Untitled-1
Left

دور الأستاذ الإمام محمد عبده في إصلاح المؤسسات

2005/12/11

** د. عبد المعطي بيومي

د. عبد المعطي بيومي

كان محمد عبده يعول في إصلاحه على المؤسسات، بحيث يمثل إصلاح المؤسسات الآتية في نظره أهمية خاصة في توجهه للإصلاح، وهي:

1 - مؤسسات التربية والتعليم:

- أهمية التربية والتعليم في نظر الإمام.

- الأزهر، وما فيه من:

* التدريس.

* التأليف.

2 - المؤسسات الدينية:

- الأوقاف.

- المساجد.

- الإفتاء.

3 - دوره في القضاء.

4 - دوره في الصحافة.

5 - الجمعيات الخيرية.

دوره في مؤسسات التربية والتعليم:

أهمية التربية في نظر الإمام:

كان الأستاذ الإمام يعلق على التربية والتعليم الإصلاح كله، بحيث يتوقف عليه كل شيء.

- فالتربية الدينية عنده هي الموصلة إلى العمل النافع للأمة.

قال: "... فإن المسلمين إذا تهذبت أخلاقهم بالدين، سابقوا الأوربيين في اكتساب العلوم وتحصيل المعارف ولحقوا بهم في التمدن".

وكان يرى أن اكتساب العلوم وتحصيل المعارف بدون التربية الأخلاقية النابعة من التعاليم الإسلامية، لا تؤدي بالأمة إلى غير القلق والهذيان، كما كان يرى أن الناس في كل الأمم أكفاء في كل شيء، ولا نقص في الدنيا إلا من جهة العقول والأخلاق.

- وهي العلاج لكل أدواء المجتمع.

فهوى يرى أرضنا طيبة التربة، طيبة الهواء، كثيرة النبات، وهي بما تأتي من الثمرات لقادرة على حفظ ناموسها وتقوية شوكتها، بل قادرة على أن تكون سلطتها مبسوطة إلى أقطار أخرى".

ولكن السبب في الفقر في هذه الأرض كما يقول "عدم سريان روح التربية الشرعية العقلية التي تجعل إحساس الإنسان بمنافع بلاده كإحساسه بمنافع نفسه، وشعوره بأضرار وطنه كشعوره بأضرار ذاته، إن لم نقل نجعل الإحساس الأول أقوى من الثاني".

وفي إحدى خطب "الجمعية الخيرية" رأيناه يذكر هذا المعنى ذاته بقوله:

"إن بلادنا ليست بلاد الجوع القتال، ولا بلاد البرد القارس المميت، ولا بلاد الشتاء التي لا ينال الإنسان فيها قوت يومه إلا بالعذاب الأليم، بل نحن في بلاد رزقها الله سعة من العيش، ومنحها خصوبة وغنى، يسهلان على كل عائش فيها قطع أيام الحياة بالراحة والسعة، ولكنها –ويا للأسف-، منيت مع ذلك بأشد ضروب الفقر.. فقر العقول والتربية".

وهو يرى أن القفز إلى إصدار القوانين والتشريعات، شيء لا يفيد الأمة كثيرًا، أما الشيء المفيد حقًا فهو التربية قبل إصدار القانون، فلا بد إذن أن تتغير القوانين لتناسب ملكات الأمة.

يقول: "ليست هيئة النظام المدني لأمة من الناس سوى صورة لمادة الملكات التي اكتسبها أفرادها، من مألوفاتها وعوائدها التي نشأت عليها سواء كانت ممدوحة أو مذمومة، وأن اختلاف قوانينها في معارج صعودها ومدارك هبوطها، لا ينفك عن هذه الملكات، مهما تغيرت أصنافها وتبدلت شئونها.

هذا ما جعل عقلاء الناس يجتهدون أولاً في تغيير الملكات وتبديل الأخلاق، عندما يريدون أن يضعوا للهيئة الاجتماعية نظامًا محكمًا، فيقدمون التربية الحقيقية على ما سواها ليتسنى لهم أن يحصلوا على هذه الغاية، بل يجعلون في نفس القوانين النظامية، فصولاً وأبوابًا تضبط الأخلاق وتحفظ الملكات الفاضلة، وتكون حدًا تقف عنده النفوس في أعمالها وتلتزمه الأشخاص في سيرها، حتى تنتقل الأعمال من حالة التكليف إلى حالة العادة والملكة، فتصبح الأخلاق فاضلة، والعادات حسنة، وتسير الأمة في طريق الاستقامة إلى خير غاية".

وفي حديث الأستاذ الإمام عن التربية والقوانين، فإنه يركز على أمرين مهمين يختلف بهما عن كثير من دعاة الإصلاح في هذه الفترة.

- فهو لا يرى استيراد القوانين في بلاد غير هذه البلاد؛ فالنقل عن الحضارة الغربية قوانينها ومؤسساتها إذن ليس سبيلاً إلى الإصلاح "فإن البلاد تختلف باختلاف المواقع والمصالح والعوائد والأخلاق، وما ينطبق على الأصول المدنية والسياسية في بلاد، قد لا ينطبق عليها في أخرى، وحينئذ لا يسوغ لأرباب الشورى أن يجاروا غير بلادهم في سن القوانين".

فهو يختلف في هذه النقطة عن رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، كما يختلف بصورة أشد مع المتغربين الذين يرون نقل الحضارة الغربية بكاملها؛ لأن القوانين لا بد أن تكون نابعة من البلاد التي تشرع لها.

- ومن هنا كان رأيه البدء بالتربية أولاً، قبل التقنين.

يقول: "ليست القوانين التي تفرض العقوبات على الجرائم، وتقدر المغارم على الهفوات، هي التي تربي الأمم وتصلح من شأنها، فإن القوانين لم توضع في يد جميع العالم إلا للشواذ والهفوات والسقطات، أما القوانين المصلحية فهي نواميس التربية المحلية لكل أمة".

وقد اختلف محمد عبده في البدء بالتربية مع الكثيرين من زعماء الحركة الوطنية ودعاة الإصلاح.

ويبين الإمام أن التربية يجب أن تتم على أساس الإسلام، يقول:

"... ثم يكون التعليم في هذه الفنون المذكورة –فنون التعليم التي اقترحها- والتربية على وجه يتفق مع قواعدها، مستندين إلى الشرع الشريف بحيث تذكر مآخذها من القرآن والسنة الصحيحة، وما صح أثره من أقوال الصحابة وعلماء السلف الأول ومن حذا حذوهم، كحجة الإسلام الغزالي وأمثاله".

أما من ناحية التعليم، فقد عاب محمد عبده نظم التعليم التي كانت سائدة حينئذ، وأرجع إليها الخذلان الذي تعانيه الأمة الإسلامية.

قال: "إذا استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب الخذلان لا نجد إلا سببًا واحدًا، وهو القصور في التعليم الديني إما بإهماله جملة كما هو في بعض البلاد، وإما بالسلوك إليه من غير طرقه القوية كما في بعض آخر".

كما نبه على خطر المدارس الأجنبية التي كان يقيمها الغربيون في أنحاء العالم الإسلامي وأبان عن هدفها من التأثير على عقول أبناء المسلمين وصبغهم بصبغة غير إسلامية، ولقد حاول عندما كان عضوًا بمجلس المعارف، أن يعين الرقابة الحكومية على هذه المدارس، فلجأ إلى حيلة ذكية دعا في جلس للمجلس بمعاونة الحكومة لهذه المدارس، فهلل الأعضاء الأجانب وخالف الوطنيون، وأقرت المعونة، وفي جلسة أخرى دعا إلى فرض رقابة الحكومة على هذه المدارس، فهلل الوطنيون وخالف الأجانب، ولكنه أقحمهم بالحجة.

1 - الأزهر:

كما انتقد الأزهر، والمدارس الحكومية، والكتاتيب في القرى، وكشف عن حالة الفوضى التي تتخبط فيها كل مرافق التعليم بحيث تسير إليه من غير طرقه القوية كما قال:

ولذلك وضع الأستاذ الإمام لإصلاح التعليم ثلاث خطط:

- خطة لإصلاحه في الدولة العثمانية. بعثها إلى شيخ الإسلام في الآستانة.

- خطة لإصلاحه في سوريا. بعث بها إلى والي سوريا.

- خطة لإصلاحه في مصر. نشرها لولاة الأمر في مصر ولسائر الناس.

وكل هذه الخطط إنما تدور حول أن تكون التربية الدينية هي أساس التعليم الرئيس، ويضاف إليها العلوم النافعة لتقدم الأمة، وكلها ترتكز على ضرورة أن يهب أولو العزم واليسار من المسلمين ليساعدوا على إقامة هذا التعليم ونشره في الأمة؛ لأن في التعليم حماية للأمة ولأغنيائها خاصة.

قال: "فعلى الأغنياء منا الذين يخافون من تغلب الغير عليهم، وتطاول الأيدي الظالمة إليهم أكثر من الفقراء أن يتآلفوا ويتحدوا ويبذلوا من أموالهم في افتتاح المدارس والمكاتب، واتساع دوائر التعليم حتى تعم التربية، وتنبت في البلاد جراثيم العقل والإدراك، وتنمو روح الحق والصلاح، وتتهذب النفوس ويشتد الإحساس بالمنافع والمضار، فيوجد في أبناء البلاد من يضارع بني غيرها من الأمم فتكون عند ذلك في رتبة المساواة. لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

ولقد كان الأمل الكبير للأستاذ الإمام في إحياء التعليم الإسلامي معلقًا على إحياء الأزهر وإصلاحه، وهو معقل هذا التعليم وحلقة الوصل بين المسلمين، والجامعة الأخطر التي يناط بها الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه، ضد الحملات الإلحادية والصليبية عبر الزمان، فإذا به يتحول إلى تخريج الفقهاء الذين لا يعرفون سوى كتب معينة ينفقون أعمارهم رخيصة في حل رموزها، وحكاكات ألفاظها، ولا يجيدون شيئًا سواها وسوى التقليد الأعمى والحزبية المذهبية الضيقة التي تجعل من الإسلام الواحد أنواعًا كثيرة متفرقة من الإسلام، هذا فضلاً عن سوء الحالة الصحية وجهل الطلاب والعلماء جميعًا بكل شيء من العلوم الأخرى غير بعض العقائد والأحكام الفقهية على أحد المذاهب.

وقد استطاع محمد عبده في أول العلاقة بينه وبين الخديوي عباس، أن يقنعه بإصلاح الأزهر، فسن قانونًا تمهيديًا لإصلاح الأزهر، وأنشأ مجلسًا لإدارة الأزهر. انتخب أعضاؤه من كبار علماء الأزهر، عدا عضوين عينتهما الحكومة.

وقد بدأ هذا المجلس أعماله بزيادة الرواتب، وقد كان محمد عبده يرى أن يتم الإصلاح برغبة شيوخ الأزهر أنفسهم، ووضع نظام للتدريس والامتحان.

ثم أمر الخديوي بصرف مبلغ آخر، خصص منه جانب لدار الكتب التي أنشئ لها مجلس إدارة، وقد كانت الكتب مبعثرة في الأزهر في الأروقة والحارات، معرضة للضياع والتلف، ثم جعل للأزهر طبيبًا وصيدلية، وحسن بعض المرافق.

إلا أن الذي كان يهم الشيخ محمد عبده أكثر من غيره هو العلوم التي ينبغي أن تدرس في الأزهر، وأصول التدريس التي ينبغي أن يسير عليها المدرس، وضرورة مواظبة الطلاب، بعد أن كان الطلاب لا ضابط لهم في الغياب والحضور، كما كان المدرسون لا يهتمون بذلك، ولا يهتمون بتحضير الدروس، أو الالتزام بموضوع معين في مادة معينة، وكثيرًا ما كانوا يسبون طلابهم، ويسبون آبائهم وأمهاتهم.

أراد محمد عبده أن يصلح كل ذلك، وكاد يفلح في مسعاه، لولا أن تغير عليه قلب الخديوي، فأعرض عن الإصلاح، وانحاز إليه فريق كبير من شيوخ الأزهر الذين وقفوا عقبة حقيقية في سير التقدم والنهوض بهذا الجامع العريق.

وبعد أن رأى محمد عبده أن لا فائدة عادت ترجى من مجلس إدارة الأزهر استقال منها في سنة 1905، وكان ذلك آخر عهده بالأزهر؛ إذ توفي بعد قليل.

التدريس:

لم يكن الأستاذ الإمام يرى رسالة تستحق أن ينفق فيها عمره مثل التدريس والتعليم رغم تجديده وجهده في كل ما تناوله، لكنه كان يقول كثيرًا "إنما خلقت لكي أكون معلمًا".

وكثيرًا ما كان الخديوي يخاف أن يمارس الإمام مهنة التدريس، خشية أن تنتقل أفكاره إلى الناشئة، وكان هو يريد أن تنتقل هذه الأفكار للتلاميذ كوسيلة، أنجح وسيلة، لتكوينهم وبث القوة في عروقهم عن طريق التربية.

وكانت طريقة الأستاذ الإمام تختلف عن طريقة معاصريه كما كان يختلف عنهم باختيار العلوم التي يدرسها، فبينما كان الأزهريون يقصرون همهم على دراسة الكتب والحواشي والتقريرات التي وضعت في العصور المتأخرة عصور الجمود والتخلف وركود الفكر مقتصرين على تقرير العقائد على مذهب أهل السنة وأحكام الفقه على مذهب معين من المذاهب الأربعة إذا به يتجه إلى تدريس "مقدمة ابن خلدون" في فلسفة التاريخ والاجتماع وكتاب "الأخلاق" لابن مسكويه وكتاب "كيزو" في السياسة.

كما كان منهجه في العقائد البعد عن المماحكات اللفظية، والاعتناء بالأدلة والموازنة بينها، فحيث رجع الدليل رجع المذهب الذي أسس عليه، سواء كان للأشعري أم المعتزلة.

وقد وجد الإمام بغيته في تدريس التفسير في المرحلة الأخيرة من حياته، بحيث كان درسه في التفسير جامعًا لكل العلوم، هادفًا إلى كل ألوان التقدم والنهوض بالمسلمين، سائرًا فيه على منهج خاص قوامه:

- تطبيق الآية على الواقع بالتوسع في معنى النص، أو بحمل الشبيه على الشبيه.

- اعتبار القرآن وحدة واحدة، يتوقف فهم بعضه على فهم الجميع.

- اعتبار السورة كلها أساسًا في فهم آياتها، واعتبار الموضوع فيها أساسا لفهم النص الذي ورد فيه.

- إبعاد الصنعة اللغوية.

- عدم إغفال الوقائع التاريخية في سير الدعوة الإسلامية عند تفسير الآيات التي نزلت فيها.

ويعد تفسير الأستاذ الإمام محمد عبده آخر تفاسير القرآن في هذا العصر، باستثناء تفسير بعض السور للأستاذ الدكتور محمد البهي.

- كما كان له في منزله مجلس يدرس فيه لكبار الرجال في مصر على مستوى عالٍ من الدراسة.

ولقد استطاع محمد عبده أن يؤثر بدروسه في جيله وفي الأجيال التي لحقت جيله بحيث كان أستاذًا يقصده العامة والخاصة ويروا منه أعجوبة العصر، في العلم والتعليم حتى لقب بحق: الأستاذ الإمام.

التأليف:

سبقت الإشارة إلى أسلوب الأستاذ الإمام الذي حرره، وحرر به الأسلوب العربي من القوالب اللفظية القديمة، كما حرر التأليف من الجدل والمناقشات وعمد إلى المعنى المباشر.

ولقد ظهر منهجه أكثر ما ظهر في كتب العقيدة التي تراكمت فيها المجادلات والمحاورات اللفظية، وحشيت حشوًا بالفلسفة، فأسقط محمد عبده كل هذا ونقى البحث في العقيدة منه. وخير مثال لذلك رسالة التوحيد "التي ألفها لطلابه عندما كان مدرسًا في المدرسة السلطانية في بيروت".

كذلك كان الأستاذ الإمام رائدًا في الفكر الإسلامي الحديث، لنوع من الكتابة، تخصص فيها في الدفاع عن الإسلام ضد شبهات الغربيين، الساسة منهم والمستشرقين، وذلك مثل مقالات كثيرة بهذا الصدد وكتابه "الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية" شاهد على ذلك هذا إلى جانب بعض كتبه الشهيرة، مثل:

- شرح نهج البلاغة.

- شرح البصائر النصيرية.

- شرح مقامات بديع الزمان الهمذاني.

إلى غير ذلك من الكتب.

وبهذا جمع محمد عبده في وسائل تجديده للفكر الإسلامي بين الوسائل العصرية والتقليدية.

2 - إصلاح المؤسسات الدينية الأخرى:

وإلى جانب رغبة الأستاذ الإمام في إصلاح الأزهر، فقد عمل من أجل إصلاح المؤسسات الدينية الأخرى، ذات الأثر الفعال في توجيه الحياة الاجتماعية، وكان الإنجليز يحاولون إظهار أنهم يحترمون الدين ولا يتدخلون في شئونه ومؤسساته، فتركوا للخديوي التصرف في الأزهر، والأوقاف، والمحاكم الشرعية، فحاول الإمام أن يقنع الخديوي بإصلاح هذه المؤسسات، فإنه لا يؤمن تدخل الإنجليز فيها إذا طال العهد وساعدت الفرصة.

الأوقاف:

وقد لاحظ الأستاذ الإمام أن ريع أراضي الأوقاف يدر دخلاً كبيرًا، مع أن حالة المساجد في غاية السوء، فلا يصرف لموظفيها ما يكفيهم شيئًا، إذ كان راتب الإمام مائة قرش وقد تكون خمسين قرشًا فقط؛ وهو ما جعل العلماء ينصرفون عن هذا العمل، فكان أئمة المساجد ومؤذنوها من الخرافيين؛ وهو ما تدنى معه مستوى الإرشاد الديني في خطب الجمعة إلى الحض على التواكل، فضلاً عن إقامة صلاة الجماعة على وجه غير صحيح.

وعندما عُين الأستاذ الإمام مفتيًا للديار المصرية، كان من طبيعة عمله أن يكون عضوًا بمجلس إدارة الأوقاف، فوضع مشروعًا لإصلاح المساجد، جعل الإشراف على المساجد لإدارة تنشأ لهذا الغرض، تسمى "إدارة المساجد" تكون تابعة لمصلحة الأوقاف بحيث تتولى هذه الإدارة الإنفاق على المساجد من ريع الأوقاف، فترفع مرتبات الأئمة والمؤذنين والملاحظين، ويعين الأئمة من خريجي الأزهر، وتخصص في المساجد دروس يقوم بها العلماء لإرشاد الناس إلى الدين الصحيح.

وبعد معارضات وتأجيلات أقر مجلس الأوقاف مشروع الأستاذ الإمام في شهر صفر 1322 (فبراير 1904) وبدأ في تنفيذه بالقاهرة، ولكن الخديوي كان قد أعماه الحقد على الأستاذ الإمام، فأمر بإيقاف تنفيذ المشروع، بإيعاز من قاضي مصر، وعرضه على مجلس الشورى، وانتهى به الأمر إلى عرضه على اللورد كرومر.

وشاء الله أن يمضي الإمام إلى رحاب ربه، ولم ينفذ المشروع.

الإفتاء:

كذلك جدد الأستاذ الإمام الكثير في منصب الإفتاء، فبعد أن كان المفتون من قبله يقتصرون في عملهم على الرد على الفتاوى الرسمية التي ترد من النظارات الحكومية، ونظارة العدل على وجه الخصوص.

وعندما تسلم عمله في الإفتاء وجد أن المفتين الذين سبقوه تواتروا على كلمة واحدة يفتون بها على القضايا المحولة إليهم من نظارة العدل بخصوص الإعدام وهي "إذا ثبت على هذا الرجل أنه قتل الآخر عامدًا متعمدًا بشرطه حكم بقتله وإلا فلا".

لكنه ما أن عرضت عليه قضية مثل هذه حتى طلب ملف القضية كاملاً بوقائعها وحيثيات الحكم فيها فيه بخبرة القاضي ورؤية العالم المجتهد، فكان يصل إلى الحكم الذي يراه، فكان بذلك المفتي والقاضي جميعًا.

ولم يكن في فتاواه يتقيد بمذهب الأحناف، كما كان يفعل السابقون، بل كان يفتي بما يراه من قواعد الشريعة.

كذلك لم يكن يقتصر في عمله على الاستفتاءات التي ترده من مصر وحدها، بل عمم نطاق عمله في سائر أنحاء العالم الإسلامي، وكانت أشهر فتاوى الإمام:

- فتوى لبعض السائلين في الهند بجواز الاستعانة بغير المؤمنين لما فيه مصلحة المؤمنين.

- الفتوى الترانسفالية، لبعض أهل الترانسفال، يجيز فيها لبس القبعة للمسلم، ويجيز ذبائح أهل الكتاب وصلاة الشافعي خلف الحنفي.

وبهذا الجهد الممتاز الذي طور به الإمام منصب الإفتاء انتفع الناس بالمفتي خير انتفاع.

3 - دوره في القضاء:

فقد عمل على إصلاح القضاء منذ تولي العمل فيه.

فكان يجتهد في تحري العدل، ولا يتقيد بظاهر نصوص القانون.

وقد شكا بعض الناس الإمام إلى المستر "سكوت" لأنه خالف نص القانون في بعض القضايا فلما سأله المستر "سكوت" عن حقيقة موقفه فيها..

قال الإمام: هل العدل وضع لأجل القانون؟، أم أن القانون وضع لأجل العدل؟

قال المستر "سكوت": لا. بل القانون وضع لأجل العدل.

فشرح الإمام أحكام القضايا للمستر "سكوت" فاقتنع بها وأكد اجتهاده.

- كما كان يهتم بالتربية في القضاء، وخاصة في الجرائم الاجتماعية التي تتعلق بالفسق، والتزوير، والجرائم المالية كالربا، والسرقة، وكان يلقي المواعظ على المتهمين إذ كان يرى التربية أهم من العقاب في الإصلاح.

- كذلك كان يصلح بين الأسر، ويهتم بهذا الإصلاح أكثر من اهتمامه بما يصدر من أحكام.

المحاكم:

وقد توجهت همته إلى إصلاح المحاكم الشرعية، باعتبارها الفيصل في أمور الأسرة وهي أساس المجتمع، فقام بجولات كثيرة عندما كان مفتيًا يفتش على هذه المحاكم، فكشف في تقرير كبير يتضمن ثلاثًا وثمانين صحيفة، وجود الفساد في هذه المحاكم من ضعف القضاة، وتمسكهم بعوائد يزعمونها من الشريعة وما هي منها، وتدخل الوزارة في شئون هذه المحاكم، وصعوبة معاملة النسا مع الكتاب، وطول الزمن على القضايا وخصوصًا إن كانت مهمة، وخفاء طرق المرافعات حتى على العارفين بأحكام الشريعة، وضعف رواتب القضاة.

ورأى العلاج في ضرورة أن تصلح الدولة أماكن القضاة والكتبة، وتوفر استقلالهم في الرأي، وتوسع عليهم في النفقة، وتُعنى بتنفيذ أحكامهم، وفي ضرورة أن يكون هؤلاء القضاة من المتعلمين في الأزهر، بعد إنشاء قسم القضاء فيه، وقسم آخر يتخرج فيه الكتاب.

ثم اقترح ثلاثة أمور أخرى:

1 - أن توسع اختصاصات المحاكم الشرعية.

2 - أن لا يقصر التعيين في منصب القضاء على الأحناف فقط.

3 - أن تؤلف لجنة لوضع كتاب في أحكام المعاملات الشرعية، ينطبق على مصالح الناس في هذا العصر، "ولا يكون هذا الكتاب وافيًا بالغرض واقيًا للمصالح إلا إذا أخذت الأحكام من جميع المذاهب الإسلامية المعتبرة ليكون اختلافهم رحمة للأمة".

لكن كل هذه الأفكار والمشروعات تحطمت على صخرة الجمود والجهل، وأماتها أن قال فريق من القضاة والشيوخ إن ذلك غير جائز شرعًا. فرأت الحكومة السكوت على المشروع خوفًا من إثارة الفتنة.

4- دوره في الصحافة:

أما في مجال الصحافة فحسب الإمام أنه راد الصحافة العربية، ونقلها نقلتها الرائعة من السجع المتكلف، إلى الأسلوب الصحيح، ومن كونها مجرد ناقلة أخبار إلى موجهة للمجتمع، بانية للرأي العام.

وقد أشرنا إلى جهده الرائع في "الوقائع المصرية" حيث أحدث بها هذا الانقلاب في الصحافة، فجعل من هذه الجريدة منبرًا لنقد الوزارات، وألزم الوزارات بتقديم تقرير دوري بأعمالها ومشروعاتها، لتعلنه الوقائع على الناس ليروا ما في هذه الوزارة من عمل أو تكاسل، كما كان لإنشائه القسم الأدبي في هذه الجريدة خير أثر في الارتقاء بالقلم والفكر والثقافة.

وما إن انتقل جهده الصحفي إلى مجلة "العروة الوثقى" حتى أنشأ بها مجلة كانت أقوى صوت، وآلم سوط لظهر الاستعمار، ولم تعرف في تاريخ الشرق الحديث مجلة أكثر ذيوعًا وشهرة وأكثر تأثيرًا في التاريخ الحديث من هذه المجلة، وكانت كلها بأسلوب الأستاذ الإمام.

ولتعويله على الصحافة فقد كان يتمنى –كما أخبرنا السيد رشيد رضا- أن يولف شركة تنشئ جريدة يومية، يديرها مجلس إدارة، ويكتب فيها طائفة من الكتاب الإخصائيين، يتخصصون في الكتابة في النواحي المتعددة، اجتماعية وعلمية وأدبية واقتصادية، وزراعية، بحيث لا تتناول من السياسة إلا الأخبار الصادقة ذات العبرة والفائدة في أهل البلاد، وبحيث لا ينشر فيها إلا ما وافق عليه جميع أعضائها ولا تكون خصمًا لجريدة أخرى.

5 - دوره في إقامة الجمعيات:

وإلى جانب ما تقدم من الوسائل كان الشيخ محمد عبده يرى أن إقامة الجمعيات وسيلة تساعد على تحقيق الغرض من أقرب طريق؛ لأن مجهود الفرد قد لا يكفي للغرض الكبير، بقدر ما يكفي جهود أفراد متعددين.

وأشهر الجمعيات التي أسسها الإمام هي:

- جمعية العروة الوثقى. أسسها في باريس، بالاشتراك مع أستاذه جمال الدين الأفغاني.

- جمعية إحياء الكتب العربية – كان غرضه من تأسيسها إحياء التراث العربي.

- الجمعية الخيرية الإسلامية. وكان غرضها تربية الأيتام وغير القادرين على نفقات العلم، ثم مساعدة كل ذي حاجة إلى المساعدة.

ويبدو أن الأستاذ الإمام كان متأثرًا في تكوين الجمعيات بأستاذه جمال الدين الأفغاني وبالحضارة الغربية.

قال في معرض حث الأغنياء على المساهمة في إقامة التعليم:

"أفلم يعتبروا بالجمعيات الأوربية، التي لم يكن أعضاؤها إلا الزارعين والصانعين والتجار، كيف يبلغ إيراد الواحدة منها ثلاثين مليونًا من الجنيهات وبعضها أكثر وبعضها أقل، وجميع ذلك يصرف في بث المعارف والعلوم، واتساع دائرة المصانع والفنون، وتقوية روح التربية الحقة، التي لا شأن للبلاد إلا إذا تحلى أبناؤها بحلاها".

تلك إذن أدوار محمد عبده في إصلاح المؤسسات ووسائله فهل نجح فيما أراد؟ وما أثر ذلك في الفكر الإسلامي؟

الواقع أنه ترك أثرًا لا يمكن إغفاله في الفكر الإسلامي، وترك في هذه المؤسسات توجهها المستمر إلى الإصلاح.

ماذا بقي من محمد عبده؟

الحقيقة أن إصلاحات الأستاذ الإمام في المؤسسات التي عمل على الإصلاح فيها، كانت كالبذرة التي أتت أكلها، حتى بعد عصره رحمه الله.

وقد تجاوزت هذه المؤسسات هذه الإصلاحات، إلا أن التطور في كل مؤسسة على حدة، يفرض نوعًا من الإصلاح تبدو المؤسسة بدونه أكثر حاجة إليه، ربما أكثر مما كانت في عهد الأستاذ الإمام رحمه الله.

وتبدو هذه الظاهرة في بعض المؤسسات أكثر مما في بعضها الآخر.

ففي مؤسسات التربية والتعليم فإن هذه المؤسسات تبدو أكثر حاجة لدعوة محمد عبده إلى الإصلاح والقيام به بالفعل، خاصة الأزهر الشريف والتعليم الديني، فهذا المعهد العريق يمر في هذه الفترة بحالة استثنائية خاصة، لا تقارن بها حالة أخرى في عهده الطويل، باستثناء فترة الإغلاق، التي يهون منها أن الأزهر في تلك الفترة لم يكن يخرج أناسًا على هذا المستوى من الضعف الذي يتخرج عليه الخريجون في هذه الفترة.

ويكفي أن نستشهد على هذا الضعف بشاهدين لا يرقى إليهما شك.

الشاهد الأول: البيان الذي قدمه الأستاذ الدكتور حسام البدراوي رئيس لجنة التعليم والبحث العلمي بمجلس الشعب المصري الذي أبان عن ضعف التعليم بالأزهر، وأكد فيه أن التعليم في الأزهر يفتقد مقاييس الجودة.

الشاهد الثاني: أنه رغم حاجة وزارة الأوقاف إلى أعداد ضخمة من الأئمة للمساجد الكبيرة التي تضمها الوزارة إليها، ولديها الدرجات المالية الكثيرة لهذا الغرض، فإنها لا تجد الأئمة الصالحين للإمامة والدعوة في المساجد.

وعندما تنظم الوزارة المسابقات لهذا الغرض وتعرض الوظائف بالآلاف، لا يجتاز المسابقة ولا ينجح فيها إلا العدد القليل من خريجي الأزهر. والسبب: الضعف العلمي، وعدم حفظ القرآن الكريم، الذي هو جوهر الثقافة الإسلامية وعمادها وروحها، مع التأكيد المتكرر من شيخ الأزهر "ليس أزهريًا من لا يحفظ القرآن" وهذا حق لا مرية فيه، مع أن الخطة التي يعامل بها القرآن في الأزهر في هذه الفترة تجعل الطالب الأزهري المنتظم في الدراسة الأزهرية لا يحفظ القرآن الكريم، ومن ثم لا يحفظه من الطلاب إلا الذين يعتمدون على أنفسهم وجهودهم الشخصية ومهاراتهم اللاصفية خارج دروس الأزهر ونظامه التعليمي في حفظ القرآن، وهؤلاء وحدهم هم الذين يفوزون في المسابقات التي ينظمها الأزهر كل عام خارج خطة الدراسة العامة المفروضة على كل الطلاب ضمن النشاط الصفي أو الرسمي.

فالقرآن في الحقيقة موزع في الأزهر في هذه الفترة بطريقة تجعل حفظه غير ممكن، إلا لدى هذه الفئة القليلة من الطلاب الذين يحفظون خارج الخطة.

فبعد أن كان الطالب يفرغ من حفظ القرآن كاملاً قبل التحاقه بالأزهر، ويتفرغ لدراسة العلوم الأزهرية التي تتطلب وقتًا واستعدادًا كافيين، منذ أكثر من مائة سنة منذ أيام الأستاذ الإمام محمد عبده، وربما قبلها بقرون، وكانت الكتاتيب تؤدي هذا الدور التحضيري للطالب قبل التحاقه بدراسة العلوم الجادة في الأزهر، فإن الخطة المطبقة حالاً تسمح للطالب الأزهري أن يلتحق بالقسم الإعدادي بالأزهر وهو لا يحفظ القرآن الكريم كله، بعد أن وزع حفظ القرآن على المراحل، بحيث يحفظ الطالب في المرحلة الابتدائية (وهي من 6 إلى 12 سنة) ثمانية عشر جزءًا فقط، وفي المرحلة الإعدادية سبعة أجزاء، وفي المرحلة الثانوية خمسة أجزاء.

وهكذا يجد الطالب نفسه وسط مزاحمة المواد في المراحل الثلاثة، خاصة الإعدادية والثانوية، التي تحتاج موادها إلى التفرغ والتركيز، مع ملاحظة أن هذه المواد تجمع مقررات الثانوية الأزهرية والثانوية العامة، ليأتي حفظ القرآن بعد ذلك، وفوقه أضعافًا مضاعفة، أو أمرًا عسير المنال إن لم يكن مستحيلاً على الأغلبية الغالبة من الطلاب.

فإذا انتقل الطالب إلى الجامعة، وزع القرآن توزيعًا آخر من باب اللطف والتخفيف بالطالب الذي جاء بالفعل وفي واقع الأمر لم يحفظ القرآن في المراحل السابقة كما هو مطلوب فتكون النتيجة غير محمودة العاقبة، وهي نتيجة معروفة لدى الجميع منذ البداية وحتى النهاية؛ وهو ما يتطلب تدخلاً سريعًا من كل المخلصين لإصلاح هذه الخطة.

وبمناسبة الاحتفال بذكرى المصلح الكبير الأستاذ الإمام، فإننا نتساءل: ترى لو كان حيًا ورأى القرآن كما هو عليه الآن في الأزهر، إذن فماذا هو فاعل؟ لأعجلته خطة حفظ القرآن عن كل خطة سواها، ولرأى ذلك أمرًا جللاً يشغله عن كل إصلاح. بدليل ما أوردناه في صدر هذا البحث من أهمية القرآن عنده في حياة المسلمين، وفي الثقافة العربية والإسلامية، وأهميته العظمى التي أكد عليها الأستاذ الإمام في تربية المسلمين وتنشئتهم على أخلاق القرآن التي تضيع بضياعه كما قال:

وليس حفظ القرآن وحده هو الذي يحتاج إصلاح خطته إلى شكل عاجل.

وإذا كان الأستاذ الإمام قد اهتم في سياق إصلاحه بالأزهر بالتأليف والتدريس، أو بعبارة أخرى أنكر الكتب التي كان الأزهريون يعكفون على تدريسها وتلقينها للطلاب من كتب التراث، كتب يرجعون فيها القهقري بطلابهم من عصرهم وأسلوب عصرهم وثقافته إلى أسلوب وثقافة عصور خالية، وبعضها خلت من قرون سحيقة، دون أن يربطوا الطلاب بأسلوب العصر وثقافته ومشكلاته، فإن الأزهر يحتاج إلى هذه الدعوة أكثر من أي وقت مضى، بما فيه وقت الأستاذ الإمام، نظرًا لتسارع التطور العلمي والانفجار المعرفي الهائل والصراع الحضاري الذي يشهده عصرنا أكثر من عصر محمد عبده؛ وهو ما يتطلب إصلاحًا جادًا في هذا الصدد.

والغريب أن الدعوة إلى إصلاح الأزهر الآن، تصطدم بواقعين غريبين:

* واقع يستهدف عولمة العالم، وتنميط ثقافته على نمط الثقافة الغربية، وصرف النظر عن خصوصيات الثقافات الأخرى، خاصة الثقافة الإسلامية.

وتبدو الحملة على الإسلام وثقافته في مقدمة الأهداف لتحقيق هذه العولمة، على أمل القضاء على وجود الإسلام، بعد القضاء على الاتحاد السوفيتي، باعتبار الإسلام خطرًا تراه بعض القوى العالمية، أشد من خطورة الماركسية على هذه القوى.

وهذه القوى تعادي الإسلام، متذرعة بمعاداة الإرهاب وترى في الثقافة الإسلامية محضنًا للإرهاب، ومن ثم تطالب بتغيير المناهج الإسلامية، والتدخل في نظم التعليم في الدول الإسلامية.

* وواقع آخر، يستهدف الدفاع عن المقومات الذاتية للأمة الإسلامية في مواجهة أخطار العولمة والعدوان على التعليم الإسلامي، بالانقضاض على مؤسساته، وجامعاته، وتغيير مناهجه.

وبين الواقعين بدأت الدعوات المتناثرة في العالم الإسلامي إلى التجديد، وبعض هذه الدعوات حق، وبعضها حق يراد به باطل.

فبعضها حق؛ لأن التجديد خاصية من خصائص الإسلام، وهي دعوة أصيلة فيه، منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، القائل فيما رواه أبو داود "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".

فالأمة بحاجة فعلاً إلى تجديد الفكر والثقافة والخطاب، وإزاحة الأفهام المتطرفة عن مسار الإسلام النقي، وتصحيح الصورة عنه، ونبذ الادعاءات الكاذبة التي تشوه عقيدته، وأخلاقه، وأحكامه.

ولكن التجديد له ضوابطه، فهو تجديد منبثق من الأصول والثوابت الإسلامية، خاصة العقائد.

ولا شك أن دور المؤسسات الإسلامية هنا دور فاعل في الحفاظ على الذاتية الإسلامية، والأزهر على رأس هذه المؤسسات، بتاريخه العريق الطويل، الذي يمتد إلى ألف عام، فهو يمثل كعبة المسلمين العلمية، هو القادر بعلمائه على أن:

- يحافظ على الهوية الإسلامية التي تنبع من العقيدة الإسلامية والتراث الإسلامي، والمسلمون يأوون إليه في كل الملمات، وينتظرون منه الموقف المدافع عن حياض الدين.

- كما أنه القادر على أن يضبط ميزان التجديد ضبطًا صحيحًا؛ فهو يحافظ على العقيدة، والأصول الثابتة، وينمي حركة الاجتهاد، والتجديد، وفق هذه العقيدة والأصول.

والذي يساعد على تحقيق هذا الاجتهاد والتجديد أمران متلازمان هما:

- التوسع في الدراسة، والإحاطة العلمية، سواء بالتراث، أم بالعلوم العصرية المتصلة بالواقع.

- التعمق في هذه الدراسة بحيث تتجه المناهج إلى تكوين وتربية الملكة النقدية، والقدرة على الاجتهاد، بعد هذه الإحاطة بالعلوم النقلية والعقلية.

وكان الأزهر في المائة سنة الأخيرة بعد محمد عبده قد اتجه إلى تحقيق هذه الأهداف بفضل شيوخه من تلاميذ الأستاذ الإمام، خاصة الشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ المراغي، والشيخ شلتوت.

وقد استقرت خطة هؤلاء في عهودهم، وعبر فترة طويلة من الزمن، على:

- أن يحفظ الطالب الأزهري القرآن ويجوده كاملاً، قبل التحاقه بالمرحلة الابتدائية، ويمتحن فيه كل سنة من سنوات التعليم.

- أن يلم الطالب في المرحلة الابتدائية التي كانت تستمر أربع سنوات بالعلوم الدينية الرئيسة في مختصرات مطولة واضحة.

- أن ينتقل الطالب في المرحلة الثانوية إلى دراسة الكتب المستوعبة للتراث الإسلامي في العقيدة والفقه والتفسير والحديث وعلوم اللغة من النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع، في شروح تستغرق دراستها خمس سنوات، وتهدف إلى إحاطة المتعلم بعلوم التراث الإسلامي، والتعود على فهم لغة هذا التراث في مصادره.

- فإذا ما انتقل الطالب، بعد المرحلة الثانوية إلى مرحلة الجامعة، أخذ من الكتب التراثية منهجها النقدي والجدلي، الذي يدور في علم التوحيد من البراهين المتبادلة بين الفرق الإسلامية، وبينها وبين الفرق الأخرى من أهل الأديان والمذاهب، وفي الفقه بين مناهج المذاهب الأربعة وأصولها، ومآلات هذه المذاهب، وطرق استدلالها، وهكذا في كل المواد. مع الإلمام بالعلوم الثقافية بحيث تنمو الملكة النقدية، وتتولد القدرة على الاجتهاد، حتى لقد قال الشيخ المراغي: "إن في المعاهد الدينية شيوخًا يحرم عليهم التقليد"؛ لأنهم بلغوا درجة الاجتهاد، ومعلوم أن مدرسي المعاهد لم يدرسوا دراسات عليا، ولم يحصلوا على شهادات التخصص أو العالمية (الماجستير والدكتوراة) فكيف بمن يحصلون عليها وهم أساتذة الجامعة.

لكن الأزهر في الفترة الأخيرة، تنكب هذا الطريق في إعداد علمائه، حيث:

- خفضت سنوات الدراسة، حتى انتهت إلى: ثلاث سنوات في المرحلة الإعدادية، بدلاً من أربع، وثلاث سنوات في المرحلة الثانوية بدلاً من أربع، التي كانت خمسًا. وإن كانت قد استحدثت ست سنوات في المرحلة الابتدائية، فإن هذه المرحلة مع بدايتها في عمر مبكر للطالب (وهو ابن ست سنوات) لم تحقق ما كانت تحققه الفترة العمرية نفسها للطالب، في حفظ القرآن كله، ولم تزوده بالمعلومات العلمية التي كان يتزود بها في شتى العلوم على النظام الأول، في نفس الفترة العمرية، تلك التي كان يقضيها في مرحلة الكتاتيب ومرحلة الابتدائية.

- هذا بصرف النظر عن التلاميذ الذين لم تهيئهم ظروفهم العقلية والنفسية والاجتماعية لحفظ القرآن إلى مرحلة متأخرة، فهؤلاء غالبًا ما يبدءون بعد الأوان، وليس من المقبول أن نعوق من أجلهم غيرهم من النابهين القادرين على حفظ القرآن في سن مبكرة، فتوزع القرآن على مراحل التعليم، ونشكل قدرة الأذكياء القادرين من أجل التيسير على غير القادرين الذين يعطلون الحركة العلمية كلها، ولا يرجى منهم اجتهاد في المستقبل؛ لأن السنوات الأولى المرتجاة في حياتهم التربوية، وهي سنوات التأسيس التي تكون قد فاتت، وضاعت دون استغلالها، وفقًا لنظريات التربية المعتمدة في هذا الشأن.

- أما عن مناهج الأزهر في التعليم الثانوي والإعدادي فقد داخلها نوع من التغيير اختلف من علم لآخر.

- ففي الفقه: ألغي الفقه المذهبي، وحل محله فقه عام. فبعد أن كان الطالب يدرس الفقه على مذهب واحد، يعرف أحكامه وأدلة أئمة المذهب فيه على هذه الأحكام، أصبح يعرف الحكم وقد يعرف دليله من الكتاب والسنة وقد لا يعرف، وقد يعرض الكتاب المقرر رأي إمام من الأئمة في مسألة، ويعرض رأي إمام آخر في مسألة أخرى، وهكذا.

وقد كانت الدراسة القديمة تعتمد على دراسة الطالب مذهبًا بعينه في المرحلتين الإعدادية والثانوية، فيتبين الطالب منهج الفقيه الذي يدرسه، وطريقته في الاستدلال، ويتعود عليها، حتى إذا بلغ الجامعة درس دراسة مقارنة بين المذاهب، وبعض أوجه الترجيح بينها، فتنمو لديه ملكة المقارنة والترجيح.

وكانت الكتب المقررة في مناهج الأزهر في هاتين المرحلتين تعتمد على كتب التراث الوسيطة، ألغيت كتب المذاهب الأربعة التي كان الطالب يعتمد عليها في دراسته في المرحلة الإعدادية، ليدرس كتابًا حديثًا في الفقه على غرار فقه السنة، أبعد ما يكون عن الدراسات الفقهية المتخصصة التي يجب أن يربى الناشئ عليها في هذه السن المبكرة.

وفي التفسير: ألغي كتاب تفسير الإمام النسفي، وقد كان كتابًا موجز العبارة، يستطيع الطالب الذي يفهم عباراته أن يتعود على عبارات المفسرين وتتشكل لديه ملكة التفسير، وقد كان هذا الكتاب مرجعًا للدراسة طوال سنوات كثيرة.

وقد حافظ على كتاب النسفي شيوخ الأزهر السابقون، ومنهم من كان متخصصًا في التفسير، وله تفسير للقرآن الكريم، مثل الشيخ المراغي رحمه الله، إلا أن أحدًا منهم –حتى الشيخ المراغي نفسه- لم يحاول أن يلغي كتاب الإمام النسفي ويقرر بدله كتابه أو أي كتاب آخر، ليس من قبيل الارتفاع فوق الشبهات والبعد عن القيل والقال، مع أن هذا في حد ذاته واجب وضروري لحماية السمعة، بل لأن كتاب الإمام النسفي لا يعادله كتاب في طبقته من كتب التفسير القديمة أو المعاصرة.

أما علم العقيدة: وهو علم أصول الدين.. لب الأزهر وجوهر رسالته، فقد كان كتاب "شرح الجوهرة للإمام البيجوري" يدرس في المرحلة الثانوية وهو كتاب وسيط جمع موضوعات علم العقيدة وآراء الفرق الإسلامية، وحررها بدقة واختصار، وأورد أدلة كل منها في كل الموضوعات، بمنهج واضح، وعبارة مركزة.

ولكن هذا الكتاب استبدل به كتاب آخر في التفسير لم يعرض موضوعات العقيدة عرضًا فنيًا منهجيًا، ولم يفصل آراء المذاهب فيه ولا أدلتها، وإنما عرض تفسيرًا لبعض الآيات القرآنية، مما باعد بين الطلاب ودراسة علم التوحيد وموضوعاته، مما يبين بوضوح أن علم العقيدة كأنه ألغى وحل محله شيء من التفسير، جعل الطلاب عاجزين عن فهم العقيدة في كتبها المقررة في الجامعة، لأن هذه الكتب في مرحلة الجامعة قد بني اختيارها على دراسة مقدمات العلم، في الكتب التي كانت مقررة في المرحلة الثانوية.

بل تعدى الأمر إلى الجامعة؛ حيث فرض كتاب واحد في التفسير المقرر على السنة الأولى، وكذلك في علم العقيدة ومنع الأساتذة من كتابة شروح أو تعليقات على هذا الكتاب بحجة منعهم من تأليف كتب وبيعها للطلاب، وبذلك منعوا تمامًا من تكوين حركة فكرية في التأليف، وحصر دورهم في التدريس، وإيقاف الحركة الفكرية في التأليف في جامعة يفترض أن تكون جامعة للآراء المختلفة، والمناهج العديدة، والمدارس المتنوعة في الرأي، والمقارنة بين حجج هذه المدارس ومنهاجها وآرائها، شيء لا يناسب الجامعة على الإطلاق، فضلاً عن أن يناسب جامعة الأزهر.

ولعل احتفالنا بمرور قرن كامل على وفاة الأستاذ الإمام محمد عبده، أن يكون مناسبة للدعوة إلى عقد مؤتمر، لوضع كل الشئون العلمية والإدارية للأزهر موضع الدراسة، واستعادة مصداقيته.

وفي تقديري:

1- أنه لا بد من أن تكون المهمة الأولى للمعاهد الابتدائية تحفيظ القرآن كاملاً.

2- أن تقبل هذه المعاهد طلابها من سن الخامسة، أو الخامسة والنصف، حتى يتاح لهم زمن كاف لحفظ القرآن الكريم كله، حتى تنتهي هذه المشكلة تمامًا بالنسبة لهؤلاء.

3- أن يمتحن الطالب الأزهري في القرآن الكريم كله سنويًا، امتحانًا تحريريًا وشفويًا، طول المراحل الإعدادية، والثانوية، والجامعية، ومراحل الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراة).

4- أن يعاد النظر في المناهج المعدة للدراسة حالاً، بحيث تستوعب كل مفردات مناهج المواد الإسلامية، في المرحلتين الإعدادية والثانوية.

5- أن تشكل لجان تقوم بمسابقات لتأليف الكتب الدراسية، أو شرح كتب التراث، وتقارن بين الكتب التي يقدمها المتسابقون لاختيار أفضلها وأنسبها من الناحية العلمية والناحية التربوية.

6- أن تعاد السنة الرابعة إلى المرحلة الثانوية.

7- أن تعاد صياغة المواد الثقافية لتتلاءم مع مناهج المواد الدينية والعربية، بالنسبة للشعب الدينية ولعربية التي تعد الطلاب للالتحاق بالكليات الأزهرية الأصيلة، ولا بد لربط الطالب في هذه المناهج بكتب التراث والكتب المعاصرة.

8- أن تعد صياغة المواد الدينية والعربية لتتلاءم مع مناهج المواد الثقافية بالنسبة للشعب العلمية والرياضية، التي تعد الطلاب للالتحاق بالكليات الأزهرية العلمية والعملية.

9 - أن تعود الدراسة للفقه المذهبي في المرحلتين الإعدادية والثانوية، مع تبسيط الأسلوب في المرحلة الإعدادية، واختيار كتب تراثية في المذاهب، وشرحها شرحًا مقبولاً، وتنقيتها من المسائل الخاصة بعصرها، على أن يدرس الطلاب في الجامعة الفقه المقارن، الذي يقارن بين المذاهب بعضها بعضًا، وبينها وبين القانون الوضعي باختصار بعضها في الكليات الدينية والعربية، ويتوسع في هذه المقارنة في كليات الشريعة.

10- يستمر تطعيم الكليات الدينية والعربية بعضها ببعض –كما هو حاصل الآن-، بحيث يكون هناك تخصص أصلي وتخصص فرعي، كما يستمر تطعيم الأقسام داخل الكلية الواحدة بعضها ببعض، حتى يتخرج الأزهري ملمًا بالعلوم الدينية والعربية، متخصصًا في علم منها، تخصصًا يجعله متكاملاً غير أحادي النظرة والأفق، والثقافة.

11- أن يتم ربط الطلاب الأزهريين بتقنيات العصر، واستخدامها في علومهم، خاصة علوم الحديث.

12- أن تطرح في الجامعة مواد ثقافية، تدرس فيها مشكلات العصر الفلسفية، والاجتماعية، والعلمية، والسياسية، في ضوء العلوم والمقررات الدينية، بحيث تربى في المتخرج النظرة "الأيديولوجية" الإسلامية إلى الوقائع والمشكلات العصرية، بما في ذلك ما يقدمه الإسلام من رؤية في ظروف العصر الراهن.

13- أن يهتم بتدريس اللغات الأجنبية في الكليات الدينية والعربية، بحيث تعرض من خلال هذه اللغات الكتابات المادحة والقادحة عن الإسلام والتعامل مع هذه الكتابات بمنطق العصر.

14- أن تستمر مسابقات القرآن الكريم، باعتبارها من النشاط "اللاصفي" المفيد والمساند لخطة الدراسة. لا على أنها خطة رئيسة لحفظ القرآن الكريم.

15- أن تنظم بجوارها مسابقات للأبحاث الثقافية في كل نواحي الحياة المتعددة، ومعرفة موقف الفكر الإسلامي منها في ضوء الواقع العصري.

16- أن تكون الرؤية الكلية للأزهر بنا فلسفة إسلامية جديدة تواجه المتغيرات العصرية، وتقدم رؤية إسلامية أو تصورًا إسلاميًا شاملاً للوجود.

17- أن تدعم حركة الاجتهاد والتفكير الحر، المنضبط في الوقت نفسه بقواعد العقائد ومقاصد الشريعة، وأصولها الثابتة.

ولعل في هذه الأفكار، وغيرها مما يتطلبه الإصلاح، وتمتخض عنه عقول المخلصين، ما يمثل وفاء للأزهر بوصفه المؤسسة الأولى للإسلام، وكيانه الأصيل في العصر، وحصنه الأخير الذي يجب أن يظل قويًا ليستعيد مجده التليد، وصدقيته الأصيلة، بعد أن أضرب بالأزهر في هذه الفترة كثير من المواقف والفتاوى والانفعالات.

ولعل في هذه الأفكار -في الوقت نفسه- ما يمثل وفاء للأستاذ الإمام محمد عبده، ومدرسته الواعية المخلصة، المستمرة باستمرار الأزهر، وديمومة الإسلام إن شاء الله.


**  الأستاذ بجامعة الأزهر

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

الإسلام وقضايا العصر

دعوة ودعاة

مجاهيل ومشاهير

استشارات دعوية

مجلة المسلم المعاصر

الحضارة الإسلامية

الأخلاق والتزكية

صفحات وملفات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع