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط - حيث عرفت عبر التاريخ موانئ تفضي إلى طرق تعبر سلسلة الجبال نحو الشرق مثل حيفا في فلسطين وصور وصيدا وطرابلس في لبنان- جعل البلدين يتأثران كثيرا من الناحية الحضارية والثقافية بالحملات والقوافل التجارية القادمة من أوربا.

وفي العصر الحديث وبعد عام 1948 وإرساء خط وقف إطلاق النار واعتباره خط الهدنة في عام1949، واستقبال لبنان لعشرات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين، وازدياد عدد هؤلاء اللاجئين مع مرور الزمن واستقرارهم فيما يقرب من خمسة عشر مخيما للاجئين، بل وخارج المخيمات، ازداد ارتباط الأمن القومي/ القطري اللبناني بالأمن القومي العربي العام وبالأمن القومي الفلسطيني والسوري بشكل خاص. ودفع لبنان كدولة وكشعب ثمنا فادحا بسبب هذا الصراع خاصة بعد أن انتقلت قوات منظمة التحرير الفلسطينية وقيادتها إلى جنوب لبنان وإلى بيروت العاصمة منذ 1969.

منذ ذلك التاريخ، وخاصة بعد 1971 وتوقف النشاط الفدائي عبر نهر الأردن وانتقال كل النشاط إلى جنوب لبنان وهذه المنطقة تشهد حربا متواصلة لا يكاد يمر أسبوع -وأحيانا كل يوم- دون أن تقوم قوات الاحتلال الإسرائيلي بقصف القرى والمخيمات الفلسطينية واللبنانية ليس فقط في الجنوب وإنما أيضا في شمال لبنان وشرقه حيث توجد بعض المخيمات الفلسطينية وحول بيروت العاصمة نفسها.

لقد بلغت هذه الحرب المتواصلة ذروتها في صيف عام 1982 عندما قام الاحتلال الإسرائيلي باجتياح جنوب لبنان والاشتباك مع الجيش السوري في منطقة البقاع وواصل حصار بيروت العاصمة ثم اقتحمها بعد ثلاثة أشهر لتكون العاصمة العربية الأولى والوحيدة التي احتلها (إذا استثنينا مدينة القدس الشريف التي لا تعتبر من الناحية الرسمية عاصمة عربية حتى الآن). ثم انسحب ليواصل احتلاله لشريط حدودي يسيطر عليه منذ عام 1978 ويديره عن طريق فرقة عسكرية لبنانية محلية يطلق عليها اسم جيش جنوب لبنان، ولا تزال هذه الحرب اليومية مستمرة حتى الآن بحيث يمكن القول بأن ما بقي من أشكال الصراع المسلح بين العرب والاحتلال الإسرائيلي هو في لبنان فقط.

في كل هذه الحرب المتواصلة يلعب اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أدوارا مباشرة تتراوح ما بين أن يكونوا عاملا مؤثرا في التوازن الداخلي وما بين أن يقوموا هم كمجموعة بشرية متميزة بالمواجهات المسلحة ضد إسرائيل وجيشها، منفردين أو متحالفين مع مجموعات لبنانية مختلفة كانت في أغلب الأحوال من المسلمين بطائفتيهم ولكنها كانت في بعض الأحوال تضم مجموعات من الطوائف الدورزية والمسيحية الأخرى، بل إن هذا التحالف اعتمد في فترة من الفترات (1985- 1987) على تحالف مباشر مع القوات اللبنانية في مواجهة القوات السورية من جانب والإسرائيلية من جانب آخر(28).

وفي لبنان أيضا لا يمكن دراسة مفاهيم الأمن القومي الخاصة به دون البحث عن الدور العربي الخارجي، وتأثيره ليس فقط في التوازنات الداخلية، وإنما أيضا في الترتيبات المؤسسية الداخلية. وإذا كان للدور السوري بحكم الجوار الجغرافي والروابط الاقتصادية بل والبشرية دور واضح مسلم به من جميع الطوائف في لبنان، وإذا كانت عروبة لبنان بالرغم من رفض بعض اللبنانيين للفكرة هي أيضا مسلم بها من جميع القوى والطوائف مع اختلاف رأيين أحدهما يرى أن لبنان عربي والآخر يرى أن لبنان ذو وجه عربي(29)، فإن الظروف الداخلية في لبنان والتزامه بقواعد السوق الحرة واقتصاد الخدمات والسياحة أعطى فرصا كثيرة لكل الدول العربية المعنية سواء بالصراع ضد إسرائيل أو بالصراع فيما بينهم لأن تقيم لها مؤسسات اقتصادية وإعلامية وخدماتية تعمل من خلالها على الساحة اللبنانية.

في مثل هذا الوضع عاش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، وكانوا حتى عام 1969 محرومين من أي نشاط سياسي علني داخل وخارج المخيمات ومحكومين بسلطة المكتب المعروف بالمكتب الثاني اللبناني. ومنذ عام 1969 وبعد توقيع اتفاق القاهرة بين منظمة التحرير الفلسطينية ولبنان حول تنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في منطقة الجنوب، وحول العلاقة بين فلسطينيي المخيمات والدولة انطلق النشاط الفلسطيني ليصل إلى ذروته إلى أن أخرجت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان والعاصمة بيروت ثم إخراج القيادة الفلسطينية مرة أخرى على يد الجيش السوري من طرابلس في الشمال ثم إخراج من تبقى من قوات موالية للمنظمة في مخيمات بيروت بعد حرب المخيمات (1985 - 1978) ليقتصر تأثيرهم الفعلي اليوم على المنطقة من مدينة صيدا حتى مدينة صور، حيث تجري التحالفات غير المعلنة أحيانا مع مجموعات المقاومة الإسلامية، ومجموعات قومية وتقدمية أخرى في ظل سيطرة مباشرة أو غير مباشرة للأجهزة الأمنية السورية وأجهزتها.

وكما يتميز لبنان بين الدول العربية بتركيبته وظروفه فإن مجموعة اللاجئين الفلسطينيين المقيمين على أرضه يتميزون عن باقي اللاجئين الفلسطينيين في جوانب عدة، أهمها في مجال بحثنا هذا دورهم النشط في الصراع، وكذلك مستقبلهم إذا ما تمت التسوية وتوقف العنف المسلح على جبهة لبنان الجنوبية مع قوات الاحتلال الإسرائيلي.

بالنسبة للمجموعات الأخرى من اللاجئين الفلسطينيين فإنها جميعا قد تجد حلا مناسبا لها إما بالعودة إذا تم الاتفاق على ذلك.. أو بالتجنس بجنسية الدولة المضيفة، وهو أمر ممكن بالنسبة لبلاد عربية عدة.. أو بالحصول على حق المواطنة من الدولة الفلسطينية مع الاستمرار بالإقامة في البلد المضيف حسب القوانين المعمول بها في الإقامة والعمل بينما اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ليست لديهم فرص كبيرة في أي من الاقتراحات السابقة.. فهم في مجموعهم من لاجئي عام 1948 أي من الذين تأجل بحث مصيرهم إلى المرحلة النهائية في عملية المفاوضات الجارية وحتى عندئذ فهم في معظمهم من المدن والقرى الساحلية في فلسطين كذلك ليس من المتوقع أبدا أن يحصلوا على الجنسية اللبنانية؛ إذ إن تكوين لبنان المؤسسي والطائفي يجعل مقاومة مثل هذه الخطوة ليست مقصورة فقط على المسيحيين الموارنة بل وعلى أجزاء من الطوائف الأخرى أيضا(30). وبعد توقيع اتفاق أوسلو (إعلان المبادئ في واشنطن 13 سبتمبر 1993) صرح جميع القادة اللبنانيين بأنهم يرفضون توطين الفلسطينيين في لبنان.

حتى الاقتراح بالحصول على حق المواطنة من الدولة الفلسطينية المقبلة والإقامة في لبنان ليس ممكنا.. ففي لبنان الآن مشكلة بطالة خاصة بين الجنوبيين وهو لم يعد في حاجة لأيد عاملة رخيصة كما كان الحال في الخمسينيات، وكذلك فإن القيادات اللبنانية تخشى باستمرار قيام تحالف بين الفلسطينيين وبين هذه القوى السياسية أو الطائفية أو تلك في لبنان مما يخل "باللعبة السياسة الداخلية"!!!

ومما يزيد من محنة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أن إسرائيل بدورها ترفض توطينهم هناك إذ إن بقاءهم، وخاصة في منطقة الجنوب معناه قيام منطقة فلسطينية لبنانية عربية تمتد من حيفا إلى صيدا بينها مصالح وأواصر قربى مما سيرجح الطابع العربي لمنطقة الجليل في شمال فلسطين المحتلة عام 1948، وهو ما لا تتحمله قوات الاحتلال الإسرائيلية ولقد ثبت أن أحد أهداف الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982 كان هو تفريغ لبنان من الفلسطينيين. ولقد أعلن شارون وقتذاك صراحة أن أهداف الحملة هي تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية في المخيمات كما صدرت الأوامر لقوات الاحتلال الإسرائيلي بأن ادفعوهم -أي الفلسطينيين- شرقا نحو البقاع الشرقي اللبناني والسوري.

هناك اقتراحات "بنقل" اللاجئين الفلسطينيين من لبنان إلى شمال سوريا أو إلى العراق، بل إن البعض يقترح نقلهم إلى غور الأردن تحت سلطة الحكم الذاتي وهو اقتراح يتنافى مع طبيعة هؤلاء اللاجئين الفلسطينيين الساحلية. وهناك محاولات مستمرة لتشجيع أعداد كبيرة منهم -خاصة المسيحيين- على الهجرة إلى دول شمال أوربا الإسكندنافية وإلى كندا وأستراليا.

بل إن بعض اللبنانيين يقدر أن لبنان كان هو الخاسر الأول من الصراع العربي الإسرائيلي بسبب وجود الفلسطينيين فيه، وقد ظهرت مؤخرا دعوات بطلب تعويضات دولية عن هذه الخسائر يقول أصحابها: "لا بد من الحصول على التعويضات من الخارج عن الأضرار التي تحملناها من جراء تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة حرب في الصراع العربي - الإسرائيلي دون إرادة الدولة".

فضخامة الهجمات العسكرية الإسرائيلية ضد الأراضي اللبنانية انتقاما من الهجمات الفلسطينية المتقطعة انطلاقا من الأراضي اللبنانية هي التي خلقت حال الانقسام الذي بدا سياسيا وتحول طائفيا بسبب التدخلات التي ظهرت في شئون لبنان الداخلية من كل الأطراف المعنية بالصراع العربي - الإسرائيلي(31).

في كل حال من الأحوال تظل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مجمدة إلى حين تتحرك عجلة التفاوض السورية اللبنانية مع إسرائيل، والأرجح أن التوجه السوري بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبشأن العلاقة السورية اللبنانية هو الذي سيحكم مصيرهم.

اللاجئون الفلسطينيون والأمن القومي/ القطري السوري:

مع أن عدد الفلسطينيين الذين لجئوا إلى سوريا قليل بالنسبة لمجموع عدد اللاجئين الفلسطينيين وهم أقل من أولئك المقيمين في لبنان، كما أن عددهم لا يزيد على سُبع أولئك الذين لجئوا إلى الأردن إلا أنه وبسبب العلاقات التاريخية بين سوريا وفلسطين والدور الذي لعبته دمشق كعاصمة عربية بعد انهيار الدولة العثمانية، وسابقة لجوء القيادات الفلسطينية المجاهدة إليها والانطلاق منها إلى فلسطين في المعارك ضد الغزو الصهيوني والاحتلال البريطاني، فإن هذه المجموعات من اللاجئين تضم فيما بينها عناصر مجاهدة ومناضلة ذات تاريخ كمن تبقي من جماعات الشيخ عز الدين القسام ومن تبقى من جيش الإنقاذ الذي قاده فوزي قاوقجي وغيرهم.

ولقد لعب هذا التكوين الخاص دوره في تسييس مجموعات اللاجئين التي لجأت سوريا من الجليل الأعلى الفلسطيني المحتل عام 1948 وساعد على ذلك الأجواء السياسية العروبية ووجود أحزاب قومية قديمة وحديثة نشطة عملت وما تزال تعمل بين اللاجئين ولم يتراجع دورها إلا بعد ظهور المنظمات الفلسطينية "المستقلة" ومن بعد توتر العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية والقيادة السورية المنتمية إلى حزب البعث ثم الاشتباكات التي وقعت بين قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان والجيش السوري والتي ظلت مستمرة بشكل منقطع حتى انتهت بإبعاد رئيس منظمة التحرير الفلسطينية من دمشق في أواخر عام 1982، وإرغامه على الخروج من طرابلس في لبنان في أواخر عام 3891 ثم حصار مخيمات بيروت (1985 - 1987) وإرغام أنصار منظمة التحرير الفلسطينية على الانسحاب منها إلى مخيمات جنوب لبنان. كل ذلك أدى إلى تراجع دور اللاجئين الفلسطينيين في سوريا الذين انحاز معظمهم إلى خط القيادة الفلسطينية وأن تكتموا في ظل الحكم القائم الإعلان عن رأيهم.

ومنذ حرب أكتوبر عام 1973، وخاصة بعد توقيع اتفاقية فصل القوات السورية الإسرائيلية في عام 5791 والتزام القيادة السورية بعدم انطلاق أي عمليات فدائية من الحدود السورية ضد إسرائيل اختفت تماما أخبار العمليات الفدائية التي كانت تحدث منذ سنوات عام 1949 حتى سنوات 1973 وإن لم يتوقف تجنيد اللاجئين الفلسطينيين في اللواء العسكري الخاص بجيش التحرير الفلسطيني والخاضع للقيادة العسكرية السورية كما لم تتوقف المنظمات الفلسطينية الصغيرة الرافضة للقيادة الفلسطينية الشرعية في منظمة التحرير الفلسطينية عن تجنيد مجموعات من الشباب في حدود أعداد قليلة والحاقها بأجهزتها الخاصة.

والمتابع لدور اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يلحظ أن هذا الدور قد وصل إلى ذروته ثم بدأ يتراجع منذ بداية السبعينيات عندما بدأت قيادة سوريا تضيق على كافة النشاطات الجماهيرية الفلسطينية والسورية أيضا، ووضعت قيودا كثيرة على حركة المنظمات الفدائية، وبخاصة في الجانب العسكري ثم أخذ هذا المنحنى في الهبوط وخضعت كافة أشكال النشاط الفلسطيني لتعليمات القيادة السورية وقيودها باستثناء التشييع الحاشد لجنازة القائد الفلسطيني أبو جهاد خليل الوزير في 19/4/1988.

في المرحلة الأولي كانت إسرائيل تتهم القيادة السورية بأنها هي التي تحرك المزارعين الفلسطينيين في المناطق المنزوعة السلاح شمال شرقي بحيرة طبرية للقيام بأعمال "تخريبية" مستدعية ردود انتقامية، وكان الجانب السوري يتهم إسرائيل بأنها تدفع بقوات عسكرية إلى هذه المنطقة وتطرد سكانها وإن ذلك هو مصدر التوتر. وكان مراقبو الأمم المتحدة يسجلون ذلك في تقاريرهم، وفي الفترة السابقة على حرب يونيو عام 1967اتهمت إسرائيل القيادة السورية بتحريض مجموعات من اللاجئين الفلسطينيين على القيام بعمليات فدائية، كما اتهمتها بأنها تأوي في دمشق منظمات فلسطينية تقوم بمثل هذه العمليات، وأنها تسلحها وتدربها، وتصاعدت حدة التوتر في ذلك الحين، حتى قامت إسرائيل بهجومها العسكري على الجبهة المصرية والجبهة السورية والضفة الغربية من الأردن واحتلت سيناء والجولان وباقي أراضي فلسطين غربي نهر الأردن.

في المرحلة الثانية، وبخاصة بعد عام 1970 تراجع دور اللاجئين الفلسطينيين في سوريا بسبب التحكم الدقيق للسلطات السورية، وفي الوقت نفسه محاولة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها تجنب الصدام مع القيادة السورية بتحريك أي مجموعات فدائية عبر الخطوط السورية أو من اللاجئين الفلسطينيين.

بذلك يكون دور اللاجئين الفلسطينيين في سوريا في هذا الجانب من الصراع العربي الإسرائيلي قد تراجع عن إفراز قيادات ومنظمات فاعلة نشطة إلى ورقة تستعملها القيادة السورية في إدارة هذا الصراع، بل واستعمالهم في إدارة نزاعها مع القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وفي المرحلة الحالية التي يدخل فيها النزاع العربي الإسرائيلي كله مرحلة من التفاوض الثنائي وتمتنع القيادة السورية ومعها القيادة اللبنانية عن الاشتراك في أعمال المفاوضات المتعددة بما فيها لجنة شئون اللاجئين، فإن دور اللاجئين الفلسطينيين في سوريا يبدو مجمدا ولا يزيد على كونه ورقة في جيب القيادة السورية لكي تستعملها في الوقت الذي تراه مناسبا لها إما للضغط على منظمة التحرير الفلسطينية وعرقلة أي اتفاق بينها وبين إسرائيل حول هذا الموضوع، أو للمساومة مع إسرائيل أثناء المفاوضات الثنائية فيما بينهما.

الحكم الذاتي الفلسطيني واللاجئون الفلسطينيون:

بوصول عملية التسوية إلى مرحلة التنفيذ العملي لاقامة سلطة حكم ذاتي على قطاع غزة ومنطقة أريحا، واحتمال استكمال ذلك على كل أراضي الضفة الغربية المحتلة.. تعود إلى الظهور وبشدة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الموجودين داخل فلسطين المحتلة والذين يحتشد معظمهم في قطاع غزة كما يقيم الباقون في مخيمات الضفة الغربية.

ويثور السؤال حول ما هو مطروح بالنسبة لهؤلاء وعما إذا كان قرار 194 الخاص بالعودة والتعويض ينطبق عليهم أم لا ينطبق، خاصة أنهم جميعا مسجلون في سجلات غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، ومعظمهم يعتمد إلى حد كبير على ما تقدمه من معونات ورعاية.

وما دامت قضية اللاجئين بشكل عام مؤجلة إلى المرحلة الثانية من المفاوضات فإن الإجابة على هذا السؤال تبدو غير ملحة. ولكن هناك اقتراحات يحظى بعضها بإجماع الأطراف بضرورة البدء في تحسين الأحوال المعيشية للاجئين ومخيماتهم كواجب إنساني أو كخطوة أولى في مخطط تسوية بعيد المدى. وهنا يثور السؤال: هل لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مناطق الحكم الذاتي نصيب في هذه المشاريع أم لا؟

وقد يمكن التحايل على الإجابة بإدماجهم في المشروعات العامة للتنمية والتطوير التي يجري إعدادها والتي سيتم تمويلها من الدول المانحة دوليا ومن البنك الدولي دون تحديد "موقعهم القانوني"، ولكن القفز -أو تأجيل تحديد هذا الموقع القانوني- لن يحل المشكلة فلهم على أي حال اختيار حق التعويض عن ممتلكاتهم وأموالهم التي ضاعت ويمكن بإضافة هذه التعويضات على أموال المساعدات والمعونات المقدمة لمناطق الحكم الذاتي تخفيف معاناتهم وتسهيل اشتراكهم في الحياة على قدم المساواة مع الفلسطينيين غير اللاجئين.

ومن المفارقات أن الاستقرار السياسي المترتب على إقامة سلطة الحكم الذاتي، أي الكيانية الفلسطينية والذي من شأنه أن يجعل الإسرائيليين يفكرون في أن ذلك حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين إذ تنتفي في هذه الحالة شبهة التوطين خارج الوطن، يمكن أن يؤدي -أي هذا الاستقرار السياسي- إلى تعميق عوامل الاحتكاك والصراع بين إسرائيل وفلسطين. وقد أبدى هذه الملاحظة منذ 5 سنوات تقريبا كاتب متخصص في شئون الشرق الأوسط شارك في ندوة دولية انعقدت في لندن حول اللاجئين وغير اللاجئين الفلسطينيين في الضفة الغربية ونشرت وقائعها في مجلة دراسات اللاجئين.

يقول دافيد مكدال في بحثه المعنون صورة للسكان في الضفة الغربية وغزة: "تقدر إسرائيل أن المتطلبات العملية تعني أنه لا يمكن عودة أي لاجئين. ومع ذلك فربما كان عليها أن تختار بين أن تعيش بجوار كيان فلسطيني لا يمكنه واقعيا ضمان الاستقرار أو العلاقات السلمية داخل حدود خط الهدنة عام 1994، وبين أن تعدل هذا الخط لتوفر للسكان اللاجئين مساحة تسمح برمزية العودة وضمان شروط معقولة للحياة يمكن أن تضمن لإسرائيل الأمن على المدى الطويل".

وتكشف هذه الملاحظ المبكرة عن التغير المتوقع والضروري في تصور مفهوم الأمن القومي/ القطري الفلسطيني بعد بدء تنفيذ اتفاقية غزة- أريحا أولا وإقامة سلطة الحكم الذاتي على الأرض الفلسطينية؛ إذ إن ذلك معناه دخول عوامل جديدة في تقدير المواقف الفلسطينية، وفي تقدير التهديدات التي يتعرض لها هذا الكيان الفلسطيني الجديد، وقد أصبح من بينها تهديد داخلي نابع من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السيئة لمئات الآلاف من اللاجئين الذين يتوقعون من السلطة الجديدة تحسين أحوالهم والذين تتزايد توقعاتهم لتحقيق الجانب السياسي من مطالبهم وأحلامهم التي عاشوا بها منذ نصف قرن تقريبا.


* نقلا عن مجلة آفاق بتصرف من المحررة

1) عبد الوهاب كيالي - موسوعة السياسة - مؤسسة الدراسات العربية.

2) عبد المنعم المشاط، نظرية الأمن القومي العربي المعاصر دار الموقف العربي القاهرة 1989 ص29.

3) الأمانة العامة جامعة الدول العربية نشرة موزعة على الأعضاء غير منشورة القاهرة 21/7/1993.

4) علي الدين هلال الوحدة والأمن القومي العربي السنة الثانية العدد 11، 12 سبتمبر 1979، ص100، نقلا عن عبد المنعم المشاط نظرية الأمن القومي العربي المعاصر دار الموقف العربي 1989، ص29.

5) علي الدين هلال تحديات الأمن القومي في العقد القادم عمان منتدى الفكر العربي إبريل 1986.

26-27 نقلا عن إجلال رأفت الأمن القومي العربي ومنطقة القرن الأفريقي مركز البحوث والدراسات السياسية سلسلة بحوث سياسية 65 كلية الاقتصاد جامعة القاهرة مايو 1993 ص 38.

6) إجلال رأفت الأمن القومي العربي ومنظمة القرن الأفريقي المصدر السابق.

7) حامد ربيع نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط دار الموقف العربي القاهرة 1984.

8) عبد المنعم المشاط نظرية الأمن القومي العربي المعاصر مصدر سبق ذكره 31-33.

9) عبد العظيم رمضان أكذوبة الأمن القومي العربي الأهرام القاهرة9/4/1994

10) عبد المنعم المشاط حقيقة الأمن القومي العربي الأهرام القاهرة 14/4/7994 ص44

11) عبد المنعم المشاط نظرية الأمن القومي العربي العاصر مصدر سبق ذكره ص44 .

12) عبد المنعم المشاط مصدر سبق ذكره ص51.

13) المصدر السابق ص51.

14) المصدر السابق 53.

15) المصدر السابق ص54.

16) يطلق على هؤلاء الذين تركوا فلسطين أثناء وبعد حرب عام 1967 اسم النازحين تمييزا عن اللاجئين الذين تركوها عام 1948. وقد أصدر مجلس الأمن قرار خاصا بالنازحين هو القرار 237 (1967) يقضي بعودتهم إلى ديارهم فورا.

17) عبد المنعم المشاط مصدر سبق ذكره.

18)الحياة اللندنية4/5/1994,.

19) الأهرام القاهرة 11/5/1994. ص6.

20) جوزيف ألفر هموم إسرائيل الأمنية في عملية السلام إنترناشيونال إفريز مجلد 7 رقم 102 إبريل 1994 الإنجليزية.

21) لورانس تال نهاية الأردن نشرة ترجمات سياسية عدد 4،1994 مترجمة عن فصيلة فورين إفريز مجلد 73 عدد 25 نوفمبر ديسمبر 1993 مركز التخطيط الفلسطيني م. ت. ف. تونس 1994.

22) المصدر السابق.

23) المصدر السابق .

24) جلين فرانكل الحرب الأخرى في الشرق الأوسط الصراع حول القيم واشنطن بوست 24 فبراير 1991(ترجمة خاصة)

25) لورانس تال نهاية الأردن مصدر سبق ذكره.

26) ستانلي فيشر تحقيق الرخاء الفلسطيني ترجمات سياسية 10/1994 ترجمة عن فورين بوليس عدد 93 شتاء 93/1994 مركز التخطيط الفلسطيني م. ت. ف. تونس إبريل 1994.

27) انظر أسعد رزوق إسرائيل الكبرى دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني بيروت لبنان منظمة التحرير الفلسطينية مركز الأبحاث 581-ص 593،1968 .

28) انظر للمزيد من ذلك كريم بقرادوني لعنة وطن من حرب لبنان إلى الخليج بيروت لبنان عبر الشرق للمنشورات بلا تاريخ ص 157، 187.

29) المصدر السابق.

30) جوروج قرم لبنان لماذا لا يطالب بتعويضها عن الأضرار التي لحقت به من إجراء الصراع العربي الإسرائيلي الحياة الدولية 17/9/1993.

31) يتحدث بقرادوني في كتابه "لعنة وطن" عن مذكرة قدمتها القوات اللبنانية (الكتاب) لوزارة الخارجية الفرنسية جاء فيها "إن اللبنانيين يرفضون قطعيا أي مشروع يهدف إلى توطين الفلسطينيين في لبنان" بقرادوني، المصدر السابق، 167.

الأخبار
شؤون سياسية
صفحات وملفات خاصة
ساحة الحوار
حوارات حية
بنك الفتاوى
اسألوا أهل الذكر
استشارات دعوية
استشارات الزكاة
حدث في العام الهجري

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع