نجمة داود تتمزق في إسرائيل
جلال
الدين عز الدين**
تعاني إسرائيل أزمة هوية
شاملة تتصل بطبيعة تكوينها كخليط من
السكان الشرعيين (الفلسطينيين) الذين
تبقوا في الأراضي المحتلة في 1948م التي
قامت عليها الدولة، ومجموعات المستوطنين
المهاجرين من مناطق مختلفة من العالم،
الذين جاء كل منهم بخلفية ثقافية وحضارية
متميزة. وإذا كانت الأيديولوجية
الصهيونية قد استثنت فلسطينيي 48 من عملية
الدمج في الأطر الثقافية والسياسية
الصهيونية، نظرًا إلى طبيعتهم الخاصة
كأقلية ليست عادية، لكونهم أصحاب الحق
الأصيل في فلسطين، ولكن بسبب الوجود
الإسرائيلي تحول أصحاب الحق بالقوة إلى
أقلية مقهورة بحكم الأمر الواقع المرير،
وهي مختلفة لغويًّا وحضاريًّا ودينيًّا
عن الأغلبية الغازية، فإن الصهيونية قد
فشلت أيضا في صهر الجماعات اليهودية
المختلفة التي تتكون منها الأغلبية
الغازية، رغم مرور أكثر من خمسين عامًا
على إنشاء إسرائيل، وبوجه خاص مجموعتين
عرقيتين هما اليهود الشرقيون (يهود
العالم الإسلامي) والروس، مع اختلاف
أسباب عدم انصهار كل مجموعة.
أزمات
هوية متعددة
فمن ناحية، يمثل اليهود
الشرقيون (حوالي نصف اليهود في إسرائيل)
حضارة مختلفة تمامًا عن الحضارة
الغربية، لم تنتج على مرِّ تاريخها مدارس
فكرية وأيديولوجية صهيونية، على غرار
اليهود الغربيين (يهود أوروبا وأمريكا)؛
لأنها لم تتعرض لما تعرض له اليهود في
أوربا من معاناة واضطهاد، وتنطلق من
منطلقات مذهبية وحضارية شرقية، وهو ما
يؤكد انتماء الصهيونية إلى التشكيل
الحضاري الغربي، وعدم تمثيلها لليهود في
العالم كما تدعي!!!.
وأما اليهود الروس (ويقصد بهم
قرابة مليون مستوطن هاجروا إلى إسرائيل
خلال عقد التسعينيات على أثر انهيار
الاتحاد السوفييتي) فقد وصلوا إلى
إسرائيل وهي في حالة تفكك أيديولوجي،
واعتراف بواقع التعددية التي فشلت
الصهيونية في صهرها في بوتقة واحدة، ومن
ثَم فقد وصلوا إلى بيئة ممهدة للاعتراف
بهم كقومية جديدة متميزة لغويًّا
وثقافيًّا عن بقية السكان، وكان
انصرافهم عن الأحزاب القائمة وتشكيل
قوائم وأحزاب روسية خاصة بهم - إضافة إلى
مئات المؤسسات الثقافية والإعلامية
الروسية - دليلاً على البيئة التعددية
الإثنية الجديدة التي حلت محل الفراغ
الأيديولوجي الذي خلفه سقوط
الأيديولوجية الصهيونية، رغم كون هؤلاء
من أكثر المدافعين عن الصهيونية في
مواقفهم الحزبية، ومن أشد المستوطنين
تطرفًا في مسائل الأمن القومي كعملية
التسوية، ليس لإيمان بهذه الأيديولوجية،
ولكن لإثبات الولاء للوطن الجديد، وأنهم
لا يقلون انتماء للأيديولوجية التي قامت
عليها الدولة. وهذا الرياء وسيلة لإدارة
الصراع مع المجموعات السكانية المستقرة
التي بدورها - وإن رحبت بهذا المدد
اليهودي - نظرت إليهم بحسد على ما بدا
أنهم يمنحونه من مميزات وتدليل على
حسابهم، أو أنكرت عليهم وجودهم أصلاً
باعتبار أنهم غير يهود، وهذا موقف التيار
الديني الأصولي (الشرقي في معظمه) الذي
وصفهم بالأغيار، واعتبرهم رصيدًا
إضافيًّا للعلمانية (ولليهود الغربيين
أيضًا) في مواجهته، ومصدر تهديد للطبيعة
اليهودية للدولة التي يعرفونها تعريفًا
دينيًّا.
إذا كانت هذه هي الحالة العامة
لأزمة الهوية على المستوى الإسرائيلي من
الناحية الإثنية (وبالمثل من الناحية
الدينية، حيث تعتنق كل جماعة دينًا أو
مذهبًا مختلفًا عن الأخرى، وبعضها لا
يؤمن بأية ديانة)، فإنه من الممكن
الادعاء أيضا بأن كل جماعة من هذه
الجماعات: العرب، اليهود الشرقيين،
الروس، واليهود الغربيين غير الروس،
تعاني أزمة هوية خاصة بها، ناتجة من
الوجود في هذا الواقع الاستعماري
الاستيطاني المتناقض مع قيمها الأساسية،
الذي يفرض عليها تناقضًا فكريًّا
وسلوكيًّا بين الانتماء إلى الذات
الحضارية الأصيلة، وبين الاندماج في
الواقع القائم. الأمر الذي يمكن معه
الحديث عن أزمات هوية متعددة داخل
إسرائيل إلى جانب أزمة الهوية العامة.
فلسطينيو
48 بين الاندماج والانفصال
ويبدو أن أكثر هذه الجماعات
معاناة من هذه المعضلة هم العرب أو
الفلسطينيون في إسرائيل، فرغم أنهم هم
العنصر الطبيعي الوحيد في دولة شاذة
اجتماعيًّا وحضاريًّا (أي لا تنتمي إلى
محيطها الإقليمي وتمتد جذورها إلى الغرب
وحضارته)، فإنهم يبدون شاذين في هذا
النسق الاستعماري الذي تمثله إسرائيل
بحكم كونهم أقلية ذات طبيعة خاصة معادية،
ونتيجة لهذا الوضع، أصبح عليهم إما أن
يعلنوا رفضهم للدولة التي قامت على أنقاض
مجتمعهم، ويتعرضون من ثَم للنفي والقتل
كإخوانهم وآبائهم وأجدادهم، أو حتى
يتعرضون إلى المزيد من الإهمال والإذلال
داخلها، وإما أن يعترفوا بهذه الدولة
وكونهم جزءاً منها حتى ينالوا قسطًا من
مواردها، بما يحفظ حياتهم، وبقاءهم في
أرضهم، ويضمن لهم مستوى معقولاً من
الحياة اللائقة والتطور. وقد اختار معظم
أبناء الأقلية الفلسطينية في دولة
الاحتلال - وخاصة منذ نكسة 1967م - أن
يعترفوا بالدولة التي يعيشون فيها، وأن
يخضعوا لقوانينها المفروضة، ويحاولوا في
الوقت نفسه تغيير طابعها من خلال الكفاح
السياسي والثقافي من داخل هذه الدولة
ومؤسساتها، وعلى رأسها الكنيست
والمؤسسات الثقافية والإعلامية. وهو
صراع قاسٍ، يتعرض الفلسطينيون فيه
لاختبارات مريرة من اليهود المسيطرين
على مقاليد الأمور وخزائن الموارد حتى
يثبتوا أنهم لا يقلون ولاء للدولة من
اليهود، وتثار في هذا الشأن مشكلات عديدة
لعل أهمها مسألة تجنيدهم في الجيش كمعيار
لولائهم للدولة، وهو ما يعني دخولهم في
مواجهة مع إخوانهم من الفلسطينيين
والعرب في الضفة وقطاع غزة.
ومن جانبهم، يجاهد
الفلسطينيون في إسرائيل من أجل نيل
حقوقهم – كأفراد - من ميزانيات الدولة،
حيث تعاني مناطقهم الإهمال والظلم
والتمييز بشدة في توزيع الموارد،
انطلاقًا من أن الدولة هي دولة اليهود،
كما يجاهدون على المستوى القومي
باعتبارهم أقلية لها حقوق جماعية في
التميز الثقافي، وتعبِّر عنها مؤسسات
جامعة مثل لجنة المتابعة العليا، التي
تتشكل من قيادات سياسية عربية من مختلف
التوجهات، ويطالب بعضهم باستقلال ذاتي
ثقافي، وما شابه.
ولا يخفى أن هذه المشكلة
مرتبطة أساسًا باتخاذ الدولة كوحدة
تحليل، والنظر إلى فلسطينيي 48 كجزء من
الدولة الإسرائيلية متناقض مع الكل، وهو
أمر يبرز تناقض الدولة الإسرائيلية -وهذا
هو المقصود بالتحليل على هذا المستوى؛
لأنه يساعد في فهم سلوك هذه الدولة
والتنبؤ بمستقبلها- ولكنه لا يعبر بحال
عن شذوذ ذاتي في الفلسطينيين، إذا ما تم
النظر إليهم خارج إطار الدولة الضيق،
كجزء من الأمة العربية أو الأمة المسلمة
بشكل أعم، التي ابتليت بهذا الاختراق
الصهيوني لقلبها. ومن هذه الملاحظة يمكن
الالتفات إلى نتيجة هامة، وهي أن الأمة
إذا وَعَت نفسها كأمة وتصرفت على هذا
النحو، يمكنها استيعاب ذلك الاختراق
الصهيوني والقضاء عليه أو تذويبه، وإلا
فإن الدولة الإسرائيلية سوف تتمكن من
استيعاب الأقلية العربية في داخلها في
نهاية الأمر، بعد فصلهم عن الأمة، ولن
يتعدى التناقض العربي – اليهودي في ذلك
الكيان –حينئذ- كونه أحد التناقضات التي
يمكن التعايش معها، كالتناقض بين الروس
والمغاربة أو العلمانيين والمتدينين
مثلاً، على غرار ما يحدث في دول طبيعية
عديدة قائمة على التعددية الإثنية
والدينية، وليس تناقضا مفجرًا، وربما
تكون الهوية الإسرائيلية التي تجمع هذه
التناقضات بمثابة الحد الأدنى الكافي
لاستمرار ذلك الكيان.
وما يبدو هو أن إسرائيل تتجه
بالفعل إلى هذا الخيار، ولكن بحذر من
الحكم النهائي بموت الأمة العربية أو
المسلمة، والاطمئنان إلى أن فلسطينيي 48
صاروا بالفعل أقلية شاذة وليسوا جزءاً من
أغلبية كاسحة تحيط بها!
الصراع
على الرموز وتحلل الصهيونية
يعتبر الصراع على الرموز جزءاً من هذا
الصراع على الهوية، وما يرتبط بها من
مساواة في الحقوق المادية والمعنوية،
وخصوصًا في عصر سقطت فيه المطلقات
الأيديولوجية، وارتفعت فيه أصوات
الفردية وحقوق الإنسان، ولم يَعُد من
الممكن قمع حريات كالتعبير والتنظيم. وفي
هذا السياق، يطالب الفلسطينيون في
إسرائيل بتغيير علم الدولة الذي يحوي
رموزًا يهودية، واستبدال علم آخر به يحوي
النجمة والصليب والهلال، للتعبير عن
الديانات الثلاث في إسرائيل، كما
يطالبون بتغيير نشيد الدولة الذي يعبر عن
"تطلع الشعب اليهودي" إلى "العودة"
إلى القدس، كما يطالبون بتغيير مناهج
التعليم -والتاريخ خاصة- التي تظهر
فلسطين أرضًا بلا شعب، وتعتبرها ملك "الشعب
اليهودي"!!!، وغير ذلك من الأمور التي
لا تعبر عنهم كـ"مواطنين" في هذه
الدولة، وهي مطالب يتعاطف معها قسم محدود
من الأغلبية الغازية، وخاصة من تيار ما
بعد الصهيونية الناقم على هذه
الأيديولوجية لأسباب علمية وثقافية في
الغالب من قبيل أن الصهيونية فرضت
تاريخًا وثقافة مغايرَيْن للواقع،
وعمَّمتهما على اليهود لخدمة أهداف
أمنية، ولم تراعِ الحقيقة والموضوعية في
تنشئة الجماهير اليهودية. أو أنها فرضت
قالبًا واحدًا على الجميع، وكانت له آثار
سلبية على تطور الثقافة والفنون في
إسرائيل، وبخست فئات اجتماعية لم تحْظَ
بتمثيل مناسب في الرواية التاريخية
لإسرائيل مثل اليهود الشرقيين والنساء،
وأعلت شأن العسكريين على حساب العلماء
والمثقفين… إلخ، بحيث أصبحت البطولة
مرتبطة بالعنف والصراع، وليس بالإبداع
النافع في المجالات غير العسكرية،
بعيدًا عن الصراع ضد العرب، وهو أمر
انعكس على توزيع الموارد والمزايا
المادية والمعنوية لصالح قطاعات معينة
على حساب قطاعات أخرى. وفي هذا السياق
يأتي اقتراح مراقبة الدولة السابقة مريم
بورات (15 سبتمبر 2000م) صياغة نشيد ثانٍ
للتعبير عن الأقلية العربية في إسرائيل.
وبصرف النظر عن أن هذا الاقتراح يكرس
الانفصال بدلاً من أن يُوَحَّد
الإسرائيليين عربًا ويهودًا كما يقترح
البعض، وأنه صدر من شخصية لم تَعُد في
موقع المسئولية، فإنه يعكس حقيقة تزحزح
الموقف الصهيوني الذي يحتكر رموز الدولة
لليهود، وحالة السيولة السياسية
والفكرية في إسرائيل في هذه المرحلة.
ونتيجة لهذا الاتفاق بين
المواقف العربية وما بعد الصهيونية، نجد
أن موافقة نواب الكنيست على مشروعات
قوانين تتضمن مثل هذه المطالب تتجاوز
باطراد عدد النواب العرب في الكنيست (13
نائبًا حاليًا)، وإن كانت لا تصل أبدًا
إلى الأغلبية اللازمة لإقرارها. ويمكن
تفسير هذه الزيادة بأحد أمرين أو كليهما:
الأول وجود أقلية يهودية تساند هذه
المطالب من منطلق قناعتها بالهوية
الإسرائيلية وتغليب معيار المواطنة على
المعايير الدينية والإثنية اليهودية في
تعريف الإسرائيلي (تيار ما بعد الصهيونية)،
والثاني المساومات السياسية
البرلمانية، ومساندة نواب يهود لمثل هذه
المطالب مقابل تصويت النواب العرب
باتجاه معين، مع العلم بأن هذه المطالب
لن تحظى بالأغلبية اللازمة لتطبيقها في
النهاية.
وفي المقابل تحاول الاتجاهات
المتشددة في التمسك بالصهيونية (أقصى
اليمين) نزع الامتيازات التي حصل عليها
الفلسطينيون في إسرائيل على مرِّ السنين
في مجال الهوية، من قبيل اعتبار اللغة
العربية لغة رسمية ثانية في إسرائيل (وهو
ما تسعى إليه الأقلية الروسية أيضا
بالنسبة إلى لغتهم)، وتطالب بإلغاء ذلك
واعتبار اللغة العبرية لغة رسمية وحيدة
للدولة، وتنظر إلى تلك المطالب العربية
كنوع من التهديد للوجود الإسرائيلي الذي
لا يمكن السكوت عليه. وفي هذا السياق يأتي
رد الفعل الذي أبداه الحزب الديني القومي
(أي الصهيوني) مثلاً، على اقتراح مراقبة
الدولة السابقة المشار إليه، حيث اتهمها
شاءول يهلوم -وزير التعليم المستقيل من
حكومة باراك- بأنها "تشكك في الطابع
اليهودي للبلاد"، وقال: "إن إسرائيل
دولة يهودية، وليست دولة ثنائية القومية.
اليوم يقترح إعداد نشيد ثانٍ، وغدًا يمكن
أن يقترح نزع نجمة داود من علمنا"، وهو
اقتراح سبق التطرق إليه بالفعل في
الكنيست.
معضلة
الهوية وأزمة شرعية الوجود
وإذا كانت هذه المطالب تعبِّر
عن تمسك الفلسطينيين/ العرب في إسرائيل
بهويتهم ومحاولة تكريسها في مواجهة
سيادة المظاهر الصهيونية، فإنها تحمل من
جانب آخر أزمة هوية عميقة، تتمثل في
اندماجهم في الواقع الإسرائيلي، وإضفاء
الشرعية عليه من خلال الاندماج
والمشاركة، مقابل الحصول على بعض
المزايا المادية - كأفراد، أو حتى كجماعة
قومية على المدى البعيد - وتغيير بعض
الرموز، لكن دون تغيير إستراتيجي يمسُّ
جوهر الوجود والدور الإسرائيليين. وهي
معضلة لا يمكن الحكم عليها ببساطة في ضوء
حقيقة تعقُّد الصراع، بما يتضمنه هذا
التعقد من التباس المضمر والمعلن،
واختلاف آليات إدارة الصراع، وضرورات
الحفاظ على البقاء من جانب، ومن الجانب
الآخر التحول العميق الذي تشهده إسرائيل
باتجاه لا صهيوني يمكن أن تذوب فيه
إسرائيل بالفعل في محيطها -ليس العربي
بالضرورة- ولكن العالمي المتحول بدوره
تحولات جذرية، والذي يُعتَبر التمسك
بالصهيونية فيه ضربًا من الاستكبار عن
الواقع، وسوء التكيف. ويقودنا هذا
التحليل -شأن تحليل مختلف جوانب الواقع
الإسرائيلي- إلى معضلة إسرائيل الأساسية
المتمثلة في أزمة شرعية الوجود، وعجزها
عن تسوية تناقضاتها الداخلية في غياب
القبول العربي بوجودها، الذي يمكن أن
يجعل منها دولة طبيعية، ويسهل اندماج
الأقلية العربية والأغلبية اليهودية في
كيان إسرائيلي واحد ديمقراطي وغير
مُعادٍ لما حوله. وهو أمر يعتبره البعض
ممكننا، ويُعِدُّه البعض الآخر من قبيل
المستحيل.
تداعي
البنية الصهيونية
تبدو الصهيونية التي هزمتنا
نحن العرب والمسلمين في جولات كثيرة من
الصراع، وأقامت دولة استيطانية معادية
وعميلة للاستعمار رغم أنوفنا، وكسبت منا
معارك، قد شاخت وتداعت في نهاية القرن
العشرين، بل ويرى البعض أنها انتهت بمجرد
نجاحها في تحقيق هدف إقامة دولة إسرائيل.
ويؤكد مآل الداخل الإسرائيلي حقيقة
تداعي الصهيونية من زاوية أخرى، وهي
تداعي البنية الصهيونية التقليدية ممثلة
في المؤسسات الصهيونية العتيدة التي
أقامت الدولة، مثل: الكيبوتسات والأحزاب
الصهيونية، وتشظي البنية السياسية-
الاجتماعية في العقود الأخيرة وخاصة عقد
التسعينيات، مع هزيمة الصهيونية كإطار
جامع ومعمم للهوية، أو للرؤية الأحادية
للهوية، وهذا شأن داخلي يمكن تفسيره
بالتمردات الكثيرة من قبل الأقوام
الإسرائيلية، التي فُرِضت عليها
الصهيونية -كمشروع غربي- رؤيتها في إطار
إستراتيجية بوتقة الصهر، متجاهلة التعدد
القائم في البنية الاجتماعية
الإسرائيلية.
التوجه
الإقليمي والدور الإستراتيجي
إن ذلك التحليل البنيوي
الداخلي لا ينفصل عن السياقات الخارجية،
وشيوع ظاهرة ما بعد الحداثة، والاقتصاد
الليبرالي والعولمة، ومن هنا تبرز حقيقة
وضع إسرائيل كدولة تابعة لا تنفصل عن
سياق المشروع الغربي، فمن التدين إلى
الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ومن
التعاونية والاشتراكية (الكيبوتستات
والموشافات والهستدروت) إلى الليبرالية (الخصخصة
والاندماج في السوق الحر)، ومن النظام
الحزبي البرلماني إلى النظام الرئاسي أو
شبه الرئاسي (فصل انتخابات رئاسة الوزراء
عن انتخابات الكنيست)، ومن المركزية (الحزبين
القطريين الصهيونيين) إلى التعددية،
نقلات تعكس بوضوح تحول إسرائيل
اقتصادًيا وسياسيا واجتماعيًّا وثقافيا
من السمات الأوربية والتقليدية القديمة
التي ميزت الصهيونية، إلى الاندماج في
الأمركة في مختلف المجالات السابقة،
واتخاذ صيغة ما بعد حداثة تعددية ونسبية
وموضوعية إلخ.
البدائل
الإسرائيلية للهوية!!
بيد أن هذه الصيغة
الإسرائيلية للهوية هي إطار بحاجة إلى
مضمون وتوجه، لا يمكن تحديده إلا من خلال
موقع إسرائيل ودورها الإستراتيجيين،
وهنا تبدو أمام هذه الهوية ثلاثة بدائل
كما يتضح من الجدل الداخلي هناك هي:
- البديل الشرق أوسطي، وهو
بديل صعب بسبب تعثر عملية تسوية الصراع
العربي – الإسرائيلي، وعدم الاستعداد
المتبادل للعرب والإسرائيليين للدمج
والاندماج، بسبب العوائق الحضارية
والسياسية والإستراتيجية.
- البديل المتوسطي، وهو بديل
لا يقل غموضًا ولا يصلح هوية لأحد، فشتان
ما بين دول المتوسط من حيث الديانات (مسلمون
ومسيحيون ويهود)، والقوميات، واللغات (عربية
وعبرية وفرنسية وإيطالية ويونانية... إلخ).
وهو تعبير عن التنافس الأوربي –
الأمريكي مما يصعب على كل المنخرطين في
هذا البديل تبنيه بدون مخاطرة.
- وأخيرًا البديل الأطلسي، وهو
وحده البديل المنسجم مع طبيعة إسرائيل
الصهيونية كدولة وظيفية التي لا تستطيع
تجاوزها، وحيث تشابه النموذجين
الاستيطانيين الإسرائيلي والأمريكي،
وتتبع خطى الأمريكيين بنيويًّا، ناهيك
عن تغلغل النمط الأمريكي في إسرائيل أكثر
من غيرها في الثقافة والعلم ونمط الحياة
بشكل عام -مع وجود تحديات لهذا النمط
نابعة من اتجاهات الأصولية اليهودية
والاتجاهات الإسلامية والقومية العربية-
حيث تلتقي السمات والمصالح الأمريكية
والأوربية.
والأطلسية هنا لا تعني فقط
النموذج الأمريكي كنموذج حضاري مادي وما
بعد حداثي للهوية، ولكنها أيضا دور وسلوك
مرتبطان بحلف الأطلسي رأس حربة النظام
الدولي الجديد، الذي تتكامل فيه
المكونات الغربية الأوربية والأمريكية.
ولذا تجد إسرائيل مكانها الطبيعي في هذا
الإطار كانتماء حضاري ودور ووظيفة في
إطار المشروع الغربي. وقد أصبحت إسرائيل،
بشكل علني، عضوًا مراقبًا في برلمان حلف
الأطلنطي منذ عام 1994.
أما البديل الكنعاني، أي
صبغ إسرائيل الصهيونية بديباجات قديمة
لتسويغ مساندة اليهود لها، مثل إحياء
اللغة العبرية، واتخاذ رموز يهودية
قديمة، واعتبارها الهيكل الثالث وما إلى
ذلك، فقد فشلت في التطبيق العملي كإطار
للهوية، ولم تستطع إسرائيل أن تثبت أنها
عبرية بالمعنى الحضاري للكلمة، رغم أنها
تتخذ العبرية لغة رسمية أولى. وليس
غربيًا أن نجد هناك دعوات للاهتمام
بالترجمة داخل إسرائيل بين اللغات
العربية والروسية والإنجليزية
والعبرية؛ لأن المبدعين يبدعون بلغاتهم
الأصلية وليس باللغة العبرية التي تعتبر
لغة التعامل الرسمي، وليست لغة إبداع
المبدعين.
ما
هي دلالة تلك البدائل بالنسبة إلينا؟
إن إسرائيل، كما يرى الدكتور
عبد الوهاب المسيري مثلا، لا تشكل
تهديدًا حضاريًّا لنا؛ لأنها لا تمثل
حضارة، ولكنها جزء من الحضارة الغربية
والمشروع الاستعماري الغربي، ومن هنا
تكمن خطورتها، ويجب مقاومتها في هذا
السياق الشامل.
وبالنظر إلى بدائل الهوية
والدور المطروحة سابقًا (الشرق أوسطية
والمتوسطية والأطلسية) تتجلى بوضوح هذه
المقولة، فكل هذه المشروعات مشروعات
غربية لتفكيك النظام الإقليمي العربي،
وهو يكتسب قيمة أكبر بكثير من القيمة
القومية، باعتباره الجامع الأخير
للمنطقة العربية بعد زوال الخلافة
الإسلامية، وباعتبار هذه المنطقة قلب
العالم الإسلامي. وإذا كان وجود إسرائيل
في ذاته تفكيكا وإذلالا لهذه المنطقة
العربية – الإسلامية، ونظامها
الإقليمي، فإن تلك المشروعات هي مشروعات
هدم لهذا الكيان. والتهديد هنا لا يكمن في
إسرائيل والصراع العربي - الإسرائيلي،
فإسرائيل والصراع العربي - الإسرائيلي
ليسا أكثر من مدخل مهم لتغلغل النظام
الدولي برأس حربته الأطلنطية، في النظام
الإقليمي العربي، وبقية أجزاء الأمة
المسلمة. وهذا هو ما يجب مواجهته، ووضع
الدور الإسرائيلي في سياقه العام.
تتعرض منطقتنا ونظامنا العربي
وأمتنا الإسلامية لهجوم أطلنطي (أوربي -
أمريكي) كاسح قد لا تساهم فيه إسرائيل
الآن كثيرًا بضربات مباشرة؛ لأن الساحة
مفتوحة أمام الولايات المتحدة لتقوم
بهذه الضربات المباشرة بلا حياء ولا حرج:
في العراق وأفغانستان والسودان وليبيا،
وأية دولة أخرى تشذ عن السياق المفروض،
ولكن ذلك لا يعني أن المشاركة
الإسرائيلية الحربية غير قائمة ولا
محتملة حتى في حال التسوية والانسحاب من
الأراضي المحتلة في 1967 والجنوب اللبناني.
ويكفي في هذا السياق افتعال عملية تسوية
واستمرارها لعقد أو أكثر من الزمن لتؤتي
ثمارها المُرَّة ليس في صورة اتفاقيات
تضيع الحقوق العربية، وتربط الدول التي
تعقد تلك الاتفاقيات بأطر شرق أوسطية
ومتوسطية تابعة بشكل أو آخر للأطلنطية،
ناسخة وهادمة للانتماء الأصيل للعروبة
والإسلام وللمصالح الإستراتيجية للأمة،
وحسب، ولكن أيضا في صورة اختلافات
وتناقضات في الصف العربي حول تلك التسوية
التي لا يعلم إلا الله إلامَ تسير، وعمَّ
ستسفر. وهذا بذاته إنجاز مهم لإسرائيل
والأطلنطي في تفكيك النظام الإقليمي
العربي وعملية هدمه.
ولذا فإن على من يتحدث عن
السلام والتطبيع مع إسرائيل والشرق
أوسطية والمتوسطية أن يتساءل السؤال
الصحيح والأهم: هل يستطيع أن يحقق السلام
مع حلف الأطلنطي؟
**
خبير
في الدراسات الإسرائيلية
|