Untitled-1
Left

منهج محمد عبده في دراسة العقيدة

2005/12/11

د.منى أبو اليزيد

أولا: تعريفه لعلم العقيدة:

يحدد محمد عبده ثلاثة تعريفات لعلم العقيدة، فيرى أنه يسمى "علم التوحيد" وهو من العلوم الإسلامية، وسُمي بهذا الاسم لأن موضوعاته لها علاقة بالدين الإسلامي كالفقه وأصوله، فهو علم يبحث عن وجود الله تعالى، وما يجب أن نثبت له من صفات، وما يجب أن ينفى عنه وعن الرسل؛ فهو "علم إسلامي يبحث فيه عن وجود تعالى وصفاته الكمالية" ويرى أن هذا العلم هو أساس المعرفة الدينية؛ لأن "أساس الدين معرفة الله وهو التوحيد، ولأن الواجب لا تعدد كما عرف الإلهيات والكلام".

وقد يسمى هذا العلم أيضا: علم الكلام لعدة اعتبارات، منها أن أشهر مسالة وقع فيها الخلاف بين علمائه كانت كلام الله المتلو، هل هو حادث أم قديم؟، أو لأنه علم قد بني على الدليل العقلي الذي يتعمد عليه كل متكلم، ولا يرجع إلى النصوص الدينية إلا بعدما يقرر أصول قواعده بالعقل إلا بعدما يقر أصول قواعده بالعقل أولا، فهو "أحكام لتأيد القواعد الدينية بالأدلة العقلية القطعية"، أو لأنه علم يعتمد على طرق استدلال أشبه بالمنطق.

كما يفسر محمد عبده سبب تسميه هذا العلم بعلم العقائد؛ لأنه يقوم على بيان ما جاء به الأنبياء، وهذا العلم إن كان قد وُجد له شبيه في الديانات السابقة، إلا أن هناك فرق بينه وبين أي علم عقائدي آخر، هذا الفرق أساسه اعتماد هذا العلم الإسلامي على العقل أكثر من نظائره في الأديان الأخرى، وذلك بناء على دعوة القرآن إلى النظر والتفكر، فلأول مرة يتآخى العقل والدين في كتاب مقدس.

فكان مقصود علم العقيدة ووظيفته الأساسية – منذ نشأته – هو تأكيد العقائد الدينية باستخدام الحجج العقلية، وهذا ما هدف إليه الشيخ الإمام محمد عبده، وسعى إلى تطبيقه في عصره، مع الملاءمة بين مجال الفكر والعقيدة، ومجال العمل.

إلا أن محمد عبده يعيب على هذا العلم الحالة التي وصل إليها من تأخر وسوء، سواء في عصره، أو قبل عصره؛ لذا وجه عنايته إلى إصلاح هذا العلم عن طريق بحثه بمنهج جديد يهدف إلى إزالة ما لحق به من أوجه نقص وفساد.

وقد وضع محمد عبده لتحقيق هذا الهدف عدة مؤلفات، من أهمها: "رسالة التوحيد" و"رسالة الوارادات" و"حشية على شرح الدوانى للعقائد العضدية"، إلى جانب عدة مقالات منها: "الإسلام والمدنية والنصرانية"، ومقالة في الرد على هانوتو، وردوده على "فرح أنطون"، بالإضافة إلى ما سجله من آراء خلال تفسيراته لبعض الآيات القرآنية، وحاول من خلال هذه المؤلفات والمقالات رصد نقاط الضعف التي أدت إلى تخلف هذا العلم، ثم وضع تصورا لمنهج جديد يحقق الفائدة المرجوة من هذا العلم عن طريق خطوات معينة.

ويشير أستاذنا الدكتور عاطف العراقي إلى أبعاد هذا المنهج الإصلاحي بقول: "إن محمد عبده كان صاحب نظرة تجديدية إن النظرة التجديدية لا تقوم على رفض التراث جملة وتفصيلا، ولا تقوم أيضا على الوقوف عند التراث كما هو ودون بذل أية محاولة لتأويله وتطويره، بل إن النظرة التجديدية تعد معبرة عن الثور من داخل التراث نفسه، إنها إعادة بناء التراث وبحيث يكون متفقا مع العصر الذي نعيش فيه، فالتجديد إذن هو إعادة بناء، ولا يعد التجديد تمسكا بالبناء القديم كما هو بصورته التقليدية، كما لا يحمل في طياته هدما أو رفضا مطلقا للتراث.

ولذا سيكون عرضنا لهذا المنهج من جانبين

جانب نقدي: وفيه نعرض لأوجه النقد التي وجهها محمد عبده إلى هذا العلم، وذلك عن طريق رصده لنواحي النقص والقصور عند السابقين والمعاصرين.

وجانب إيجابي: نحدد فيه خطواته العملية لتقديم منهج جديد لدراسة قضايا علم الكلام دراسة جديدة يتجنب فيها أسباب النقص، ويلائم فيها بين تصوره لهذا العلم وما يحتاج إليه هذا العصر من هذا العلم الإسلامي.

ثانيا: نقده للمنهج القديم لعلم العقيدة:

يحدد محمد عبده هدف علم العقيدة، أو علم التوحيد بأنه يخدم العقائد الدينية بأن يثبت معرفه الله بصفاته الواجب ثبوتها له، وتنزيهه عما يستحيل اتصافه به، والتصديق برسله على وجه اليقين، وقد استخدم هذا العلم لخدمة فئتين: فئة المسلمين، وذلك عن طريق تقريب المفاهيم الدينية إليهم وتدعيمهم بالعقل؛ وفئة المخالفين من الأديان الأخرى أو الملحدين عن طريق جدالهم حول أحقية هذا العلم، فيرى أن علم الكلام المقصود منه إنما هو تحصيل اليقين بمسائله ودفع شبه الملحدين الذين ينكرون ثبوت شيء منها.

وإذا كان محمد عبده لم يأت بجديد يخالف فيه ما كان معروفا عند السابقين من تعريف هذا العلم أو تحديد وظائفه، إلا أن الجديد الذي أتى به في هذا المجال هو استخدامه أسلوب التقييم التاريخي لتحليل أسباب الخلاف الذي نشأ بين المتكلمين وغيرهم، وأدى إلى جمود هذا العلم، وعدم تحقيق الفائدة المرجوة منه.

1- تفسيره لأسباب ظهور الفرق والخلافات:

يذهب الشيخ الإمام محمد عبده على أن الخلاف الذي ظهر بين الفرق العقائدية بعضها البعض، قد أدى إلى تفتيت الوحدة الفكرية للأمة الإسلامية، وانقسامها إلى فرق عديدة، حاولت كل فرقة الدفاع عن آرائها باستخدام علم الكلام، فأدى هذا إلى التفرقة والاختلاف، وليس إلى الوحدة والاتفاق، كما أدى أدعا كل فرقة بأنها الفرقة الناجية، إلى محاولة تكفير غيرها من الفرق.

غير أن محمد عبده يحصر أوجه الخلاف بينهم، ويحدده بأنه: خلاف في "فروع الأحكام، لا في أصول العقائد ويحدد أسباب هذا الخلاف، ويبرز وجوده لعوامل منها:

أ- أسباب سياسية

كانت أولى القضايا التي سبت خلافاً بين المسلمين هي مسألة الخلافة؛ أو من هو أحق بالخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وانقسم المسلمون إلى فرق حاولت كل فرقة تأييد رأيها بالأدلة الشرعية والعقلية، وهذه القضية قد أدخلها المتنازعون إلى مجال العقائد، على الرغم من أنها –فيما يعتقد محمد عبده- تعدو كونها مسألة سياسية لا علاقة لها بالعقيدة.

ب- أسباب كلامية:

وظهر بناء على هذا الخلاف مسألة مرتكب الكبيرة التي اختلف فيها "واصل بن عطاء" مع أستاذه "الحسن البصري" واعتزله، ثم ظهرت مسألة خلق القرآن، وهي القضية التي أدت إلى ظهور خلافات كبيرة، وانقسم العلماء بشأنها إلى فريقين: أحدهما قال بخلق القرآن، والآخر قال بأزليته، وانتصر للرأي الأول فريق المعتزلة، وأيدهم بعض الخلفاء العباسيين، وصرح بالرأي الأخر فريق من المتمسكين بظهر الكتاب والسنة.

ج- أسباب فلسفية:

أما أهم القضايا التي يعتقد محمد عبده أنها أدت إلى الفرقة بين المسلمين، فهي التي دارت حول مسألة اختيار الإنسان واستقلاله بإرادته وأفعاله الاختيارية، وانقسم المتكلمون إلى: قائلين بالحرية المطلقة، أو قائلين بالجبر المطلق، أو محاولين التوسط بين الطرفين.

هذا بالإضافة إلى عوامل ذاتية، وأخرى خارجية، ساعدت على هذا التشعب والاختلاف، فمن العوامل الذاتية: أن القرآن في بعض مواضعه يقدم صفات الذات الإلهية على الصعيد شبه الإنساني، كمحاولة لتقريب الذات الإلهية المتعالية من الفهم الإنساني.

وهذه القضية –وإن كانت قد فهمت بصورتها الحقيقية في بداية الإسلام، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم المرجع لتصحيح الأفهام، إلا أنه في القرون التالية بعد انقسام المسلمين إلى فرق، علت كل فرقة على تعزيز موقفها بتأويل القرآن على النحو الذي يحلو لها، فذهب بعضهم إلى التنزيه المطلق، وذهب البعض الآخر إلى التشبيه والتجسيم، وشمل الخلاف البحث في إثبات الصفات للذات الإلهية أو نفيها عنها، واختلفوا في تقدير سلطة العقل في معرفة الأحكام الدينية.

هذا عن العامل الذاتي، أما العامل الخارجي للاختلاف، فكا مصدره دخول بعض الشعوب الأعجمية إلى الإسلام، ومحاولتهم المزج بين عقائدهم القديمة، وعقائد الإسلام، مما أدى إلى ظهور التشيع والاختلاف.

2- الأثر السيئ لظهور الفرق العقائدية:

يعتقد محمد عبده أنه بسبب ظهور هذه الاختلافات بين المسلمين، وتفرقهم إلى فرق، تحول علم العقائد الذي كان هدفه توحيد المسلمين إلى علم استخدمه كل فريق للدفاع عن آرائه، فقضوا بذلك على ما لهذا العلم من فائدة، فانحرف الطريق بسالكيه ولم يعد بين الناظرين إلا تحاوراً في الألفاظ وتناظراً في الأساليب، ومن ثمة انتشرت الفوضى العقلية بين المسلمين.

وبهذا ابتعد أصحاب هذا العلم عن الوظيفة التي هدف إليها، وهي التوحيد في فهم العقائد، وكان من أهم ما ترتب على هذا الاختلاف ظهور أمرين:

الأول: أن أصحاب هذه الفرق من المسلمين لم يستطيعوا فهم الشريعة، وبالتالي صعب عليهم العمل بأصولها، وكان نتيجة هذا أن حل الجمود بهم، وتمزق نظام الأمة، واتجه المسلمون إلى مصادر أخرى يلتمسون فيها حماية حقوقهم، فلجأ بعض الصوفية إلى نظريات غريبة، واستمد الفلاسفة إثبات عقائدهم من الفلسفة اليونانية، وحاول المتكلمون مزج علمهم بالعلوم الفلسفية.

أما الأمر الثاني: فهو انصراف كل فريق منهم إلى تكفير غيره من الفرق، واعتبار أن فرقته هي الفرقة الناجية، معتمدين في ذلك على أحد الأحاديث النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم: "ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة".

ويتعجب محمد عبده من اعتماد كل الفرق الكلامية على هذا الحديث، وادعاء كل منها أنها هي الفرقة الناجية، ولا يرى وجهاً لتفسيق المخالف، والحكم عليه بأنه في النار.

ثم استمر هذا الخلاف فيما بعد عند اللاحقين عندما تفرغوا للبحث في أمر هذه الخلافات، ووضع الشروح والتلخيصات للآراء المتشعبة للفرق المختلفة، بما تضمنتها من تشيع واختلاف وتكفير، دون محاولة تطهير هذا العلم مما لحقه من قصور، أو تدعيمه بالدعائم الأصلية التي أرساها خلفاؤه الأوائل.

ومن هنا... كانت دعوة محمد عبده إلى "نبذ هذا الخلاف، وتحرير هذا العلم من أسر التقليد، والرجوع به إلى ينابيعه الصافية، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الاختلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعه الأولى، إن الشيخ محمد عبده يريد للباحث في عقائد الدين الإسلامي أن لا يتكلف له أموراً ليست منه، ولا ضرورية له، وإذا رأى غيره صنع ذلك فليتبرأ منه، فإن سبقه الزماني ليس مبرراً لضرورة التزامه برأيه ومهاجمة ما يخالفه، فعلم العقيدة هو علم قد أسس منذ بدايته "على قواعد من الكتاب المبين، ثم عبث به في نهاية أمره أيدي المفرقين حتى خرجوا به عن قصده، وبعدوا به عن حده.

هذا هو الجانب الذي يرفضه محمد عبده من التصور القديم لعلم العقيدة، وهو الجانب القائم على التفرقة والاختلاف، وتفتيت الوحدة الفكرية للإسلام، ويستبدل بهذا التصور تصوراً آخر هو التصور الذي اشترك فيه كافة المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، والعصور القليلة التالية عليه، ويرى أن الإصلاح يكون برجوع "الإسلام إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل حدوث البدع والمذاهب".

ولكن كيف يمكن الرجوع بالعقيدة إلى الصورة التي كانت عليها أيام الرسول صلى الله عليه وسلم؟

يحددها محمد عبده بأن يكون "بأخذ المرء طريق التحقيق في تأسيس العقيدة في هذا الطريق".

ثالثاً: أسس المنهج الجديد لعلم العقيدة:

لكي يحقق محمد عبده تصوره المنشود لعلم العقيدة، وهو التصور الذي كان عليه أيام الرسول صلى الله عليه وسلم والتاليين عليه، وهو علم الوحدة والتوحيد، لا علم الفرقة والاختلاف، نجده يضع منهجاً جديداً لتناول هذا العلم، ويعرض لهذا المنهج من خلال خطوات عملية، يصل بعدها إلى تحقيق هدفه، أما خطوات هذا المنهج كما يحدده فهي:

(1) الخلاف بين الفرق ليس خلافاً جوهرياً:

يأخذ محمد عبده في تحليل أصول كل فرقة من الفرق المتنازعة، ليثبت أنها تتشابه جميعها في العديد من المسائل، وأن الخلاف بينهم قد لا يتعدى الاختلاف اللفظي، وهذا ما يؤيد رأيه –الذي سبق أن ذكرناه- أن أصل الخلاف منحصر في فروع الأحكام وليس في أصول العقائد، ويستدل على ذلك بتوضيح عدة أمور:

أ‌-     أن الأساس الفكري في كل الفرق المتنازعة أساس واحد، باعتبار أن كل هذه الفرق تعتمد في تدعيم أصولها على الرجوع إلى نصوص من القرآن والسنة.

ب‌-   أننا قد لا نجد اتفاقاً تاماً داخل الفرقة الواحدة، بل ربما قد يوجد خلاف بين بعض رجال هذه الفرقة ورأي رئيسهم   .

ت‌-   أنه قد يقع خلاف بين بعض الفرق المتشابهة، مثل ما بين الأشاعرة والماتريدية، وقد يكون أكثر من الخلافات التي بينها وبين فرقة كالفلاسفة.

ولهذه الأسباب كان الخلاف بين الفرق –فيما يرى محمد عبده- ليس خلافاً جوهرياً، ولذا حاول أن يقارب بين مفاهيم هذه الفرق، حتى لا يتحول علم التوحيد إلى علم للتفريق، وكانت هناك عدة خطوات عملية لتحقيق هدفه هذا.

2- فتح باب الاجتهاد ورفض التقليد:

يرجع محمد عبده أساس التخلف الذي أصاب علم العقيدة إلى العلماء، "وهم القائمون على حفظ العقائد وهداية الناس إليها"، حيث إنهم قد انصرفوا إلى تقليد الفرق المختلفة في خلافهم دون محاولة التجديد، على الرغم من أن القرآن قد نهانا عن التقليد بما حكى عن أحوال الأمم في الأخذ عن آبائهم، وتبشيع ما كانوا عليه من ذلك، واستتباعه لهدم معتقداتهم وإمحاء وجودهم الملي فالتقليد "كما يكون في الحق، يأتي في الباطل، وكما يكون في النافع يحصل في الضار".

ويرتب محمد عبده على هذا التقليد نتيجة هامة، وهي انصراف الناس عن الكتاب والسنة، والاكتفاء بأخذ أقوال هؤلاء العلماء الذين قدموا للناس ديناً مشوهاً، ليس هو الكتاب ولا السنة ولا من هديهما، بل قدموا ديناً اختلطت به البدع، فحجروا عقولهم وعقول من تأثر بهم.

وقد انصرف العلماء في عصره وقبل عصره إلى الوقوف عند تقليد السابقين، واكتفوا في كثير من الأحيان بعقيدة كذا، "لأن كتاب كذا للمصنف فلان يقول ذلك، ولما كانت الكتب قد تختلف أقوالها، صار من الصعب أن يجد الواحد منهم لنفسه عقيدة قارة صافية غير كدرة ولا متزعزعة، وقد أغفلوا أيضا أن مصالح دينهم ودنياهم، فحصروا علمهم في الشروح والحواشي على نصوص قديمة، وجهلوا كل شيء سواها، حتى أصبحوا "كأنهم ليسوا من أهل هذا العصر، بل ليسوا من أهل هذه الدنيا".

ويصفهم محمد عبده بأن مثلهم مثل من ورث سلاحا، فكان همه أن ينظر إليه ويملأ عينيه منه، ولا يمد يده إليه ليستعمله، أو يزيل الصدأ عنه، حتى أكله الصدأ وأفسده الخبيث "ولا يخفى أن ما يحصله هذا الفريق من العلم لا يظهر له أدنى أثر في صلاح الأمة".

ولعل هذا ما أكده الدكتور عاطف العراقي بقوله: "إن الفهم الجامد المغلق، الفهم الذي يقوم على تحنيط الأفكار الدينية –إن صح هذا التعبير- فإنه لا يقدر له البقاء، بل سيكون في وادٍ، وتكون حياتنا الفكرية والاجتماعية في وادٍ آخر، ومعنى هذا أن الفهم المتفتح يكون في صالح الدين وليس ضداً له، في حين أن الفهم المغلق الجامد يحمل في طياته الإساءة إلى الدين وإبعاده عن حياتنا".

ولا يعيب محمد عبده هذا الحال على العلماء فقط، بل يرى أنه حال طلاب العلوم الدينية في عصره أيضاً، حيث وصلوا إلى حالة يرثى لها "فهم لا يقرءون من كتب الكلام إلا مختصرات مما كتبه المتأخرون... يتلقاها كأنها كتاب الله أو كتاب نبيه صلى الله عليه وسلم يأخذوا فيها بالتسليم". ولذلك يصفهم بأنه قد تولاهم الجهل بدينهم، وأخذتهم البدع من جميع الجوانب، وانقطعت الحقيقة بينهم وبين سلفهم، حتى إذا عرضت لهم أحكام قد اتفق عليها السلف، أنكروها واستغربوها، فهذا هو حال أساتذة وطلاب علم العقيدة في عصر محمد عبده، وهذا ما أدلى إليه التقليد.

وهذا النقد الذي يوجهه محمد عبده للتقليد ليس وقفاً فقط على تفقده لأحوال عصره، بل يظهر كذلك أثناء تفسيره لبعض آيات القرآن، فهو عندما يعرض على سبيل المثال لآية "تبت يدا أبي لهب وتب" يشير إلى الجاحدين المقلدين، وهم الذين يحولون الناس عن تدبر كتاب الله وفهمه باجتهادهم، ويفرضون عليه آراء الغير (هم آباء لهب لا تغني عنهم أموالهم وأعمالهم شيئاً، سيصلون ما يصلى".

ولذا كانت محاولة محمد عبده الإصلاحية لهذا العلم هي ثورة على التقليد والجمود الذي أصاب هذا العلم الإسلامي، وأدى إلى تأخر المسلمين، حتى صار هذا العلم من كونه فائدة للإسلام إلى كونه ضرراً عليه، فلا بد من الرجوع بالعقيدة إلى صورتها الأولى، ثم إضافة الاجتهاد في المسائل التي لم تعرض للرسول صلى الله عليه وسلم في عصره.

فالاجتهاد ليس وقفاً على عدد من المفكرين السابقين، بل هو باب مفتوح دائماً؛ لأن طبيعة الدين الإسلامي أنه جاء ليوافق البشرية في كل زمان ومكان، وكلما تجددت احتياجات المسلم فلا بد لهذا العلم من تجديد يوافق احتياجات العقل في جميع مراحله، حيث يحدث للناس "باختلاف الزمان أمور ووقائع لم ينص عليها في هذه الكتب".

فقضية الاجتهاد عند محمد عبده هي قضية أساسية مرتبطة بحياة الناس وتطورهم، وهي التي توجه تفكيرهم، لأن الاجتهاد يقوم على الملاءمة بين الفكر والعقيدة، وبين احتياجات العصر المتغيرة وثوابت الدين، فلا يقف فيها الإنسان عند حد تقليد ما في كتب السابقين، بل يحاول أن ينظر في هذه الكتب بنظرة فاحصة ناقدة، ويعتبر أن الحاسة الناقدة هي ما يميز الحيوان الناطق عن سائر الحيوان، أما الوقوف عند التقليد دون الاجتهاد، فيؤدي إلى التخلف والجمود فيرجع "سوء الاعتقاد الذي نشأ من رداءة التقليد والجمود عند حد ما قاله الأول بدون بحث في دليله ولا تحقيق في طلب حاله".

لذا يطالب محمد عبده العلماء أن يصوبوا بعض الآراء السائدة، مثل الرأي السائد عن عقيدة القضاء والقدر في الإسلام قائلاً: "رجاؤنا في الراسخين من علماء العصر أن يسعوا جهدهم في تخليص هذه العقيدة الشريفة من بعض ما طرأ عليها من لواحق البدع".

فالمسلم الحقيقي عند محمد عبده هو الذي يحاول أن يجتهد في شئون دينه ودنياه؛ الكافر الحقيقي هو وحده الذي يطبق عينيه عن نور الحقيقة ويرفض النظر في البراهين، ويحدده بقوله: "هو المعاند الذي إذا رأى ضياء الحق أغمض عينيه واستبد في التمسك بتقليد من سلفه".

كما يشير محمد عبده إلى أن هذا التعريف الذي يقارب بين المقلد والكافر هو التعريف الذي أخذ به كثير من العلماء السابقين، فيقول: "قد أجمع أهل التحقيق من كل طائفة خصوصاً الشيخ الأشعري على أن المقلد في أصول دينه ليس بمستيقن، وكل من ليس بمستيقن في الأصول، فهو على ريب فيها، وكل من كان كذلك فهو كافر".

لذا نادى محمد عبده بضرورة تجديد البناء العقائدي تجديداً موصولاً، كي يتلاءم مع تغير الحياة، وأن هذا التجديد قائم على مبدأ الاجتهاد، وبهذا استطاع محمد عبده أن يصل الماضي بالحاضر، وأن يلائم بين دينه وواقعه، فالدين عنده كالعلم لا ينافي التقدم، وإذا كان الإمام محمد عبده قد دعا إلى الاجتهاد إلا أنه لم يطلق الاجتهاد في جميع أمور الدين، بل حدد له حدودا:

أ‌- أحكام قطعية: يجب على كل مسلم معرفتها والتدين بها، وهي كلها منصوصة في القرآن ومبينة بالسنة النبوية، فهي قطعية الثبوت والدلالة لا مجال فيها لاجتهاد المجتهدين.

ب‌-   أحكام غير ثابتة بنص قطعي ولا إجماع، فهي محل الاجتهاد، ويجب على المشتغلين بالعلوم الإسلامي البحث عن أدلتها مهتدين بسيرة الأئمة وملائمة احتياجات عصرهم، وهذا ما ينقلنا إلى الخطوة التالية.

3- دور العقل في منهجه:

الاجتهاد الذي ينادي به محمد عبده يقوم على أساس من العقل، وهو استجابة طبيعية لدعوة الدين ذاته، لأنه قد أمر "بالنظر واستعمال العقل فيما بين أيدينا من ظواهر الكون". وأن التخلف في هذا العلم جاء من إهمال دور العقل في العقائد، خلافاً لما يدعو إليه الكتاب المبين والسنة الطاهرة. بل رأى عدم الرجوع إلى الماضي أو توقيف مجرى التطور، بل اعترف بالحاجة إلى التغيير وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وأن الإسلام يمكنه أن يشكل المبدأ الصالح للتغير والرقابة السليمة عليه. فالاعتماد على العقل لتجديد أمر هذه العلوم الدينية ليس دعوة تناقض القرآن، بل إن ما ينادي به القرآن هو استخدام الأدلة العقلية لتأييد القواعد الدينية، وهو نفس وظيفة علم الكلام أو علم العقيدة، ولذا فهو يصف هذا العقل بأنه: "ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته والتصديق بالرسالة".

فباستخدام العقل يستطيع الإنسان الوصول إلى اليقين، هذا اليقين الذي لا يبنى ولا يحصل بمجرد قراءة الأدلة وخزنها في الأذهان، وإنما يحصل بالاستدلال الصحيح وإدراك العقل لوجه الدلالة من نفسه بدون تقليد.

وهذا التجديد هو نوع من الإحياء الفكري، وهو ما يشير إليه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي قائلاً إن "الإحياء لا يعني عرض القديم في صورة جديدة، بل له أسسه وخصائصه التي تقوم فيما نرى على العقل أساسا... أن التجديد يرتبط ارتباطاً رئيسيًا بالعقل.

وفي موضع آخر، يشير محمد عبده إلى دور العقل في تحقيق الفائدة من هذا العلم، بأن وظيفته هي أن "يقتبس نور تلك المطالب من تلك البراهين، ويقنع بذلك الطالبين، ويردع المنكرين، على وجه... لا يكون فيه ثبات الشيء بنفسه، ولا تنزيل العقل عن درجته في إدراكه وحسه".

بل هناك العديد من قضايا الدين لا يمكن إدراكها إلا عن طريق العقل، ومن أمثلة هذه القضايا التي يحددها محمد عبده إثبات وجود الله، والعلم بقدرته، وإرسال الرسل، والعلم بما يوحي به إليهم، وغيرها من القضايا.

وإذا كان محمد عبده يرى أن للعقل دوراً هاماً في تجديد علم العقيدة، إلا أنه يضع لهذا العقل حدوداً يجب ألا يتجاوزها.

4- الجمع بين العقل والنقل:

يضع محمد عبده للعقل حدودا معينة يستطيع من داخلها أن يخدم علم العقيدة، هذه الحدود هي الحدود التي لا يعارض بها النصوص الدينية، أي أن العقل والنقل عنده يجب ألا يتعارضا، ذلك لأن الإسلام وحده دون الديانات الأخرى الذي يتفق تمام الاتفاق مع أحكام العقل، وإذا كان العقل قد تدهور بين المسلمين في الماضي، فإن الوزر هنا لا يقع على عاتق الدين، بل يحمله جور السلاطين وتعصب العلماء، فالعقل والوحي معاً ضروريان لاكتشاف المعتقدات، لأن الدين الإسلامي عنده "دين توحيد في العقائد لا دين تفريق في القواعد، العقل اشد أعوانه والنقل أقوى أركانه، وما وراء ذلك فنزعات شياطين أو شهوات سلاطين".

ولكن بأيهما نبدأ العقل أم النقل؟

يعتقد محمد عبده أننا في سعينا وراء المعرفة الدينية لا بد أن نبدأ بالعقل، ونقتفي أثره، فالمعرفة تبدأ بالعقل، ثم يأتي النقل ليصحح سير العقل حتى لا يشطح بعيدا ً عن المقصود الديني، فالعقل عنده: ينبوع اليقين والنقل ينبوع له فيما بعد ذلك وهو ما عبر عنه محمد عبده قائلاً "وتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل"، فهما، متلازمان، والواجب الاعتماد عليهما معا، لأن العقل من جهة واجب الاحترام، والنصوص من جهة أخرى قد ثبت صحتها بطريق مأمون من الخطأ، فر يقين مع التحرج من النظر، وإنما يكون اليقين بإطلاق النظر في الأكوان.. حتى يصل إلى الغاية التي يطلبها بدون تقييد كما هدانا الله إلى ذلك في كتابه، فإنه يخاطب الفكر والعقل والعلم بدون قيد ولا حد.

وبناء علي اعتماد محمد عبده في منهجه علي العقل والنقل، وجه نقده لمن يقف إلى جانب واحد من هذين الجانبين ويرى أن الفكر العقائدي السابق قد أخطأ حين مال أفراده إلى جانب دون الآخر، فقد انقسم الفكر السابق إلى اتجاهين: أحدهما اتبع العقل وانتهي إلى ما انتهي إليه، ثم بعد ذلك نظر إلي النقل، فإن وجده متمشيا مع ما انتهي إليه العقل، اطمأن إلي نتيجة علمه، وإن وجد غير ذلك لم يجد صعوبة في أن يحمل النصوص حملا علي أن تنزل علي إرادة ما ساق إليه العقل رضيت النصوص أم لا.

والاتجاه الآخر ذهب إلى النقيض من ذلك، فاتخذ من النص بداية عمله وفهمه في محيط النص، واطمأن على صواب ما فهم، ثم بعد ذلك إذا وجد من يقول هذا يخالف العقل التمس مبررات من العقل لتأييد ما فهمه من النص.

ويخطئ محمد عبده كلا من الفريقين، ويري خطأهما في الانحياز إلي جانب واحد فقط، وأن الصواب يكون بعدم الانحياز، ولكن هل استطاع محمد عبده فعلا أن يحافظ علي التوازن بين العقل والنقل، ولا يجاوز حد أي منهما، أم أنه مال إلى جانب أكثر من الآخر؟.

يذهب أحد الباحثين إلى أن محمد عبده لم يكن منصفا تمام الإنصاف في الجمع بين العقل والنقل، وأنه قد مال إلى جهة العقل أكثر، ويعقل على هذا بقوله: "إن الذي لا شك فيه عندي أن الشيخ محمد عبده قد تحيف من حق النصوص وبالغ في تقدير قيمة العقل"، وفي موضع آخر يثبت عدم إخلاله بحق العقل فيقول: إن الشيخ محمد عبده لم يفرط في حق العقل، ولم يبخسه حقه.. وإذا لم ينقص العقل حقه فهو جاوز به حده، ويضيف إلي هذا أن الشيخ قد أرغم العقل ليس فقط علي مجاوزة حدوده، بل أنه أقحمه في مضايق لا سبيل له إلي التخلص منها.

ويذهب باحث آخر لإثبات نفس هذا الرأي، ويرى أن محمد عبده في تناوله لموضوعات علم الكلام ـ خاصة في نظرية الخير والشر والفعل الإنساني ـ كان يهدف إلي إحياء المذهب العقلي الذي قال به المعتزلة والفارابي وابن رشد.

بل إننا نجد باحثين آخرين يحاولون المطابقة تماما بين فكر المعتزلة وفكر الإمام محمد عبده في حدود العقل ويقولون: إنه ضيق من حدود النص.

والحقيقة أننا نري خلاف ذلك، لأن محمد عبده يضع للعقل حدودا يجب ألا يتجاوزها، وهذا ما يطبقه علي بعض موضوعات علم الكلام كموضوع ذات الله وصفاته، وبعض الموضوعات الأخرى، فالعقل والنقل قد يشتركان في بحث موضوعات ما، وقد توجد موضوعات أخرى لا يمكن للعقل الخوض فيها، بل يقرر ما جاء به الشرع، كما توجد موضوعات يكون البداية فيها للعقل، ثم يأتي للنقل بعد ذلك بالشرح والتفصيل.

ويطبق محمد عبده هذا المبدأ في الجمع بين العقل والنقل أو التزم أحدهما عند بحث موضوع معين أو عدة موضوعات منا مسألة الذات الإلهية والصفات، فيرى أن العقل والنقل يمكن أن يخدما معا في إثبات وجود الله وصفاته، وذلك لأن القرآن جاء يصف البشر، ويستطيع العقل مع ورود أمثال هذه المتشابهات في أن يفسح مجالات للناظرين غير محدودة ولا مشروطة، لأن كل نظر صحيح فهو مؤد إلي الاعتقاد بالله علي ما وصفه، بلا غلو في التجريد، ولا دنو في التجديد.

إلا في هذا الموضوع ـ أي موضوع الذات والصفات ـ مسائل يجب علي العقل أن يسلم فيها للنص ولا يتجاوزه، فإذا جاء الشرع بصفات غير مستلزمة عقلا، فلا يجوز للفيلسوف أن يرفض صفة من الصفات، لأن العقل الإنساني لا ينفذ إلى كنه شيء من الأشياء، فضلا عن كنه الوجود الأوحد، فإدراك حقيقة الباري تعالى غير ممكن.

ومحمد عبده في هذا يتشابه مع مفكرين آخرين، أمثال ابن خلدون ـ فيقرر مثله ـ عجز العقل عن فهم الذات الإلهية أو صفاتها فهو تعالى كنهه لا تدركه العقول ولا تحوم عليه الأوهام.

ويعتمد محمد عبده علي أحد الأحاديث النبوية يفسر به استحالة معرفة كنهه تعالى عن طريق العقل، وهو قوله صلي الله عليه وسلم:تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ). فالتفكير في ذاته تعالى ممتنع علي العقل البشري، ولذا كان البحث فيه يعد في نظرة عبثا ومهلكة لأنه يسعى إلى ما لا يدرك بقول محمد عبده ومن الصفات ما جاء ذكره علي لسان الشرع ولا يحيله العقل.. ولكن لا يهتدي إليه النظر وحده ويجب الاعتقاد بأنه شأنه متصفا بها اتباعا لما قرره الشرع.

كما يشير محمد عبده أيضا إلي عجز العقل في الإخبار عن مسائل أخرى من العقيدة، من أمثلتها موضوع الملائكة والجن، لأن أحدا من الناس لم يرهما، وليس في الإمكان أن يعرف شيئا عنهما.

علي حين يذهب إلي هناك موضوعات يكون الإثبات فيها للعقل أكثر من الشرع، مثل موضوع الفعل الإنساني، وهو أحد الموضوعات التي أثارت الفرقة من قبل بين المتكلمين، فيمكن للإنسان أن يميز بين الخير والشر بعقله، فهو أمر طبيعي يدركه الناس جميعا من غير حاجة إلي شرع، فالوجدان يشهد والحس يشهد أن الإنسان مختار في بعض أفعاله، كمن يقتل آخر مثلا، هذا الشعور بالحرية في اختيار الفعل، يحسه الإنسان بوجدانه وعقله دون النظر لما يقضي به العرف أو يأمر به الشرع.

وهنا يلقي خطان في تفكير محمد عبده:

الأول: هو أن هناك بعض الحقائق التي لا يمكننا معرفتها بالعقل، والأفضل ألا نعمل الفكر فيها، فليس بإمكاننا معرفة أي شيء عن الذات الإلهية، لأن عقلنا ولغتنا غير كافيين لاكتناه جوهر الأشياء، لذا وجب عن وجود طريق آخر للمعرفة غير طريق العقل هو طريق النص والوحي.

والخط الثاني: هو أن هناك حقائق يمكن مبدئيا للعقل معرفتها، لكن معظم الناس لا يعرفونها بالفعل، لأن عقولهم غير كاملة، أو لأن الشهوة تسيطر علي هذين السببين يحتاج الناس إلي معرفة إلهية، هذه المعونة تتمثل في وجود النبي.

لكن ليس معني ذلك أن دور العقل ينتهي دائما ليبدأ بعده دور النص، بل قد يأتي العقل مرة أخرى ليقوم بدور المفسر والمجتهد لتفسير ما جاء به النص، إلا أنه لا يجوز لهذا التفسير أن يتعارض مع النص، ويقرر هذا بقوله: اتفق أهل الملة إلا قليلا علي أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف بالعجز عن فهمه وتفويض الأمر إلي الله، والطريق الثاني تأويل النقل مع المحافظة علي قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.

وهكذا حاول محمد عبده أن يعيد للعقل مكانته بجانب النص، لكي يخدما معا علم العقيدة.

وكان النجاح الذي حققه هو إقناع فئة صغيرة بإمكان التوفيق بين العقل والنقل والدين في الإسلام.

فللعقل وجوده في منهج محمد عبده في دراسة العقيدة، سواء كان هذا الوجود قبل النص أو بعد ورود النص، وله حدوده ويجب ألا يتجاوز فيها مفهوم النص ومدلوله، وإن كان هذا التلازم بينهما موجود في بعض الموضوعات، إلا أنه مرفوض في كل الموضوعات، لأن إدخال العقل في بحث كل المسائل سيؤدي إلي إدخال الجدل، والجدل إن كان يصح في بعض المسائل، فهو لا يصح في جميعها، لذا كان لمحمد عبده أسلوبه الخاص في تناول موضوعات علم العقيدة، وهو ما نطلق عليه أسلوب إجمالي انتقائي.

5 أسلوبه الجمالي الانتقائي في علم العقيدة:

تظهر نزعة محمد عبده الإجمالية في تناوله لموضوعات علم الكلام واضحة أشد الوضوح في بعض موضوعات الأصول، التي لا تصح الاختلاف فيها، ويظهر هذا علي نحو خاص في حديثه عن موضوع مثل الصفات الإلهية، خاصة في مسائل مثل العلم الإلهي والكلام الإلهي.

كما تظهر نزعته الانتقائية في اختيار موضوعات علم الكلام التي يبحثها، فهو لا يعرض لكل المسائل التي سبق أن عرض لها المتكلمون، بل يركز علي موضوعات أساسية، فإذا كان الموضوع إثبات وجود الله يعد من الموضوعات الأساسية إلا أن موضوع الصفات وهل هي زائدة عن الذات أو غير زائدة، فهو يتوقف فيها، ويكفيه في هذا المجال أن يثبت له تعالى الصفات الواجب استحقاقه لها، فيقول من الصفات ما جاء ذكره علي لسان الشرع، والذي يوجبه عليه إيماننا هو أن نعلم أنه تعالى متصف بهذه الصفات، أما كون الصفات زائدة عن الذات أو هي نفس الذات، ونحو ذلك من الشئون التي اختلف عليها النظار مما لا يجوز الخوض فيه إذ لا يمكن لعقول البشر أن تصل إليه، وهكذا يتوقف محمد عبده عن الخوض في إحدى المسائل الهامة التي شغلت حيزا كبيرا في كتب المتكلمين، وتنازع فيها المعتزلة والأشاعرة.

كما يتوقف محمد عبده عن الخوض في مسألة أخرى من مسائل علم الكلام، وهي مسألة كلام الله تعالى، التي نشأ عنها ما عرف في تاريخ الفكر الإسلامي بمنحه خلق القرآن، وقامت بين طائفة من المعتزلة وبعض الفقهاء علي رأسهم أحمد بن حنبل، وكانت هذه القضية من القضايا الأساسية التي شغلت جانبا من هذا العلم، أما محمد عبده فهو تحقيقا للدور الانتقائي الذي آمن به لم يعرض لقضية خلق القرآن، بل وحذف من الطبعات اللاحقة لرسالة التوحيد مقطعا ظهر في الطبعة الأولى يؤيد خلق القرآن، ولم يبق إلا قوله: القرآن كلام الله، ومصدر الكلام الصادر عن الله ينبغي بالضرورة أن يكون أحد صفاته.

ويظهر هذا التحفظ في عرض كل موضوعات علم الكلام عنده خاصة أثناء عرضه لمسألة القضاء والقدر، فبعد أن يبين أن الإنسان يشعر بكسبه لأفعاله، يري أن البحث فيما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل من إحاطة علم الله وإرادته... فهو من طلب سر القدر الذي نهينا عن الخوض فيه، واشتغالا بما لا تكاد تصل العقول إليه.

ولذا يعتقد أن الاتجاه الديني الصحيح يحذر من الخوض في مسألة القضاء والقدر، لأنه محل جدل قليل الغناء، وهو في هذا يتشابه مع ابن سينا عندما بحث القضاء والقدر وإشارته إليه بقوله إنه سر لا يمكن الخوض فيه. ولذا يلجأ محمد عبده أثناء تفسيره لسورة العصر إلي نزوع النفوس إلي الخوض في هذه المسألة هو ضرب من ضعف البصيرة أو فقده، ثم يضيف قوله إنني لا أحب أن أتكلم في هذا الأمر أكثر من هذا، وإلا لم أكن من الصابرين، ولخضت في أعمال القدر مع الذين خاضوا فيه.

فالجدل في كثير من المسائل الكلامية قد يؤدي إلي عكس الفائدة المطلوبة منه، وهو ما يظهره محمد عبده عند حديثه عن موضوع العناية الإلهية، فيعيب علي المتحدثين فيه أنهم قد تفرقوا حتى صاروا أعداء بدلا من أن يتعاونوا، فيصفهم بأنهم أخوة تفرقت بهم الطرق في السير إلي مقصد واحد، حتى إذا التفوا في غسق الليل صاح كل فريق منهم صيحة المستخبر، فظن كل أن الآخر عدو يريد مقارعته علي ما بيده فاشتجر بينهم القتال.. ولما أسفر الصبح وتعارفت الوجوه، رجع الرشد إلي من بقي منهم وهم الناجون، ولو تعارفوا من قبل لتعاونوا علي بلوغ ما أملوا ولوافتهم الغاية.

ولذا يمكننا القول أن محمد عبده قد حاول أن يحمل القول في العقائد التي يعتبرها أصولا لا غني عنها لغير المتخصصين، وأن يفوض المسائل العويصة لذوي البصيرة في الدين، كما يرى أن المسلم إذا كان لا علم له بالجدل الطويل الذي يتألف منه الجزء الأكبر من علم الكلام، فلا حاجة إلى إرهاقه بتعاليم المتكلمين لكي يعرف منها ما هو الإسلام الصحيح.

ولعل محمد عبده في هذا الأسلوب يقترب من ابن رشد عندما يتعرض لمسألة أدلة وجود الله، فيفرق بين أدلة تقدم للجمهور العادي، وهي التي حددها بدليلي العناية الاختراع، لأن الدين صرح بهما، وبين دليل يخص به الفلاسفة ولا يقدم للجمهور، وهو دليل الحركة، فهو عندما يتعامل مع الجمهور يستخدم أسلوبا، وعندما يتعامل مع الفلاسفة أو المتخصصين يكون الحديث مختلفا، وهو ما سعى إليه محمد عبده.

وكان أسلوب تناوله لموضوعات علم الكلام أسلوبا اختياريا انتقائيا حرص فيه علي الابتعاد عن كثير من الموضوعات التي بحثها علم الكلام، لأنه اعتقد أن هذه الآراء، لم تؤد الفائدة المطلوبة منها، بل أدت إلي إغراق المتكلمين في الجدل، فكانت دعوته هي تحرير الفكر الإسلامي من الآلية المدرسية، ورفض الدخول في الجدل المدرسي والمحاكمات الكلامية فأراد أن يبسط العقيدة الدينية وأن ينحو بها منحى عقليا وأن يخلصها مما علق بها من شوائب، وأذاع أفكارا جديدة تخالف الشائع.

وكانت الفكرة المحورية التي يسعى إليها من خلال منهجه هذا، هو الابتعاد بقدر الإمكان عن زج العقول في متاهات الجدل التي أدت من قبل إلي الفرقة في هذا العلم، فهو يريد أن يستبدل الوحدة في الدين محل الخلاف وكثيرا ما عبر في رسالة التوحيد عن كراهيته لهذا الجدل الذي لا جدوى ورائه.

واستطاع محمد عبده أن يضع لنفسه حدا فاصلا في دراسته لعلم العقيدة، وهو الحد الفاصل المتمثل في قدرته علي حسم الخلاف والجدل العقيم بين الفرق المختلفة ـ والرجوع إلي حكم العقل السليم لاسيما في المشكلات التي لا داعي للشك فيها وأدت الخلافات اللفظية إلي العجز عن تقرير الحق فيها.

رابعا: هوية منهجه وهدفه:

استوعبت ثقافة الشيخ محمد عبده الكثير من الاتجاهات المعروفة في الفكر الإسلامي، وكانت لهذه الثقافة أثرها في تشكيل منهجه واتخاذه لأسلوب معين في تناول موضوعات العقيدة، فما هو هذا المنهج الذي اتبعه الشيخ؟ هل هو منهج الصوفية، أو المتكلمين، أو الفقهاء، أو الفلاسفة؟. أو بمعني آخر لو حاولنا تحديد هوية هذا المنهج، فإلى أي مدرسة ننسب منهج الإمام محمد عبده في العقيدة؟.

قبل أن نجيب علي هذا التساؤل، لا بد أن نحدد أولا المصدر أو التيارات الفكرية التي أطلع عليها محمد عبده وأثرت في فكره وكان له موقف منها، سواء كان موقف رفض أو موقف قبول، ليمكن بعد ذلك تحديد منهجه أو المدرسة التي يمكن نسب هذا المنهج إليها.

أ ـ التصوف: استهل الإمام حياته الفكرية متأثرا بالصوفية، وقد تعرف علي هذا المذهب علي يد خاله الشيخ درويش، ولا توضح مذكرات الإمام شيئا عن قراءاته المبكرة للصوفية، اللهم إلا رسائل للسيد محمد المدني، إلا أنه يحكي كيف عاش حياته الأولي متأثرا بهذا الاتجاه، فعاش لفترة في تقشف مفرط.

إلا أنه قد عدل فيما بعد عن هذا الاتجاه الصوفي بعد أن التقي بأستاذه جمال الدين الأفغاني الذي ساعده علي معرفة جوانب عديدة عن الفلسفة العملية، وقد ألف في تلك المرحلة الانتقالية رسالة " الواردات " التي جمع فيها بين التصوف والفلسفة.

وكان للشيخ موقف من التصوف، أثر فيما بعد علي بعض جوانب منهجه فهو مع المتصوفة في ما يخص الجوانب الأخلاقية، لأن التصوف عنده رياضة خلقية علي هدى الرياضة العقلية، فهو معهم في رياضتهم النفسية والفكرية ولكنه يرى أن إلهام المتصوف وجداني لا يجوز أن يدين به غيره.

فهو يقبل بعضا من آثار الصوفية في الجانب الأخلاقي، أما في الجانب المعرفي فيرى أنه خاص بالمتصوف وغير صالح للمعرفة العلمية أو الإصلاح، والمدنية الحديثة لا توافق هذه النزعة.

ومحمد عبده وإن كان قد تأثر بالصوفية في جوانب، إلا أنه قد رفض تيارات صوفية كثيرة، حيث اعتبر أن منها ما هو خطر علي الفكر والسلوك، هذه التيارات التي تخص الأولياء وكراماتهم بالإجلال، وبدا له أن مذهب المفكرين الصوفيين أمثال "ابن عربي"، وأصحاب الطرق الصوفية، إنما يقوض أسس الجماعة، وعندما رأس في الفترة الأخيرة من حياته لجنة تشرف علي نشر الروائع الكلاسيكية لم يسمح بنشر كتاب " الفتوحات المكية " لابن عربي.

وقد اتهم محمد عبده بعض الصوفية بأنهم أفرطوا في الكلام علي حكمة الدين وأسراره حتى بعدوا بها عن النصوص والسنن.. ومن هذه الثغرة دخلت علي هؤلاء الغلاة دسائس الباطنية الذين أوجسوا خلال الأمة يبغونها الفتنة بتحريف النصوص وتأويلها.

ثم إنهم اشتغلوا بالعلوم الفلسفية ومزجوا ما أخذوه منها بكتبهم، فلم يبق طريقهم علي اتجاهه الأخلاقي، وإنما تحول في بعض مواقفه إلى مزج بالأسرار والباطنية والرمز، وفي بعض الأحيان الأخرى مزج بالفلسفة العقلية فافتقد هذا الطريق الصوفي الصورة التي رغبها محمد عبده منه، ورغم رفضه لهذا المنهج الصوفي، إلا أنه رأى إمكان الاستفادة من بعض جوانبه في تحليه الأخلاق بروحانيتهم.

ب ـ الفقه والتفسير: لقد اطلع محمد عبده علي مذاهب عديدة للفقهاء والمفسرين، وكان له أيضا موقف من سلوك بعضهم، فقد رفض أن يتوقف الفقه علي ما وصل إليه القدماء، بل كان ينادي دائما بالاجتهاد في أمور الحياة معتبرا أن الناس قد يحدث لهم باختلاف الزمان مسائل لم يتعرض لها السابقون.

ورأى أن الفقه هو علم جاء لخدمة المسلمين في حياتهم المتغيرة، ويجب أن يتلاءم هذا العلم مع تطور الحياة وتجددها حتى لا يكون عقبة في سبيل التقدم والمدنية، وقد ظهر الفقه عنده في ثوب جديد، ففيه اعتمد علي مبدأ المصلحة والتلفيق، ليمكن المسلمين في عصره من أن يقوموا ببناء دولتهم بناءا حديثا دون التخلي عن الإسلام، فدعا إلي إعادة تأويل الشرعية وتكييفها وفقا لمتطلبات الحياة الحديثة، والأخذ بمبدأين سلم بهما الفقهاء، وأعطاهما محمد عبده بعدا جديدا وهما:

المبدأ الأول: مبدأ المصلحة، وهو مبدأ أقره المذهب المالكي، وأخذ به محمد عبده، وهو بمثابة قاعدة لتأويل النص، يفترض الفقيه في شرحه للقرآن والحديث أن غاية الله من الوحي رعاية مصلحة البشر، فيختار التأويل الذي يحقق له هذه الغاية.

المبدأ الثاني: مبدأ التلفيق، أي: يختار من مذهبه الشرعي أو من أي مذهب شرعي آخر التفسير الأكثر ملائمة للظروف المعاصرة، ولا يلجأ فقط إلى الاستعانة بالمذاهب الأخرى في مسائل معينة، بل إلى التأليف بين العناصر الصالحة في كل منها، وقد تمكن بوصفه مفتي الديار المصرية في تلك الفترة من أن يضع منهجه هذا موضع التنفيذ، فعلم الفقه عند محمد عبده هو أحد العلوم الاجتهادية التي يجب تجديدها، باستمرار قائلا: لابد أن تكون الأحكام علي وفق المصالح والمنافع الوجودية، وأن يفهم القضاة والمفتون والمشرعون أقوال الفقهاء ومقاصدهم في الأحكام التي استخرجوها من الشريعة، لا أن يأخذوا بظواهر ألفاظهم.. والفقه هو الفهم فمن يأخذ بظواهر الألفاظ فهو ليس بفقيه، ولا يجوز أن يكون غير الفقيه قاضيا يحكم بين الناس، وليس عندنا كتاب نتعبد بألفاظه إلا كتاب الله تعالى.

ويضيف إلي هذا قوله: إن الشريعة الإسلامية شريعة عامة باقية إلى آخر الزمان، ومن لوازم ذلك أنها تنطبق على مصالح الخلق في كل زمان ومكان.... وشريعة هذا شأنها لا تنحصر جزئيات أحكامها.

أما عن علم التفسير، فكان مقصد الإمام من تفسير القرآن هو فهم الكتاب لإرشاد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، وفهم القرآن واجب علي المسلمين جميعا، ولا سبيل إلي فهم معناه الصحيح إلا بالتمكن من اللغة العربية، ومنهجه في التفسير مخالف لمنهج سابقيه، إذ كان لا يعنيه إلا فهم روح القرآن والوقوف علي معانيه العامة دون التمسك بحرفية الكتاب.

وفي التفسير لم يأخذ الإمام محمد عبده بمذهب أهل الظاهر، وهم الذين يقفون عند حدود النصوص ولا يتجاوزونها ويدينون بالتقليد، وكثيرا ما عارض تأويلات الظاهرية والمشبهة، الذين كانوا يفسرون النصوص الدينية تفسيرات حرفية مادية، فنراه في "حاشية علي شرح العقائد العضدية" يصطنع نزعة عقليه في التأويل، وينتهي به في الأمر في "رسالة التوحيد" إلي التصريح بأننا إذا وجدنا أنفسنا بإزاء نص يوهم ظاهرة شيئا من التشبيه، فيجب أن نفسره متجنبين المعنى الظاهر، وعلينا أن نسلك أحد طريقين: فإما أن نفوض الأمر إلي الله تعالي في معرفة النص، وإما أن نؤوله تأويلا يستند إلي قرائن مقبولة فهو يأخذ من الظاهر ما كان ملائما.

وكذلك لم يكن محمد عبده في منهجه بصدد العقيدة ممن ينسبون إلي أهل الباطن، الذين يفهمون الباطنية علي أنها رفض للظاهر، وانقطاع عن الواقع، ونبذ الحياة، وانصراف عن الشواغل المعيشة التي يشتغل بها البشر، وهو ما دل عليه أيضا رفضه لبعض الاتجاهات الصوفية التي تعتمد علي الباطن، ويرى أن التأويل عنده يستخدم لغرض معين، وهو إما لدفع مانع معاند أو إقناع جاحد. فهو في منهجه في التفسير كان يهدف إلي بيان ما خفى من أمر الدين، وتصحيح الاعتقاد، وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم النصوص، بالإضافة إلي تقديم تفسيرات تلاءم الأفكار التي يدعوا إليها، فهم علي سبيل المثال، عندما يفسر قوله تعالي ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) يقول " إن الأمم سقطت من عرش عزها ولا بادت ومحى اسمها من لوح الوجود، إلا بعد نكوبها عن تلك السنن التي سنها الله علي أساس الحكمة البالغة، إن الله لا يغير ما بقوم من عز وسلطان ورفاهة وخفض عيش وأمن وراحة حتى يغير أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة والتدبر في أحوال ال1ين جاروا عن صراط الله، فهلكوا وحلبهم الدماء ثم الفناء لعدولهم عن سنة العدل، وخروجهم عن طريق البصيرة والحكمة... واختاروا الحياة في الباطل علي الموت في نصرة الحق.

فهو هنا يقوم بتفسير آيات القرآن الكريم تفسيرا يلاءم دعوته إلي نهوض الأمة، ويفسر سبب تخلفها وسقوطها بأنها خرجت عن المسلك الصحيح الذي وضعه الله لها، وفيه أيضا دعوة منه إلي أن نهضة الأمة لا تكون بانتظار النصرة من عند الله، وإنما بالجهاد والسعي لتحقيق هذا، وفي هذا دعوة لنبذ التواكل، فكان منهجه في التفسير يلائم واقعه وأهداف دعوته.

وقد اتفق منهج محمد عبده في هذا الاتجاه مع منهج الأفغاني، فكلاهما فتح باب الاجتهاد في الدين، واعتمد مذهب التأويل في القرآن للتوفيق بين العقل ومعطيات العقيدة من جهة، ومع منجزات الحضارة الغربية من جهة أخرى، فيرى أن بين أهل العلم وبين أهل الدين شيء من التحالف في الآراء.

ج ـ علم الكلام: تعرف الإمام محمد عبده علي أهم تيارات الفكر الكلامي، وقام بدراستها، كما تعرف علي طرق استدلالها ومناهجها فمما لا شك فيه ـ كما قال البعض بحق ـ أنه كان واسع الإطلاع علي ما كتب في الإسلام، ولاشك في أنه قد أعطى عقله وحريته في البحث والفهم والنقد، وأوضح أثر لهذه العمليات الفكرية هو كتابه " حاشية علي شرح العقائد العضدية".

كما قام الشيخ محمد عبده بعرض وشرح كتاب " شرح العقيدة النسفية لسعد الدين التفتازاني" وهو من عيون المدرسة الماتريدية، وإلي جانب هذه المدرسة اطلع علي الاتجاه الاعتزالي والاتجاه الأشعري، وقد أشيع عنه أثناء دروسه في الأزهر أنه كان يقلد الاتجاه الاعتزالي، ويرجحه علي المذهب الأشعري، وعندما سئل في ذلك قال: إذا كنت أترك تقليد الأشعري فلماذا أقلد المعتزلي؟ إذا أترك تقليد الجميع وأخذ بالدليل، أي أنه يرفض أن يرتبط بتقليد مدرسة معينة، ويفضل علي هذا الارتباط بالدليل العقلي في الحكم علي الأمور.

وعن المدرسة الأشعرية، نجد محمد عبده يذكر كبار شخصياتها ويشيد بهم، فيعتبر أبا الحسن الأشعري من طائفة المحققين، يذكر أسماء كالباقلاني والجويني والغزالي الذي وصف كتابه " إحياء علوم الدين " أنه خير ذخيرة للمسلم في ترحاله، وأيضا ذكر فخر الذين الرازي وغيره.

ويبدو في منهج الشيخ الإمام محمد عبده أثر لكل مدرسة من هذه المدارس، فقد استفاد من بعض عناصر كل منها، وإن كان قد نقد أسلوبهم في معالجتهم لبعض المسائل، وتغافل عن كثير من الموضوعات التي عملوا بها.

فظهر المنهج الاعتزالي عنده في اعتباره أن التفكير في وجود الله هو أول الواجبات الواجبة علي الإنسان العاقل حتى قبل ورود الشرع، وهو نفس ما نادى به المعتزلة عندما قالوا: إن أول الواجبات المكلف هو الإيمان بوجود الله، ويأتي محمد عبده بهذا المبدأ فيقول " إن أول واجب يلزم المكلف أن يأتي به النظر والفكر لتحصيل الاعتقاد بالله، لينتقل منه إلي تحصيل الإيمان بالرسل، وما أنزل عليهم من الكتب والحكمة، ويضيف إلي هذا أن الإسلام في المطالبة بالإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد علي شيء سوى الدليل العقلي، فلا يصح أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل، ولا من الكتب المنزلة، فإنه لا يعقل أن تؤمن بكتاب أنزله الله إلا إذا صدقت قبل ذلك بوجود الله.

ويقرر محمد عبده هنا مبدأ هاما، وهو أننا لكي نتبع ما جاء به الدين من أمر ونهي، لابد أن نؤمن أولا قبل الاستجابة لهذه الأوامر والنواهي بالخالق الذي أنزلها ونتعقل وجوده، فالبداية عنده أصل بالعقل إلي الإيمان بوجود الخالق عن طريق هذه الدعوة السماوية وأطيع ما جاء بها.

كما يبدو المنهج الاعتزالي عند الشيخ محمد عبده واضحا في بعض الأمور الأخرى، والتي لها أهميتها في مجال العقيدة، والتي قد أخذ فيها الإمام بالمسلك الاعتزالي، منها مسألة الفعل الإنساني والحسن والقبح العقليين، فهو يثبت أن الإنسان مسئول عن فعله، قائلا: لو كان الأنبياء بهذه السلطة لخضع لهم الناس كافة... ولم يبق محل للجزاء علي خير أو شر، فإن الفعل اضطراري، وبذلك تضمحل أخبار السماء بالوعد والوعيد لعدم الحاجة. فالإنسان عنده مسئول عن فعله، وهو ما سبق أن عرضنا له من قبل، حيث أقر أن الفعل ينسب للإنسان بشهادة الواقع والحس والوجدان، وأن الذي يشير إلي هذا أيضا.

وكان هدف محمد عبده من نسبه الفعل إلي الإنسان هو إقرار القول بحرية الإنسان، وأن عقيدة القضاء والقدر في الإسلام لا تعني الجبرية، لأن القضاء والقدر لا شيء منهما يضطر العبد لفعل من أفعاله، فالعبد وما يجده من نفسه من باعث علي الخير والشر ولا يجد إلا أن اختياره دافعه إلي ما يعمل، والله يعلمه فاعلا باختياره. بل إن مذهب الجبرية الذي عرف في بداية الفكر الإسلامي لم يستمر بين المسلمين، فإذا كان قد وجد بين المسلمين طائفة تعرف بالجبرية، ولكنها كانت ضعيفة ضئيلة يقذفها الحق ويطردها العقل وينبذها الدين حتى انقرضت بعد ظهورها بقليل، ويرى أن المنكرين لحرية الإنسان يحتجون بالآية القرآنية ( والله خلقكم وما تعملون ) ويفسرونها علي معني أن الله هو خالق أعمال الناس، لكن محمد عبده يلاحظ أن هذه الآية نفسها تقول (وما تعملون)، فهي بذلك تفيد نسبة العمل إلي الإنسان. وهذا ما أشار إليه أثناء تفسير سورة العصر.

ويعتبر الدكتور عاطف العراقي أن هذا الجانب ـ جانب تقرير الحرية الإنسانية ـ هو أحد الجوانب الإيجابية والصادقة عند محمد عبده، إذ أن الإسلام لم يكن دعوة إلي الضعف والتواكل، بل دعوة إلي القوة، أما الآن فقد انقلب وضع الدين في عقل المسلم، لقد دخل علي المسلم في دينه ما ليس منه وتسرب في عقائده من حيث لا يشعر ما لا يتصل بأصلها، بل ما يهدم قواعدها ويأتي علي أساسها. وكان من أبرز أوجه هذا الضعف مسألة الجبر.

ولعل هدف محمد عبده من إقرار حرية الإنسان وعدم ربطها بعقيدة القضاء والقدر، أو القول بأن هذه العقيدة قد تؤدي إلي الجبر، أنه يهدف إلي تحقيق أمرين:

الأمر الأول: هو دفع المسلم للشعور بأنه مسئول عن عمله، فيكون عضوا عاملا في سبيل تقدم بلده وإصلاحها، حيث إن الإصلاح عنده لا يتم بدون إصلاح الأفراد أنفسهم، وحتى يحارب مبدأ التكاسل الذي فشي هذا العصر بناء علي مبدأ التواكل، ويرى أ، أي عقيدة دينية لابد أن تبعث الإنسان علي الفعل، ففائدتها أن تجعل الإنسان يفعل، فلا يصح أن تكون هناك عقيدة، مثل القضاء والقدر تؤدي إلي سلب قدرة الإنسان، بل لابد أن تساعده علي التقدم والإصلاح.

والأمر الثاني: هو تصحيح مفهوم هذه العقيدة أمام خصوم الإسلام الذين أشاعوا أن سبب تخلف المسلمين هو بسبب اعتقادهم في عقيدة القضاء والقدر، وأن الإفرنج ينسبون عادة الانحطاط الحالي في البلاد الإسلامية إلي تمكن عقيدة القدر فيهم، وتحويل جميع مهماتهم علي القدرة الإلهية، فأراد محمد عبده أن يبين أنه لا علاقة بين هذه العقيدة والتخلف أو التكاسل الذي صارت فيه الأمة الإسلامية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية يبين أن هذه العقيدة كما هي موجودة في الإسلام، فهي موجودة أيضا في غيره من الديانات، فهو يبرئ الدين الإسلامي مما اتهمه به خصومه من أنه هو سبب التخلف الذي أصاب المسلمين.

وإذا كان محمد عبده قد سلك في عرض بعض المسائل الكلامية المسلك الاعتزالي المعتمد علي العقل مع إضافة أهدافه الخاصة في تصحيح صورة الإسلام، وفي الدعوة إلي الإصلاح والتقدم، إلا أنه لم يتبع منهج المعتزلة وسلوكهم في كل المسائل، فهو معهم في تحكيم العقل والاستهداء به إلي هدي الدين، ولكنه لا يرى في الاستغناء بالعقل وحده، لأنه يفرق بين مطابقة الدين للعقل وبين الاكتفاء بالعقل في المسائل النظرية والشرعية، إذ لا بد من تسليم العقل بنصيب الشرع من الهداية طالما هو عاجز عن أن ينفذ إلي كنه الأشياء، كما سبق أن أشرنا فيما قبل.

كما عاب علي المنهج الاعتزالي إغراقه في بحث بعض المسائل التي لا تخدم العقيدة، مثل حكم مرتكب الكبيرة، ومسألة الصفات هل هي عين الذات، وهل هي زائدة أم غير زائدة، وهي المسائل التي أفني فيها المتكلمون أجزاء كبيرة من دراساتهم وكتبهم في حين أنها مسائل لا تخدم العقيدة أو إثبات وجود الله.

هذا بالإضافة إلي إهماله لبعض مباحثهم ـ وهو ما أشرنا إليه ـ مثل مسألة خلق القرآن أو قدمه، وأخذ عليهم اعتمادهم علي استخدام القضايا المنطقية بكثرة في مجالات لا يصح إقحامها فيها، مما أدى بهم إلي السفسطة أحيانا، والتفرغ لإبراز الخلافات التي هي ليست أكثر من اختلافا لفظية دفعت إلي خلق المشكلات بينهم.

وقد عرض الإمام محمد عبده في كتابه " حاشية علي شرح العقائد العضدية " للخلاف الذي نشأ بين الفرق، وقسم ما بينهم من خلاف إلي ما هو ثانوي، وما هو جوهري، وحاول التوسط بينهما برأي معقول يقبله الجميع، ولعل هذا ما يبرز محاولاته دائما لإيجاد مبدأ الوسطية في المسائل التي قد يؤدي الخلاف فيها إلي تفرق الأمة وتفككها، وتكون هي في الأغلب مسائل غير مؤثرة في حقيقة العقيدة.

ومحمد عبده في عرضه للمناهج الكلامية نجده يقوم بعملية انتقاء العناصر، ثم يمزج هذه العناصر المستمدة من مدارس مختلفة في منهج واحد يخدم هدفه المنهجي، ويظهر بوضوح المنهج السني من خلال تأثره بالغزالي والماتريدي، فيأخذ بموقف الماتريدي في بعض المواقف، ويعتبر الاتجاه الاعتزالي أحد عناصر الفكر السني الحديث بعدما كان عنصرا خاملا منذ القضاء عليه في عصر الدولة العباسية الأخيرة.

وإذا كان الهدف الأساسي من علم الكلام، هو تأكيد العقائد الدينية بالأدلة العقلية، فإن محمد عبده في هذا المجال لا يتبنى رأيا كاملا من آراء أي مدرسة من المدارس الكلامية، بل أنه يبسط كل الآراء ويقارن بينها، ويوفق بين مذاهب قد تبدو متعارضة لأول وهلة، ويمزج هذه العناصر مزجا جيدا، ويعرضها بمنهجه الخاص الذي امتاز بطابع الفهم والتحقيق والانتقائية والاختيار، إلي جانب المعاصرة والملائمة لظروف المجتمع الذي يقدم له هذا العلم ولطبيعة شعبه ودرجة علمه، ليستفيد من وراء هذا كله بفائدة عقلية وعملية تحقق المصلحة المطلوبة، سواء في المجال الديني أو الأخلاقي أو العملي، ويبعد بآرائه ومنهجه عن أن يؤدي التطاحن في مسائل ليس من ورائها عائد، وليس أدل علي ذلك من موقفه من مسألة حدوث العالم.

ففي مجال تدليله علي حدوث العالم يأتي بآراء يخالف فيها بعض الفلاسفة، إلا أنه يرى أن هذا الخلاف يجب ألا يؤدي إلي التطاحن، فيقول: واعلم أني وإن كنت قد برهنت علي حدوث العالم وحققت الحق فيه علي حسب ما أدى إليه فكري ووقفني عليه نظري، فلا أقول بأن القائلين بالقدم قد كفروا بمذهبهم هذا، وأنكروا به ضروريا من الدين، وإنما أقول إنهم أخطئوا في نظرهم، ولم يسددوا مقدمات أفكارهم.

فهو مع مخالفته للفلاسفة في مسألة العالم، إلا أنه لا يرى وجوب التفكير، وإنما يرى أنهم قد سلكوا مبدأ الاجتهاد، ولم يعتمدوا علي التقليد، ومن عول علي الاجتهاد لم تجب عصمته فهو معرض للخطأ، ولكن خطأه عند الله واقع موقع القبول، ويرى: أن أول أساس وضع في الإسلام هو النظر العقلي.. وبلغ هذا الأصل بالمسلمين إن ما قال قائلون من أهل السنة إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلي الحق، ثم لم يصل إليه ومات طالبا غير واقف عند الظن، فهو ناج؟ فأي سعة لا ينظر إليها أكمل من هذه السعة؟.

ويبرر الدكتور عاطف العراقي موقف محمد عبده من عدم تفكير الفلاسفة من مسألة عدم العالم، لأنه اعتقد أن هذه الأسئلة، مسألة الحدوث والقدوم، تعد مسألة جدلية، وخاصة أن القائلين بالقدم حاولوا الدفاع عن رأيهم بذكر أكثر من آية من الآيات القرآنية.

وكان محمد عبده يهدف من وراء ذلك إلي تشجيع المسلمين علي الاجتهاد، وإن أدى بهم هذا الاجتهاد إلى بعض الأخطاء، ولكن هذا الاجتهاد أفضل عنده من التقليد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى رأى أن الأخذ بمبدأ التكفير نتيجة اختلاف الآراء سيؤدي إلى تفتيت وحدة الأمة عندما يتفرغ كل فريق منها إلي تكفير غيره من الفرق الأخرى، فينصرف عن التقدم في مجال البحث عن التطاحن.

ويري محمد عبده أن تكفير الفرق بعضها لبعض إنما هو دليل علي ضعف الدين، فيقول متى ولع المسلمون بالتكفير والتفسيق، ورمي زيد بأنه مبتدع، وعمر بأنه زنديق؟.. إن ذلك فيهم عندما يبدأ الضعف في الدين يظهر بينهم، وأكلت الفتنة أهل البصيرة، تلك الفتن التي كان يثيرها أعداء الدين في الشرق والغرب لخفض سلطانه، وتوهين أركانه، وتصدر للقول في الدين برأيه من لم تمتزج روحه بروح الدين. وإن كان محمد عبده يعبر في مجمل رأيه عن آراء منهج أهل السنة باعتبار أن مذهبهم يشمل المدارس التي كانت تحاول أن تفهم النصوص الدينية بطريقة أقرب للكلاميين والتوسط بين مختلف المدارس المتطرفة، إلا أنه أيضا اختلف عن طريقهم في بعض المجالات، فهو معهم في رأيهم عن الوحي وما للنبي من فضل وكرامات، ولكنه حاول أن يصب آراءه في قالب منطقي، وأن يبيح لنفسه حرية أكبر في فهم النصوص وتأويلها، مثل موضوع كرامات الأولياء، وبعض التفاصيل الخاصة بالحياة الأخرى، وكذلك في بعض المسائل التي لا يعتمد فيها علي سند قاطع.

د ـ الفلسفة: درس محمد عبده الفلسفة عند أبرز شخصياتها، فقرأ كتب ابن سينا، وكانت له عليها حواشي، فيقول: وقفت علي كتب الشيخ الرئيس ابن سينا، ومن في طبقته من علماء هذا العلم.. واستخرت الله في وضع بعض التعاليق.

كما درس فكر ابن رشد وتفهمه بصورة تخالف ما ذهب إليه فرح أنطون، حيث كان يرى أن ابن رشد حاول أن يفصل بين مجالي الدين والفلسفة، وهذا علي عكس ما ارتئه محمد عبده، حيث رأى في الإمكان أن يجمع بينهما، وإن كان إجماعا ليس تاما، حيث أن الدين به ما لا يصح أن يدخله الجدل، وهو ما سبق أن عرضنا له عند الحديث في حدود العقل والنقل عنده.

ويتفق محمد عبده مع الفلاسفة في قيام منهج بحثهم علي العقل، لأن هذا ما دعا إليه الإسلام، فيقول: إن الأصل الثاني للإسلام تقديم العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض.. وبهذا الأصل الذي قام علي الكتاب والسنة وصحيح السنة مهد بين يدي العقل كل سبيل وأزيلت من سبيله جميع العقبات واتسع له المجال إلي حد، فما عساه يبلغ نظر الفيلسوف حتى يذهب إلي ما هو أبعد من هذا؟

كما يأخذ أيضا من الفلسفة اعتمادها علي المنطق الذي يعده معيار العلوم، وقد قام محمد عبده في بداية حياته العملية بشرح كتاب " البصائر النصيرية لعمر الساوي ونشره بمصر سنة 1898"، ودعا فيه إلي ضرورة تعلم الأزهريين لعلم المنطق، لأن العلوم المنطقية إنما وضعت لتقويم البراهين وتمييز الأفكار غثها من الثمين، ولا يعدل عن طلبه إلا جهول ظلوم.

فهو مع الفلاسفة في تحكيم العقل والقياس المنطقي في العلوم الكونية، إلا أنه خالفهم في معني الوجود، وخالفهم في مسألة استحالة الخلق من عدم، لأن الخلق من عدم ليس بمستحيل علي الله، لأنه فعال لما يريد.

ويرى محمد عبده أن استخدام العقل في المجال الفلسفي لخدمة مجال الطبيعة ليس له حدود، والقرآن خير شاهد علي ذلك، فيقول " يكون اليقين بإطلاق النظر في الأكوان طولها وعرضها حتى يصل إلي الغاية التي يطلبها بدون تقييد، كما هدانا الله إلي ذلك في كتابه.

بل أنه يشير إلي أن ثلث القرآن يدعوا إلي النظر في الكون، فهو هنا يشيد بطريقة الفلاسفة قد أخطئوا في منهجهم عندما طبقوه علي الأمور الدينية، فسقطت منزلتهم من النفوس، ونبذتهم العامة، ولم تحفل بهم الخاصة، وذهب الزمان بما كان ينتظر العالم الإسلامي من سعيهم.

فكان خطأ الفلاسفة في نظر محمد عبده، أنهم خلطوا المباحث المادية بالمباحث الدينية، وحشروا العقل في مجالات من الدين لا يحق دخولهم فيها، وحاولا أن يقاربوا بين هذا وبين عقائد اليونان فيما عرف عنهم بالتوفيق بين الفلسفة والدين.

أما المجال الصحيح الذي تستطيع فيه الفلسفة أن تؤدي أجل الخدمات، فهو البحث في ظواهر الطبيعة، أو كما يقول: كشف الأسرار المخبوءة في أعماق الكون، فهي قد تحقق بعض المنافع العملية خاصة في تقدم الصناعات، ولكن هذه المنافع لم تحقق في الإسلام بصورة كاملة، لأن الفلاسفة زجوا بأنفسهم في المنازعات الدينية وخلطوا فنونهم بالدين.

وقد علق محمد رشيد رضا علي هذا بقوله: إن الفلاسفة لو لم يخلطوا فنونهم بالدين، ويزجوا بأنفسهم في المنازعات الدينية لتركوا وشأنهم في البحث، وإذن لارتقت علومهم وارتقت بها الصناعات، واتسع العمران.

وعلي الرغم من إعجاب محمد عبده بطريقة الفلاسفة ومنهجهم في بحث مجالات الطبيعة، إلا أنه عاب عليهم أمرين:

الأول: إعجابهم بما نقل إليهم فلاسفة اليونان، خصوصا من أرسطو وأفلاطون، ومحاولة تقليدهما مما جعلهم ينشغلون بمسائل لم يكن لها أثر في الحياة.

والأمر الثاني: أنهم زجوا بأنفسهم في المنازعات التي كانت قائمة بين أهل النظر في الدين فأثاروا عليهم حماة الدين، مما جعلهم يثورون عليهم ويذهب أحدهم وهو الغزالي إلي تكفيرهم.

هذه هي المصادر الثقافية التي أثرت في تحديد إطار فكر الإمام محمد عبده ومنهجه في دراسة العقيدة، والتي حاول فيها جمع بعض عناصر هذه المناهج، وتكوين منهج خاص به تحرر من الارتباط بمدرسة فكرية معينة، بمكن أن ينسب إليها منهجه، بل كان هدفه هو أساس اختياره بين هذه المناهج، فكان هدفه السعي إلي تبسيط العقائد الدينية، وإيجاد نوع من الألفة والوحدة بين مختلف أفراد المسلمين، والتزام بما ينادي به الإسلام في خطوطه العامة، وأن يكون هناك فاصل معين بين مجال الدين ومجال العلم، وأن يكون الدين دافعا للعلم وليس معوقا له، فيفسر ما في الدين لتحقيق المدنية الحديثة التي ينشدها من تقدم علمي وإصلاح أخلاقي، حيث إن الأخلاق فيما يري هي مكتسبة وليست غريزية، وكان يريد الوصول بهذا المنهج إلي تحقيق غايتين:

الأولي: الحفاظ علي وحدة الأمة الإسلامية وسلامتها الاجتماعية، مما حمله علي تناسي التمييزات الفكرية وتجنب إعادة فتح المناقشات القديمة.

والثانية: الإجابة علي بعض الأسئلة التي أثيرت في تلك الفترة في أوروبا وكان لها صدى في مصر، وهي قضية العلاقة بين العلم والدين، التي حاول أن يوجد بينهما توافقا وتميزا يلائم مشروعه الحضاري، ولا يخالف الإطار الإسلامي العام.

وهكذا أراد محمد عبده أن يقيم مذهبا خاصا به في دراسة المسائل الإلهية أو عليم العقيدة، ولكنه لم يعتمد منهجا كاملا من مناهج السابقين، بل بحث كل مسألة من مسائل هذا العلم معتمدا علي بعض أقوال الفلاسفة أو المتكلمين أو المتصوفة يوافق بها كل طائفة من هذه الطوائف أو يخالفها مستقلا بمنهجه الخاص الذي اتسم بطابع الفهم والتحقيق والملاءمة للمطابقة العملية كي يحقق خطوات الإصلاح الشامل في سبيل تحقيق التقدم.

الفهارس والمراجع:

1. د.عاطف العراقي دراسة بعنوان "رؤية محمد عبده للإسلام" ضمن كتاب "الإسلام دين العلم والمدنية" للشيخ محمد عبده، دار سينا للنشر، القاهرة، 1987، ص9.

2. محمد عبده، مقالة بعنوان: "درس عام في العلم الإسلامي والتعليم" ألقاها في تونس، ولخصتها جريدة "الحاضرة التونسية"، ونقلتها عنها المنار.

انظر الأعمال الكاملة، تحقيق الدكتور محمد عمارة، ج 3، ص 143

3. محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج2، ص 455.

4. محمد عبد ه، مقالة بعنوان: "العلوم الكلامية والدعوة إلى العلوم العصرية"، نشرت بالأهرام، العدد 36، السنة الأولى، سنة 1877، وهي ضمن الأعمال الكاملة، ج3، ص15.

5. محمد عبده، رسالة التوحيد، ضمن الأعمال الكاملة، ج3، ص355.

6. د.عاطف العراقي، رؤية محمد عبده للإسلام، ص11.

7. محمد عبده "درس عام في العلم الإسلامي والتعليم"، منشور ضمن الأعمال الكاملة، ج3، ص 150.

8. محمد عبده، رسالة التوحيد، الأعمال الكاملة ج3، ص 358.

9. يذهب بايندر في كتاب الثورة العقائدية في الشرق الأوسط، ترجمة خيري حماد، ص 155، إلي أن محمد عبده قد أعرب عن شكوكه في أهمية العقيدة الخلافة في الشرع الإسلامي.

10. محمد عبده، رسالة التوحيد، الأعمال الكاملة، ج3، ص360.

11. بايندر: الثورة العقائدية،ص 105.

12. محمد عبده، رسالة التوحيد ضمن الأعمال الكاملة ج3 ص365.

13. محمد عبده، "الاضطهاد في النصرانية والإسلام" ضمن الأعمال الكاملة، ج3، ص 325 وفيها يتحدث عن جناية الجمود علي العقيدة.

14. محمد عبده، حاشية شرح العقائد العضدية، وهو منشور تحت عنوان "محمد عبده بين الكلاميين والفلاسفة" تحقيق د.سليمان دنيا ص8.

15. محمد عبده، المرجع السابق، ص22.

16. محمد رشيد رضا، تاريخ الإمام، مطبعة المنار، سنة 1931، جـ1، ملخص خطابه في ختام المنطق ص763.

17. محمد عبده، رسالة التوحيد، الأعمال الكاملة ج3، ص 365.

18. محمد رشيد رضا، تاريخ الإمام ج1، مقالة "النصرانية والإسلام" لمحمد عبده، ص317.

19. محمد عبده، حاشية على شرح العقائد.

20. محمد رشيد رضا، تاريخ الإمام، ج1، مقالة بعنوان: "انحطاط المسلمين وسكونهم وسبب ذلك لمحمد عبده"، ص 318، د.إبراهيم هلال: من نقاط الالتقاء بين الإمامين محمد عبده والشوكاني، مكتبة النهضة المصرية سنة 1987 ص16.

أيضا: مصطفي عبد الرزاق: محمد عبده، دار المعارف ـ مصر سنة 1946 ص 64.

21. محمد عبده، رسالة التوحيد، الأعمال الكاملة، ج3، ص 366.

22. محمد عبده، الرد علي فرح أنطوان في مقالة "الاضطهاد في النصرانية والإسلام"، صمن الأعمال الكاملة ج3، ص325.

23. محمد رشيد رضا: تاريخ الإمام ج1، ص 411.

24. محمد عبده، الرد على هانوتو "الإسلام والمسلمون والاستعمار"، ضمن الأعمال الكاملة ج3، ص228.

25. د.عاطف العراقي: رؤية محمد عبده للإسلام، دراسة ضمن كتاب الإسلام دين العلم والمدنية، ص 13-14.

26. محمد عبده، الرد على فرح أنطوان، الاضطهاد في المسيحية والإسلام، الأعمال الكاملة ج3، ص 342.

27. محمد عبده، تفسير سورة عم، ص 175.

وأيضا: د.عثمان أمين، محمد عبده، رائد الفكر المصري، مكتبة النهضة، سنة 1955، ص 60.

28. د.إبراهيم هلال: من نقاط الالتقاء، ص25.

29. محمد رشيد رضا، تاريخ الإمام ج1، في ختام درس المنطق، ص 762.

وأيضا:د.عثمان أمين، رائد الفكر المصري، ص 96.

30. محمد عبده، الرد على فرح أنطوان، "الاضطهاد في النصرانية والإسلام" ضمن الأعمال الكاملة ج3، ص 326. وأيضا: إبراهيم هلال، من نقاط الالتقاء بين الإمامين محمد عبده والشوكاني، ص 27.

31. محمد رشيد رضا: تاريخ الإمام، مقالة (القضاء والقدر)، ج2، ص 270.

32. تفسير سورة عم.

33. محمد عبده، حاشية على شرح العقائد العضدية، ص 23.

34. محمد عبده: رسالة التوحيد، الأعمال الكاملة ج3، ص 316.

35. محمد عبده، الرد علي فرح أنطوان ("الاضطهاد في النصرانية والإسلام" الأعمال الكاملة)، ج3، ص 326.

36. المرجع السابق، ص 325.

37. محمد عبده: "درس عام في العلم الإسلامي والتعليم"، ضمن الأعمال الكاملة، ج3، ص 150.

38. د. عاطف العراقي: ثورة العقل في الفلسفة العربية، دار المعارف بمصر، ط4، 1978، ص17.

39. محمد عبده: مقالة "العلوم الكلامية والدعوة إلى العلوم العصرية"، ضمن الأعمال الكاملة ج3، ص 15.

40. محمد عبده، رسالة التوحيد، ضمن الأعمال ج3، ص 365 ـ 366.

41. المرجع السابق، ج3، ص 356.

42. محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج3، ص 151.

43. محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج3، ص 151.

44. د.سليمان دنيا، مقدمة كتاب محمد عبده بين الكلاميين والفلاسفة، ص26.

45. المرجع السابق، ص9.

46. المرجع السابق، ص12.

47. د.عثمان أمين، رائد الفكر المصري، ص 114.

48. د.منى حسن، مقالة بعنوان "الاعتزال عند محمد عبده"، مجلة دراسات عربية، العدد 9، سنة 1988، السنة 24.

49. محمد عبده، رسالة التوحيد، ضمن الأعمال الكاملة، ج3، ص 357.

50. محمد عبده، حاشية على شرح العقائد، ص 197.

51. بايندر، الثورة العقائدية، ص114

52. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 2، ص 456، وهو من تعليقات الإمام على شرح نهج البلاغة.

53. محمد عبده، الأعمال الكاملة جـ 3 رسالة التوحيد، ص 379.

54. المرجع السابق، جـ 3، ص 377.

وأيضا: عباس محمود العقاد، تراجم وسير، مج 17، بعنوان: "محمد عبده عبقري الإصلاح والتعليم"، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط 1، 1980، ص 179.

55. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 2، ص 459.

56. محمد رشيد رضا، تاريخ الإمام مقالة عن (القضاء والقدر) جـ 2، ص 266، وانظر تفسير سورة العصر، ص 45.

وأيضا: طهاري محمد، مفهوم الإصلاح بين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، تونس، سنة 1984، ص 27.

57. ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، دار النهار، بيروت، 1968، ص 180.

58. بايندر، الثورة العقائدية، ص 150.

59. محمد عبده: شرح العقائد العضدية، ص 197.

تشارلز أدمس "الإسلام والتجديد"، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة، والنشر، سنة 1935، ص 113.

60. محمد عبده الأعمال الكاملة جـ 3، رسالة التوحيد، ص 377. وإن كان قد بقي في حاشية على العقائد العضدية ص 601 قوله: "ليس معنى القرآن أو الكلام، إلا هذه الألفاظ المقروءة بالألسن المكتوبة في المصاحف المتفق على حدوثها، وما ورد في النصوص من أنه غير مخلوق فمؤولة".

انظر أيضا: ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة، ص 177.

61. محمد عبده، تفسير سورة العصر، المنار جـ 6، ص 598.

62. لابن سينا، رسالة بعنوان سر القدر.

63. انظر المنار جـ 6، ص 598، 590. وأيضا: تشارلز أدمس: الإسلام والتجديد، ص 114.

64. انظر أدلة أبن رشد في كتاب فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال وكتاب كشف مناهج الأدلة ضمن كتاب (فلسفة ابن رشد) نشر دار الآفاق الجديدة، بيروت.

وانظر د. عاطف العراقي: المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد، دار المعارف طبعة 1984، ص 70، النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، دار المعارف، 1982، ص 283.

65. د. عثمان أمين، محمد عبده رائد الفكر المصري، ص 231.

66. محمد رشيد رضا: تاريخ الأمام جـ 1، ص 21.

67. محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ، جـ 2، ص 9.

وأيضا: جـ 1، ص 106، حيث يقول: "إن السيد جمال الدين هو الذي أخرجه من التصوف إلى الفلسفة".

68. العقاد، الأعمال الكاملة، جـ 17، محمد عبده عبقري الإصلاح، ص 178.

69. ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ص 185. نقلاً عن المنار، عدد 7، سنة 1904 – 1905، ص 439.

وأيضا: عثمان أمين: محمد عبده، رائد الفكر المصري، ص 191.

70. محمد رشيد رضا، تاريخ الإمام جـ 1، ص 114.

71. المرجع السابق، جـ 1، ص 613، 614.

72. محمد عبده، رسالة التوحيد، الأعمال الكاملة، جـ 3، ص 282. وأيضا د. عثمان أمين: محمد عبده رائد الفكر المصري، ص 15.

73. محمد عبده، حاشية على شرح العقائد العضدية، ص 26.

74. المرجع السابق، نفس الصفحة.

75. سورة الرعد، آية 11.

76. محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام جـ 2، (سنن الله في الأمم وتطبيقها على المسلمين)، ص 323 – 324.

77. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 3، 340.

78. د. سليمان دنيا: مقدمة كتاب محمد عبده بين الكلاميين والفلاسفة، ص 6.

79. محمد رشيد رضا، تاريخ الأستاذ الإمام جـ 1، ص 133.

80. المرجع السابق، ص 134.

81. الإمام محمد مصطفى المراغي، مقالة بعنوان الشيخ محمد عبده بمناسبة ذكراه السادسة والثلاثين، مجلة الرسالة، 21 يوليو سنة 1941، 26 جمادى الآخرة سنة 1360، العدد 420، السنة التاسعة 914.

82. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 3، (الرد على فرح أنطوان: الاضطهاد في النصرانية والإسلام)، ص 279. وأيضا: حاشية على شرح العقائد العضدية، ص 200 – 201.

83. محمد عبده، الأعمال الكاملة جـ 2، من تعليقات الإمام على نهج البلاغة، ص 464.

84. محمد عبده، الأعمال الكاملة جـ 2، ص 467.

85. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 3، الرد على هانوتو، الإسلام والمسلمون والاستعمار، ص 210.

86. د. عاطف العراقي، رؤية الإمام محمد عبده للإسلام، ص 24 – 25.

87. مقالة لمحمد عبده بعنوان (القضاء والقدر) نشرت في جريدة العروة الوثقى، ومنشورة ضمن تاريخ الإمام جـ 2، 265. وأيضا تشارلز أدمس، الإسلام والتجديد، ص 143.

88. العقاد، الأعمال الكاملة، جـ 17 (محمد عبده عبقري الإصلاح) ص 185.

89. ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ص 177.

90. محمد عبده، حاشية على شرح العقائد العضدية، ص 181.

91. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 3، "الرد على فرح أنطوان"، ص 282.

92. د. عاطف العراقي، رؤية الإمام محمد عبده للإسلام، ص 28.

93. محمد عبده، المرجع السابق، جـ 3، ص 340 – 341.

94. محمد عبده، المرجع السابق، جـ 2 "مقدمة البصائر النصرية"، ص 426.

راجع أيضا تاريخ الإمام، جـ 3، ص 71، إذ وصف بأنه (قطب دائرة الفلسفة).

95. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 3، ص 282.

96. محمد عبده، الأعمال الكاملة جـ 2، مقدمة البصائر التنصيرية، ص 426.

97. محمد عبده، الأعمال الكاملة جـ 3، مقالة بعنوان: "العلوم الكلامية والدعوة إلى العلوم العصرية"، ص 15. وأيضا: محمد رشيد رضا تاريخ الإمام جـ 2، ص 58.

98. محمد عبده، الأعمال الكاملة، جـ 3، "الرد على فرح أنطوان (الاضطهاد في النصرانية والإسلام)"، ص 279.

99. تشارلز أدمس: الإسلام والتجديد، ص 117.

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

الإسلام وقضايا العصر

دعوة ودعاة

مجاهيل ومشاهير

استشارات دعوية

مجلة المسلم المعاصر

الحضارة الإسلامية

الأخلاق والتزكية

صفحات وملفات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع