Untitled-1
Left

الشيخ محمد عبده والفكر الاقتصادي

2005/12/23

** المستشار الدكتور محمد شوقي الفنجري

محمد عبده

من ستقرئ مؤلفات الشيخ محمد عبده أو مقالاته أو تفسيره لبعض الآيات القرآنية يجد فيها الكثير من الآراء الاقتصادية، فضلا عن الرؤية المتعمقة لمختلف مشكلات المجتمع وحلولها العملية.

ونكتفي في هذا المقام بعرض ثلاث مسائل اقتصادية رئيسية جاءت متفرقة في مراجعه السابقة، نوردها بذات ألفاظه وعباراته وذلك بعد تجميعها وتوزيعها بمعرفتنا على عناوين ثلاثة على الوجه الآتي:

أ ـ مشكلة تخلف العالم الإسلامي:

1- يقول الشيخ محمد عبده: (إننا إذا استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب الخذلان لا نجد إلا سببا واحدا وهو القصور في التعليم الديني؛ ذلك لأن البعد الديني لدى الإنسان يمثل مركز الدائرة في تكوين الشخصية، ومن هنا يمتد تأثيره إلى كل الخطوط التي تصل هذا المركز بمحيط الدائرة)، (إن الدين للإنسان بمثابة "الحاسة" أو البوصلة التي لا غنى عنها، ولقد كان الإسلام "مهمازا" للمسلمين يحثهم على جلائل الأعمال، ومصباحا لبصائرهم يسترشدون به في استعراف الأحوال وتقويم الأفكار، وعاطفا يعطف قلوبهم على الأمم بالعفو والرحمة وحسن المعاملة حتى رضيتهم الأرض سادة لهم وقادة لسكانها)، (والدين هو الذي يحقق الارتقاء المعنوي، والارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي)، "وتعلو الأمم حضاريا بفعل العقل والعلم ولكنها لا تستمر متحضرة بدون الدين والأخلاق".

ويضيف الشيخ الإمام: "إن أعمال الإنسان تصدر عن إرادته، وإرادته تنبعث عن آرائه، وآراؤه هي نتاج عقيدته وعلمه؛ فالدين والعلم مصدر الأعمال كلها دنيوية وأخروية، وسعادة الناس في دنياهم وأخراهم لا تتحقق إلا بالإيمان والعمل"، وإن حياة الإنسان تضيق أو تتسع بقدر ما يعلم ويعمل بعلمه، "وإن أقوى شرط في النجاح قوة العزيمة فيه؛ بأن يصر الإنسان على الفوز بغرضه، فإذا ضعفت فيه ضاع نجاحه، وهذا شأن المسلمين اليوم"، "وإن من أكبر التقوى علو الهمة، ومن أكبرها السعي في مصلحة الأمة ونفع الناس".

2- ويؤكد الشيخ الإمام أن: "المشكلة ليست في الدين وإنما في الفهم الخاطئ للدين وعدم ربط مبادئه وقيمة بقضايا العصر.. لقد انصرفت الأذهان عن القرآن والسنة وانحصرت الأنظار في كتب الفقهاء على ما فيها من الاختلاف في الآراء وما تراكم عليها من الخزعبلات والفكر المتخلف الذي استمر في الوجود واكتسب نوعا من القداسة بسبب التقليد، بحيث طمست حقيقة الإسلام المشعة البناءة، وتعطلت وظيفته الأصلية "كمهماز" للرقي والتقدم المادي والروحي".

"وإنه مما يعرقل شخصية المسلم ما يشيع بين الناس من "جبرية" مرفوضة و"توكل" مذموم و"سلبية" بغيضة، وإنه من المؤسف أن تشغل الأمة الإسلامية بقضايا هامشية كإطالة اللحى وتقصير الثياب، والدفاع عن النقاب والسواك وتعدد الزوجات... الخ، بل لا يخجل الفقهاء من تعريف الزواج بأنه "عقد يملك به الرجل بضع المرأة" فينحط به غافلا عن التعريف القرآني بقول الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ. ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) سورة الروم 20،21.

وهو ميثاق غليظ ورباط مقدس، "إن من أهم ما يجب التصريح به بيان ما انتشر بين العامة يحسبونه من الدين وهو عند الله ليس بدين".

3- وينتهي الشيخ الإمام إلى أن "سوء الفهم بين الغرب والمسلمين يكمن في جهل الغرب بماهية الإسلام، والمسلمون أنفسهم ليسوا على دراية بالإسلام سواء على المستوى النظري أو العملي أو الأخلاقي".

ويضيف الشيخ الإمام: "إن الأمور الاعتقادية التعبدية يجب إرجاعها إلى القرآن والسنة، وبعبارة أخرى: إرجاعها إلى ما كان عليه السلف الصالح بلا زيادة ولا نقصان.. أما الإسلام من حيث هو نظام سياسي أو اجتماعي اقتصادي فإنه يظل قابلا للتطوير والتكيف بتغيير الأزمنة والأمكنة".

إن القضية المصيرية اليوم أمام الأمة الإسلامية هي قضية التخلف في شتى المجالات الفكرية والدينية والاجتماعية والاقتصادية، ولقد كان الشيخ محمد عبده سابقا لعصره حين اهتم منذ أكثر من مائة عام بأكبر تحد يواجهه العالم الإسلامي وهو مشكلة التخلف التي مازلنا نعانيها، ولقد كان شيخ الإسلام الإمام صريحا في تحليله مخلصا في حلوله، وذلك على نحو ما سبق ذكره بنصوصه القوية المميزة والتي تنطق بأنه ليس مجرد مصلح ديني، وإنما هو حكيم رائد من أعلام الفكر بمعناه الشامل.

ب ـ المشكلة الاقتصادية مشكلة الفقر:

1- يقول الشيخ محمد عبده: "إن الفقر الحقيقي الذي تعانيه البلاد ليس بسبب قلة الموارد والإمكانات المادية حسبما يردد البعض، وإنما فقر البلاد يتمثل في قلة الراشدين فيها، وغناها الحقيقي يتمثل في كثرة المهتدين؛ إذ مهما كانت الموارد فإنها بدون عقل رشيد وفكر سليم لا قيمة لها. فماذا تصنع الوسائل المهيأة إذ لم تجد من يستعملها فيما هي وسيلة له؟ وأي شيء تفيده الفرص إذ لم تصادف من ينتهزها؟ وهل يقطع السيف الصقيل بلا بطل"، وفي موضوع آخر يقول: "حقيقة مشكلة الفقر ليست في قلة الموارد، وإنما في العقول والأفكار بقلة الحيلة وفقدان الهمة".

وهو بذلك إنما يعبر عن الفكر الاقتصادي الإسلامي في قوله تعالى:

(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) سورة إبراهيم 34، وقوله: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ومَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) سورة لقمان 20.

فالمشكلة الاقتصادية وهي مشكلة الفقر أو الندرة ليس مردها قلة الموارد الطبيعية كما تزعم المذاهب والنظم الاقتصادية الوضعية، وإنما هي في نظر الاقتصاد الإسلامي حسبما كشف عنه الشيخ محمد عبده مردها العقول والأفهام "بقلة الحيلة وفقدان الهمة" أي مردها الإنسان نفسه بظلمه وكفرانه كما عبرت الآية رقم "34" من سورة إبراهيم بأنه "ظلوم" بسوء توزيع الثروة "وكفار" بعدم استغلاله ما هيأ له الله تعالى من نعم لا تحصى وموارد طبيعية لا تنفد حتى قيام الساعة.

ويكفي أن نضرب مثلا باليابان، فليس لديها موارد طبيعية، وكل ما تفعله أنها تستورد الخامات الأولية وتصنعها وتبيعها بمكاسب هائلة، بحيث أصبحت ثاني قوة اقتصادية في العالم بعد أمريكا، وذلك بفضل مواردها البشرية ممثلة في العامل الياباني المدرب المتقن لعمله.

2- ومعنى ثان يضيفه الشيخ محمد عبده وهو أن فقر الفقير يجري على سنة من سنن الله تعالى في المجتمعات؛ بمعنى أن هذا الفقر له أسبابه المادية في سلوك الناس وظروف حياتهم ونظم مجتمعاتهم وصدق الله العظيم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) سورة الأعراف 96.

فالفقر والغنى أوضاع أو ظواهر اجتماعية تجري على سنن الله ولكنها ليست في ذاتها سننا أو قوانين دائمة الثبات والبقاء، وفرق كبير بين الأمرين، ذلك أن تغيير هذه الأوضاع الطبقية والأحوال الاجتماعية رهن بالجري على سنن أخرى أنفع وأصلح هي أيضا من سنن الله "فإذا كان الفقير إنما هو بالجري على سنة الله، فإزالة فقره أو مساعدته عليه أو فيه، إنما يجري على سنة من سنن الله تعالى أيضا، كما أن غنى الغني كذلك".

وفي ذلك يقول أيضا الشيخ محمد عبده: "إن نظام البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل، والله تعالى يقول: (وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) سورة الإسراء 77، (ولن تجد لسنة الله تبديلا) سورة الأحزاب 62. فعلى من يطلب الفلاح في هذا الاجتماع أن ينظر في أصول هذا النظام؛ يرد إليها أعماله ويبني عليها سيرته وما يأخذ به نفسه، فإن غفل فلا ينتظر إلا الشقاء وإن ارتفع إلى الصالحين نسبه أو اتصل بالمقربين سببه، وصدق الله العظيم: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى* وأن سعيه سوف يرى* ثم يجزاه الجزاء الأوفى) سورة النجم 39، 40.

3- ومعنى ثالث يضيفه الشيخ محمد عبده، وهو أن المزايا الاقتصادية والاجتماعية التي تعود على الإنسان إنما هي ثمرة للجهد الجماعي للجماعة البشرية التي ينتسب إليها، وليس ثمرة لجهده الذاتي والفردي فقط؛ ذلك "أن الإنسان إنما يكتسب المال من الناس بحذقه وعمله معهم، فهو لم يكن غنيا إلا بهم ومنهم، فإذا عجز بعضهم عن الكسب لآفة في فكره ونفسه أو علة في بدنه، فيجب على الآخرين الأخذ بيده وأن يكونوا عونا له؛ حفظا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه بمصالح البعض الآخر"، ويذهب إلى أن الغني الذي يقصر في ذلك "لا يستحق أن يكون مسلما.. بل هو كافر حقيقة وإن سمى نفسه مؤمنا".

وينتهي الشيخ محمد عبده إلى أن الإسلام أعلى من قيمة العمل ويعتبرها القيمة الحقيقية التي تمنح هذه الحياة لذَّاتها الوحيدة والأصيلة إذ يقول: "إن من لا يذوق العمل الاختياري لا يذوق لذة الراحة الحقيقية، لأن الله تعالى لا يضع الراحة في غير العمل"، ويتحدث عن بطالة الأغنياء وكيف أن "حب الراحة يوقعهم في تعب لا نهاية له وهو تعب البطالة والكسل أو العمل الاضطراري".

ج ـ الإنفاق في سبيل الله:

1- يقول الشيخ محمد عبده: "إن المراد بالإنفاق في سبيل الله، الإنفاق على المحتاجين ومختلف المصالح العامة وهو إنفاق واجب شرعا في الأموال، وغير الزكاة وغير النفقات الجود والكرم، وهو ليس محدودا بقدر معين ولا محددا بمبلغ لا يتعداه، وهو أيضا لا يبرهن وجوبه بحيازة نصاب معين، كما هو الحال في الزكاة، ويذكر الشيخ محمد عبده قوله تعالى: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) سورة البقرة 219، أي كل ما زاد عن الحاجة، وإن القرآن أطلق "العفو" ليقدره كل قوم في كل عصر بما يليق بحالهم وظروف وملابسات مجتمعهم واحتياجاته.

ويضيف الشيخ محمد عبده أن المال في الإسلام أصلا مال الله تعالى فهو رزقه وأنعم به على عبده، وأن الفقير المحروم عبد الله مثل غيره، وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب التي توصل إلى الرزق، وليس حق الحائز لهذا المال بأقوى من حق المحتاج إلى هذا المال فيه، فمركزهما القانوني واحد من حيث مشروعية الانتفاع بهذا لمال سواء وعلى قدم المساواة، وأن الحائز الذي يمنع المحتاج حاجته -سواء أكان هذا المحتاج فردا أو مصلحة عامة- هو بمثابة السارق والمغتصب لمال الآخرين.

2- وفي تفسيره لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) سورة النساء 29، يقول الشيخ محمد عبده: "إن الله سبحانه أضاف الأموال إلى الجميع، فلم يقل: يأكل بعضكم من مال بعض للتنبيه على ما قررناه مرارا من تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها، كأنه يقول: إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم، فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه؛ لأن المرء يدان كما يدين.. وفي هذه الإضافة مسألة أخرى وهي أن صاحب المال حائز له يجب عليه بذله للمحتاج، فكما لا يجوز للمحتاج أن يأخذ شيئا من مال غيره بالباطل كالسرقة والغصب فإنه لا يجوز لصاحب المال أن يبخل عليه بما يحتاج إليه".

وهذا يذكرني بقوله تعالى: (وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين) سورة يس 47، وهو ما عبر عنه الإمام الشافعي في عبارة فقهية دقيقة مشهورة عنه: "إن للفقراء أحقية استحقاق في مال الأغنياء حتى يجعله الله بمثابة المال المشترك بين الغني والفقير"، وقول الفقيه أحمد بن الدلجي: "إن من حق المحروم أن يرى النعم التي بأيدي الناس مغصوبة، والمالك المستحق يطالب باسترداد ماله من أيدي الغاصبين".

ومن قبله يصرح الإمام ابن حزم أن للجائع عند الضرورة أن يقاتل في سبيل حقه في الطعام الزائد عند غيره "فإن قتل -أي الجائع- فعلى قاتله القصاص وإن قتل المانع فإلى لعنة الله لأنه منع حقا وهو طائفة باغية"، ومن قبل يصرخ الصحابي أبو ذر: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه".

3- ويخلص الشيخ محمد عبده إلى أن الإسلام قرآنا وسنة وإجماعا ينحاز إلى صف الفقراء والمحتاجين والمستضعفين ويذكر قوله تعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) سورة آل عمران 92، والحديث النبوي: "لن تؤمنوا حتى تراحموا" قالوا: "يا رسول الله، كلنا رحيم! قال: "إنه ليس برحمة أحدكم لصاحبه، ولكنها رحمة العامة".

وفي تقرير المبدأ الذي يحدد للفقراء في أموال الأغنياء ما يكفيهم نقرأ الحديث الذي يرويه "الإمام علي" عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن لله على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر ما يسع فقراءهم، وما يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا ويعذبهم عذابا أليما".

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


**عضو مجمع البحوث الإسلامية

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

الإسلام وقضايا العصر

دعوة ودعاة

مجاهيل ومشاهير

استشارات دعوية

مجلة المسلم المعاصر

الحضارة الإسلامية

الأخلاق والتزكية

صفحات وملفات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع