|
تعددت
اتجاهاتُ محمد عبده الفكرية، وكلها تهدفُ إلى
النهوض بالأمة الإسلامية بعامة، والأمة
المصرية بخاصة.
لذلك
اْنفَرد بين لدِاته من علماء الأزهر باتجاه
عصري جديد، لأنه بتأثيرِ أُستاذه جمال الدين
الأفغاني حيَن تصدر للتدريس بالجامع الأزهر
لم يَدرس العلومَ الذائعة بين الأزهريين في
عصره كالنحو والفقه والتفسير والحديث مع
إجادته إياها إجادة تامة –ولكنه درس كتبا في
الأخلاق لم تكن معروفة للطلاب من قبل مثل كتاب
[تهذيب الأخلاق] لابن مسكويه بل زاد واختار
كتبا أجنبية أحدها كتاب تاريخ المدنية في
أوربا لمؤلفه الفرنسي [فرانسوا جيزو] وقد نقله
إلى العربية كاتب سوري هو حنين نعمة الله
الخوري، ولقوة شخصيته، وسعة اطلاعه وفصاحة
لسانه، لم يعترض أحد من الطلاب عليه، بل زادوا
إقبالا على درسه، أما الذين اعترضوا فهم بعض
الشيوخ الذين لم يقرءوا الكتاب وكان كل ما
قالوه في نقده إنه وأمثاله مما لم تجر به
العادة في الأزهر.
وحين
انتقل إلى التدريس في دار العلوم، واختيرت له
مادة التاريخ، لم يقرأ ما ألفه زملاؤه من نقول
عن الطبري وابن الأثير بل اختار مقدمة ابن
خلدون وهي فلسفة التاريخ، ولم تكن في التاريخ
نفسه، وقد فتح بها مجالا واسعا للتفكير الحر،
والنقد المعتدل لما يوجب نقده، كما جعل
الأحداث ذات أسباب وعلل، ترجع إليها، وقد قال
الأستاذ أحمد أمين إن الشيخ محمد عبده ألف
كتابا للطلاب سماه "علم الاجتماع والعمران"
قد نسخوه بأيديهم في الدرس، ولم يعثر عليه بين
مؤلفاته، والظاهر أنه كان ينوي مراجعته علميا
قبل الطبع فلم تسمح ظروفه حيث انتقل إلى رئاسة
تحرير الوقائع المصرية، فكانت ذات فتح جديد
في الصحافة المصرية؛ حيث لم تكتف بنشر
القراءات الرسمية كما كان شأنها من قبل بل
فسحت مجالا للبحوث العلمية والمقالات
الأدبية، كما جعلت تنقد ما يخالف العدالة من
قرارات يصدرها الوزراء وحكام الأقاليم، وقد
ثار علي إبراهيم باشا ناظر المعارف إذ ذاك على
الشيخ محمد عبده واتجه بالشكوى إلى رياض باشا
ناظر النظار، فقال له: عليك أن تقرأ ما تنقده
الجريدة فإن كان صحيحا فيجب أن تصحح الخطأ،
وإن كان صحيح فاكتب ما يدل على ذلك، والجريدة
ملزمة بنشره، وهكذا كان رياض عضدا للأستاذ
الإمام في اتجاهه السديد.
وكان
جمال الدين دائم الذكر لتلاميذه -وأظهرهم
محمد عبده- للنظم الأوربية التي تحدد سلطة
الحاكم، وتتقيد بدستور واجب النفاذ، لأن
إنجلترا وفرنسا وغيرها تلزم العدالة في
بلادها، وتسير وفق قوانين صارمة لا مجال
للنزاع عليها فدفع تلاميذه إلى رؤية ما نقل
إلى العربية من هذه القوانين، وقد ترجم
الكاتب المعروف أو بن اسحق كثيرا منها، ونشر
فصولا منها في مجلتين كان يشرف على تحريرهما،
فقرأ محمد عبده ما وقع في يده من هذه
القوانين، وتمنى أن يكون في مصر هذا الالتزام
الصارم بتعاليم الإسلام وقوانينه التي تنشد
العدالة، وقد أهملها الحاكمون، وتنقل عنها من
أكثروا من دروس العبادات بالأزهر وكأنها كل
شيء في الفقه الإسلامي. مع أن الشريعة
الإسلامية قد حددت العلاقة بين الحاكم
والمحكوم، ونادت بالشورى وأمرت بالمعروف
ونهيت عن المنكر، ودراستها في هذه النواحي
تضئ الطريق للأمة الإسلامية المكبلة
بالأغلال.
وحين
انتهت الثورة العرابية إلى خاتمتها الأليمة
كان مما أومض قلب محمد عبده أن الخيانة
الدينية قد كانت أقوى أسباب هذا الإخفاق، وأن
الأيام كشفت نفوسا مريضة لم تعرف معنى الشرف،
كمحالفة العدو طمعا في مجد زائف، وأن بعضهم
قد خضع لذهب المحتل، وجعله وسيلة إغراء
للضعفاء فبعث من يفرقه على الرحماء ليكونوا
عون المحتل الغاصب، لم يأسف محمد عبده لخاتمة
الثورة كما أسف لخيانة الأوغاد، ومنهم
أصدقاؤه الذين صافاهم الود، ومهد لهم طريق
الجاه والخلود وظنهم على شيء من الكرامة،
فكانوا حربا عليه، يدسون، ويختلقون، ويشهدون
بالزور الصريح، ولو وقفوا موقف الحياد ما كان
لهم هذا التأثير المحض في نفسه، والرجل
الكريم يعض شفته نادما على بذر زرعه في أرض
سبخة فأتى حصيده بالعلقم المرير، ثم حكم عليه
بالنفي ثلاث سنوات إلى بيروت بعد أن ذاق مرارة
السجن المهين، وكأنه ينتظر من أوليائه من
قبل، أن يكونوا معه فكانوا حربا عليه، وهو بعد
أديب حساس ضغطت شجونه في صدره فرأى أن ينفس عن
مكنونه في خطاب حار أرسله إلى بعض أصدقائه
وكان أسلوبه من الاشتعال والالتهاب بحيث كادت
حروفه تحرق الورق لما تحمل من الزفرات، وأنقل
بعض ما تحدث به عن وغد من الأوغاد قابل معروفه
بالجحود، وتلاه غيره وغيره ممن اختلقوا عليه
ما لم يفعل وأنطقوه بما لم يقل، فقال فيما قال
عنهم:
"ما
لهؤلاء القوم كأنما قذف بهم من شاهق جبل،
فسقطوا على رءوسهم، ما بالهم يقذفون من
أفواههم أخلاطا أقذر من البلغم، وأمر من
الصفراء، وكأنما جرعوا جرعة من السقم فقلبت
أمعاءهم، واستقرت في حلاقيمهم فقالوا ما
قالوه: هل أتأسف أن كنت سباقا إلى الخيرات، هل
أتأسف أن كنت شجاعا في الدفاع عن ذرى مودتي،
هل أستحق العقاب على حبي لبلادي والناس لها
كارهون".
على
هذا الحال من الحزن الفاجع، واليأس القاتل،
ذهب الإمام إلى منفاه، في بيروت. ولكن إيمانه
قد شد من أزره وشجاعته وجدت سبيلها إلى قلبه،
فصمم على الكفاح العلمي وعرف اللبنانيون فضله
وعلمه، فصار مدرسا بالمدرسة السلطانية، وعزم
على أن ينشئ في كل مكان يحله نفوسا تتطلع إلى
المجد، عن طريق التربية والتعليم، وبدأ
بتدريس كتب لم تكن معروفة للقوم في فصول
الدراسة واجتهد في البيان والتبيين، حتى أصبح
درسه ملتقى الأنظار، وتزاحم عليه الناس كبارا
وصغارا وقد شرح فيما شرح كتاب نهج البلاغة
للإمام علي كرم الله وجهه، وقرأ دروسا في
الأدب والأخلاق والتاريخ، وجعلت الصحف إذ ذاك
تنقل شررات من دروسه، وكأنها بحوث علمية يجب
أن تذاع ولم يكن في الوقت نفسه لاهيا عن مآسي
الوطن العربي بخاصة –والوطن الإسلامي بعامة-
إذ أنشأ مع أستاذه جمال الدين الأفغاني جمعية
العروة الوثقى وجعلا يختاران لها من الشرفاء
في مصر والهند وإيران وتركيا والشام من يثقون
في إخلاصهم ويتوقون إلى إنقاذ الأمة
الإسلامية من براثن الاستعمار! ثم رأى جمال
الدين الأفغاني بباريس إنشاء جمعية العروة
الوثقى في حاجة إلى مجلة تنطق بأهدافها وتجمع
المسلمين على كلمة سواء، وأن أعضاء الجمعية
الذين رحبوا بدعوته لن يصبحوا قوة مؤثرة إلا
إذا اتصلوا اتصالا دائما بأفكار جمال الدين
وتلميذه، وهنا أرسل إلى محمد عبده كي يغادر
بيروت إلى باريس، فيعمل كلاهما على إصدار
مجلة العروة الوثقى لتكون معجزة الإنقاذ حين
تبعث الأمل وتحيي الرجاء!
اتخذت
المجلة لها حجرة صغيرة. بأعلى منزل متواضع في
شارع متواضع في باريس. ولكن هذه الحجرة
المحدودة كانت بمنزلة سفارة كبرى للعالم
الإسلامي في بلاد الغرب جميعها، إذ ما ذاع
العدد الأول منها، وأرسل إلى أعضاء الجمعية
في شتى ربوع الإسلام. حتى وفد إليها من
الزائرين من يهتم بأحوال العالم الإسلامي
صديقا أو عدوا. فالصديق يؤازر ويعاضد ويقدم ما
يملك من النصيحة ويجمع من التبرعات، والعدو
يكشف ما خلفها من البواعث ويشتعل غيظا في
أطوائه حين يرى لو مع الفجر تؤذن بنور الصباح!
ولم يكن للمجلة من هيئة التحرير غير جمال
الدين الأفغاني ومحمد عبده، ومحمد نيررا باقر
وهو فارس يجيد الإنجليزية وينقل إلى جريدة
العروة الوثقى ما علم من الأنباء مما تنشره
الصحف الإنجليزية بشأن العالم الإسلامي، وقد
أحكم الأستاذ وتلميذه الخطة الناجحة في ذيوع
الجريدة إذ كان لها مراسلون يذهبون بالأعداد
إلى الأقطار المختلفة مزودين بتعاليم جمال
الدين حتى كان في موسكو نفسها من يشحن
الجريدة، ويرسلها إلى مسلمي القوقاز
والداغستان والقرم وسائر البلاد التي يحكمها
قيصر الروس، وقد سافر محمد عبده نفسه إلى تونس
والجزائر والمغرب ومر بمصر متخفيا في طريقه
إلى بيروت، إذ حكم عليه بالنفي منها، ولك أن
تعجب للوطني الحر الباسل يذاد عن موطنه،
والخونة الأوغاد يتبوءون أكبر المناصب.
ويتمتعون بالجاه والحظوة، ولكنها مصر التي
قال فيها الشاعر الكبير الأستاذ أحمد محرم:
بأرض تترك الآساد صرعى لتستبقي التعالب
والكلابا!
أما
خطة الجريدة فقد أوضحها محمد عبده في المقال
الافتتاحي المنشور بالعدد الأول من الجريدة
حيث أعلن أنها ستكون في خدمة الشرقيين، فتبين
مكامن الضعف، وتوضح السبيل إلى تدارك ما فات.
وتبين الأسباب والعلل التي أدت إلى الانحدار،
وتكشف الغطاء عن الشبه المميتة التي أدت إلى
اليأس من الوصول إلى إنقاذ المريض من دائه
العضال. وتعلن أن المسافة التي يجب أن نقطعها
ليست من الطول بحيث يتعاظمها اليائسون بل هي
سهلة المنال، بالعمل الحازم، والسعي الجازم،
ويكفي أن نبدأ في السر خطوة خطوة ليهون
العسير، كما يجب التمسك بالأصول الصحيحة التي
سنها الدين الإسلامي في قرآنه وأحاديث نبيه
لتكون نبراسا هاديا في مدلهم الأحداث، وأولها
إعداد القوة الباسلة لمواجهة الأعداء، إذ لا
بد من التكافؤ في المقدرة الذاتية والمكتسبة
ليعرف المستعمرون أن الأمر جد وما هو بالهزل،
لأن القوي المتكبر يبتلع الضعيف عيانا دون
حياء، وإن خدعه بمعسول الأباطيل، كما على
الجريدة أن تهتم بما يغتر به المغرضون عن
الإسلام ورميه بالجمود، وادعائهم دونه علة
التأخر الذي انتهت إليه أمم الإسلام، وأنه
سبيل إلى الخلاص إلا بالنوع عن تعاليمه
والارتماء في أحضان الأعداء، والعدو هو العدو
يريد الخير لنفسه وحده، ويبغي لمنازله سوء
المصير، وقد بلغ الأستاذ منتهى الروعة حين
قال: "إن الجريدة ستتبع سير الداعين إليها.
فلا تظهر إذا أدلجوا، ولا تنجد إذا أغوروا،
وهو معنى دقيق يحتم وحدة الصف. ويرسم الهدف
دون اختلاف في الزمان والمكان، فلن تكون في
الظهيرة إذا كان دعاتها في شتى البلاد يدلجون
في المساء، ولن تصعد إلى النجد إلى سلكوا سبل
الغور، لأن الاتحاد قوة، وسبيل الرشد واضح
يهتدي إليه ذوو البصائر، أما المغرضون فهم في
غيهم يعمهون، كما طمأن الأستاذ قراءه أن
الجريدة في سيرها سترعى تقوية الصلات الحميمة
بين الأمم المختلفة، وتأييد المنافع
المشتركة بينها، والسياسات القومية المعتدلة
التي لا تميل إلى الحيف والإجحاف بحقوق
الشرقيين، كما لا تهن في إيضاح غوامض
السياسات المنحرفة ليكون الشرقيون على بينة
مما يحاك في الظلام، وقد فتحت أبواب الأمل،
وبشرت بالمستقبل، كما أكد الأستاذ الإمام أن
النفوس الإنسانية وإن بلغت من فساد الطبع ما
بلغت لن تحتمل الغيم إلا إلى حد ثم تكر النفوس
إلى قواها فتلتمس الخلاص وربما تخطئ مرة
فتكون عليها الدائرة، ولكن ما يصيبها من
الخطأ يلهمها تدارك ما فات، والاحتراس من
الوقوع في مثله، فتصيب في الكرة الثانية ويتم
لها النصر والمخلبة.
وقد
فزعت الجرائد الاستعمارية في إنجلترا وفرنسا
من تأثير الجريدة الشديد. وأدركت خطرها القوي
على بقاء الاستعمار، وسعت إنجلترا سعيا حثيثا
إلى مصادرتها في مصر والهند، مما عبرت عنه
العروة الوثقى حين قالت في العدد التاسع: "انعقد
مجلس النظار المصري في القاهرة، واهتم بالبحث
عن العروة الوثقى. ثم صدر قراره أي نظارة
الداخلية بأن تشتد في منع الجريدة عن دخول
الأقطار المصرية وعلى إدارة البوسطة (البريد)
أن تراعي الدقة في ذلك وأن كل من توجد عنده
العروة الوثقى سيغرم مبلغا من خمسة جنيهات
إلى خمسة وعشرون جنيها، ونحن لا نظن أن أحدا
من النظار له رأى اختياري في هذا القرار. ولا
أن مصريا يسكن هذه البلاد يرى فيه جانبا من
العدل غير أننا نعلن أن همم الرجال لا تتعداها
أمثال هذه المظالم، وليس يعجزنا وصول هذه
الجريدة في كل بقعة تحوطها السلطة الإنجليزية
الظالمة. وقد ظهر أن العدد الواحد من العروة
كان إذا وجد مع إنسان تهافت القراء على نسخ
صور منه باليد، وإذاعته على أوسع مدى يطاق،
وهذا ما لم يحدث لجريدة من قبل ! ولم يحدث من
بعد، وقد رأت الحكومة الإنجليزية أن تتصل
بالشيخ محمد عبده بعد أن وسطت من يقوم بدعوته
إلى لندن، وهذا اعتراف واضح بتأثير العروة
الوثقى ومحاولا استعمارية لجس النبض مع إغراء
بالوعود الكاذبة ولم يرفض الإمام هذه الدعوى
بل رآها سبيلا إلى إيضاح وجهة النظر
الإسلامية لمن بيدهم الأمر في شئون المسلمين
بمصر والهند، ودار نقاش سياسي. كان في رأيي
أول مفاوضة دبلوماسية بين مصر وإنجلترا،
والذين يؤلفون الآن تاريخ المفاوضات
السياسية بين مصر وإنجلترا يتجاهلون موقف
الإمام الرائد، ويقصرون الحديث على رجال
السياسة من النواب الرسميين، وهم بذلك يفرطون
في حق التاريخ، لأن الوثائق السياسية في
وزارة الخارجية بلندن قد حفظت ما دار بين
الإمام وسياسيي إنجلترا، وسجلته في صحائفها،
كما أذاعت الصحف الإنجليزية كل ما دار في حرية
تامة، لم تتح للجرائد المصرية حينئذ ! وهذا من
عجائب المتناقضات! بل إن الصحف الفرنسية في
باريس قد نقلت عن الصحف الإنجليزية كل ما دار،
وبعضها حبذ موقف الإمام، وأعلن إعجابه
بصراحته، وقوة منطقه، وبعض آخر خشي تأثير
الحديث على مستقبل المستعمرات الفرنسية،
فحاول تأييد وجهة النظر الإنجليزية! وهو
تأييد مفضوح، لأن الحق لا يعتري فيه غير متعسف
لجوج!
وكان
المستر بلانت صديق مصر الحميم بمواقفه
المشهودة -الثورة العرابية. ودفاعه عن
استقلال مصر، ورفضه الاحتلال الغاشم- قد
توثقت صلته بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده،
وكان عاملا قويا في نجاح العروة الوثقى حيث
شارك في رسم سياستها كما يبدو جليا من رسائله
للإمام. واستجابة محمد عبده لاقتراحاته
الهادفة. كان هذا الرجل المخلص رفيق محمد عبده
في رحلته الإنجليزية. حيث نزل لندن دون أن
يعرف أحدا سواه، وقد صحبه في أول زيارة لمجلس
العموم البريطاني مؤملا أن يجدا رئيس المجلس،
ولكنه كان متغيبا، فانتهزا الفرصة لمقابلة
كثير من الأعضاء البارزين، ومنهم تشيسيون
الذي أقام حفلة عشاء للإمام، وقدمه للنواب
باعتباره زعيما مصريا يسعى لاستعادة استقلال
بلاده، وقد هاج حديث الإمام عن مآسي
الاستعمار في مصر نائبا أيرلنديا فقام بدوره
ليتحدث عن بعض المواقف المشابهة لإنجلترا في
أيرلندا، وأصر بعض النواب على إطالة الحديث
ليلموا بالموقف الدقيق في مصر والسودان، إذ
كانت الثورة المهدية تشغل الأذهان هناك، وفي
الختام قام أحد النواب فذكر أن المجلس شرف
بلقاء المتحدث المصري الصريح وتحددت مواعيد
أخرى للقاء المسئولين في البرلمان، وأعيان
السياسة الإنجليزية، وقد حاول المستر
لابوثير أحد النواب البارزين أن يقنع الأستاذ
الإمام بأن المستر جلادستون رئيس الوزراء
الإنجليزي، يريد إجلاء القوات الإنجليزية عن
مصر في مدى قريب، ثم ابتدأ اقتراحه للإمام
داعيا محمد عبده إلى العمل على امتناع الشعب
المصري عن دفع الضرائب للحكومة المصرية حتى
تكشف غمة الاحتلال. ورد الشيخ قائلا: إن رئيس
الوزراء يكرر دائما أن الاحتلال سينقضي سترا
لسياسته الاستعمارية أمام الرأي العام
العالمي، ولكنه في الوقت نفسه يرسل كتائب
القوات الإنجليزية إلى مصر وكأنه يمهد
لاحتلال دائم، هذا فضلا عن مئات الموظفين من
الإنجليز الذين ملأ بهم الإدارات الوزارية في
شتى مرافق البلاد، وإذن فالقول شيء والعمل
شيء آخر.
وفي اليوم التالي قابل محمد عبده المستر
تشرشل العضو البارز في البرلمان قبل أن يتولى
وزارة شئون الهند بأيام فاستمع إلى شكوى محمد
عبده من مآسي الاحتلال. ووافقه دبلوماسيا على
كل ما قال ثم وعد أن يرتب لقاء عاجلا للإمام مع
رئيس الوزراء.
وقد
نقلت الصحف الإنجليزية أحاديث شتى للإمام عن
المسألة المصرية، كما تسميها هذه الصحف،
وكانت هذه الأحاديث صريحة لا تحمل اللبس، فقد
هاجم محمد عبده الاحتلال مهاجمة سافرة، وقال
لمن يحاولون تلبيس الحق بالباطل، إن تعاطف
الإنجليز مع المصريين الذي يذيعه بعض النواب
أشبه بتعاطف الذئب مع الحمل قبل التهامه، وإن
الشيء الوحيد الذي علمته إنجلترا للمصريين هو
أن يتحدوا ليكونوا صفا واحدا أمام الاحتلال.
وقد
وجه إليه محرر صحيفة (بال مال جازيت) سؤالا ظنه
مبعث إحراج للرجل الصريح، فسأله عن رأيه في
الخديوي توفيق ومنحاه السياسي الذي يخالف
اتجاه الإمام، فرد محمد عبده قائلا في قوة: إن
أكبر خطأ ارتكبه توفيق هو السماح للإنجليز
بدخول البلاد، والانضمام إليهم أثناء الحرب
الوطنية الشريفة، ومن المستحيل أن يكن له
المصريون أدنى احترام، وإننا بصراحة لا نريد
أن نرى خونة بوجوه مصرية، وقلوب إنجليزية،
وكانت هذه الإجابة مصدر فزع لتوفيق، حيث صمم
على امتداد نفي الإمام عن مصر بعد انتهاء مدته
المقررة، ولولا تدخل كرومر في رجوعه لما سمح
له بالعودة مكرها فيما بعد.
وإذا
اتسمت اللقاءات السابقة بالكياسة والمرونة
من الجانب الإنجليزي، فإن لقاء الإمام
باللورد هرتنكتون وزير الحربية الإنجليزية
قد صاحبه جفاف شديد تجاوز الصراحة اللبقة إلى
الهجوم الذي يغفل حساب المشاعر الإنسانية،
وكانت نظرة الوزير متعالية وكأنه ينظر من
شاهق مرتفع مجلس عليه في وزارة الحربية مهونا
من شأن الشرق والشرقيين في مصر والهند، فقد
جابه الإمام بقوله: مفتتحا الحديث: ألا يرضى
المصريون أن يكونوا في أمن وراحة تحت السلطة
الإنجليزية. وألا تعلموا أن حكومتنا خير لهم
من حكومة الأتراك: فسارع الشيخ يرد عليه قائلا:
إن المصريين عرب، وأكثرهم مسلمون، وفيهم من
يحبون أوطانهم كما يحب الشعب الإنجليزي وطنه،
فلا يخطر لأحدهم أن يميل إلى سلطة من يخالفه
في الجنس والدين، ولا يصح للورد وهو على علم
بطباع الأمم أن يتصور هذا الميل على الإطلاق!
فقال
الوزير: هل تنكر أن الجهالة عامة في الشعب
المصري، وأن الكافة لا تفرق بين الحاكم
المصري، والحاكم الأجنبي وما ذكرته من النفرة
عن سلطة الأجانب يكون في الأمم المهذبة.
فاحتد
الشيخ قائلا: إن النفرة من ولاية الأجنبي،
ونبذ الطبع لسلطاته مما أودع في فطرة البشر،
وليس يحتاج للدرس والمطالعة، وهو شعور إنساني
ظهرت قوته في أشد الأمم توحشا مثل الزولا
الذين لم تنسوا ما كابدتموه منهم في الدفاع عن
أوطانهم والمسلمون مهما كانوا لا يصلون إلى
الدرجة التي يتصدرها الوزير، فالأميون منهم
ومن لا يقرءون ويكتبون، لا يفوتهم العلم
بضروريات الدين، وأولهما ألا يدينوا
لمخالفهم فيه، وإن أرض مصر منذ عهد محمد علي
قد انتشرت فيها العلوم والآداب الحديثة على
نحو ما هو موجود في بلاد أوربا، والأخبار
السياسية يفهمها الأمي ممن يقرأ الجرائد،
وبذلك نشأ عنهم الشعور الوطني مضافا إلى
الشعور الطبيعي. ولا أظن المصريين يخالفون في
ذلك سائر الأمم.
وقد
كتب الإمام تعليقا على هذا الحديث في جريدة
العروة الوثقى يقول فيه: هذا وزير الحربية
الإنجليزي يظن أن الجهل يبلغ من المسلمين إلى
حد أن سلب عنهم الشعور الإنساني، وأنهم في
حضيض الجهل لا يميزون بين القريب والغريب،
وهذا دليل على أنه ومن على شاكلته يظنون أن
الأمم الشرقية بعامة والأمة المصرية بخاصة،
في درجة الحيوانات السائمة لا تتألم إلا من
الجوع والعطش وليس لها من الأحاسيس إلا نوع من
الانفعالات البدائية، ولا تعرف من شئونها إلا
ما تقوم به حياتها الحيوانية فتألف راكبها
الذي يستخدمها في الأعمال الشاقة، ما دام
يقدم لها الطعام والشراب، فإذا كانت هذه
عقيدة رجال الحكومة الإنجليزية في الأمم التي
تتسلطون عليها، فأي معاملة تكون منهم لها؟
ألا يعاملونهم معاملة الجمادات والحيوانات
الركع، كما يفعلون الآن بالهند، وساء ما
يفعلون!.
لقد
كان ذيوع الحديث بين وزير الحربية والإمام في
العالم العربي والإسلامي على صفحات العروة
الوثقى كشفا للنقاب عن البواعث الدافعة
لاحتلال الشرق ونهب ثرواته، ومحو ما يزعمون
من إشاعة التقدم الحضاري، لأن احتقار
الإنسانية البشرية إلى هذا الحد لا يوحي بخير
يرجى من أصحاب هذا الشعور البغيض، وقد أساء
اللورد هرتنكتون إلى نفسه قبل أن يسيء إلى
وطنه، لأنه رسم صورة السياسي الإنجليزي الذي
لا يرى غير نفسه، والذي يضع نفسه في مستوى لا
تؤيده غير أفعال الإنجليز الاستعمارية في نهب
الثروات، واستغلال العزل والمساكين في أشق
الأعمال، دون رحمة كي يسرقوا مناجم الخير في
أفريقيا وآسيا دون حياء!.
وإذا
كان محمد عبده يستنكر العدوان الإنجليزي على
الشعوب الآمنة، ويشعر بمضيض الألم حين يذكر
تغطرس من حادثهم من رجال السياسة، واستعلاءهم
البغيض، فإنه في الوقت ذاته يعترف بفضل ذوي
النباهة من مفكري إنجلترا، ويقرأ ما ترجم من
كتبهم الهادفة في تقدير حقيقي لثمار الفكر
الإنساني للواقع، وقد ترجم عن الفرنسية كتابا
في التربية للفيلسوف الإنجليزي الشهير "هربرت
سبنسر" إذ أعجبته نزعته العلمية في تربية
النشء على أصول من الفكر الدقيق، وأقنعته
دعوته المتكررة إلى أن تهتم المدرسة بالحياة
العلمية ليكون التلميذ مؤهلا للاستقلال في
حياته المستقبلة بعيدا عن أسر الوظيفة
الحكومية، واهتمامه الجاد بتدريس العلوم
الطبيعية باعتبارها أساس التقدم الحضاري وإن
خالفه في نقمته على الآداب الإنسانية وجهره
بأن الدراسات الأدبية لا تفيد المجتمع
الإنساني في شيء، بل تعوق الكثيرين عن
الإمعان في نظريات العلم المادي مع أن
الدراسات الأدبية تفتح مغاليق النفس البشرية
وتهيئ الناس إلى فهم الخوافي المستترة من
المشاعر المتناقضة، والأحاسيس المتباينة،
لذلك أصر الإمام على أن يزور إنجلترا قبل وفاة
سبنسر بعام واحد، إذ جاءته الأنباء عن مرضه
الذي سينتهي لا محالة برحيله، فدفعه الشوق
العلمي إلى محادثته، ويقول المستر بلانت إنه
حين علم هذه الرغبة الأكيدة لدى محمد عبده
أنبأه بأن أكبر مفكر مصري قد ترجم كتابه إلى
العربية وأنه أكبر عالم إسلامي في الشرق،
ويجب أن تسعد بلقائه، وكان سبنسر قد امتنع عن
الزيارات العلمية بمشورة أطبائه، ولكنه بعد
محادثة بلانت لسكرتيره عن الزائر المصري رحب
بلقائه، يقول بلانت ولم يكن المرض قد أصاب
عقله وإن حطم جسمه فظل الفيلسوف محتفظا بدقة
تفكيره، وكان صوته قويا، وقد تحدث مع الإمام
في شئون السياسة فنعى على الإنجليز اعتداءهم
الظالم في حرب البرتقال وقال: إن ذلك وصمة في
تاريخ الإنسانية ثم انتقل إلى سؤال الإمام عن
حقيقة الوجود في الرأي الإسلامي، وقد سجل
السيد محمد رشيد رضا هذه المحاورة الشائقة
بما لا يخرج في صحيحه عما قاله المستر بلانت
في مذكراته، وكان الإمام لبقا حين ذكر له أن
علماء الإسلام ليسوا على رأي واحد، فهناك أهل
السنة، وهناك المعتزلة، وهناك المتصوفة من
القائلين بوحدة الوجود، وقد استمع الفيلسوف
بدقه إلى شرح الإمام، ثم قدم سكرتيره ليعلق أن
الأطباء قد منعوا الفيلسوف الإنجليزي من
الاسترسال في الجدل نظرا لحالته الحرجة،
فاستأذن الإمام، وقد ودع بمظاهر التقدير من
الفيلسوف الكبير، وقد تأثر محمد عبده بمجلس
الرجل وكتب يقول في مذكراته: "لقد حركت كلمة
الفيلسوف مني كل مشاعري حين قال في التنديد
على إنجلترا إزاء حرب البرتقال "الحق الآن
للقوة" لأن هذه الكلمة لو جاءت من غيره لأتت
مقتولة ببرودة التقليد، فتكون جيفة تعافها
النفس، ولكنها جاءت ملتهبة فأثارت حرارة
وأحدثت وهجا، ومن العلماء الذين اكتشفوا
كثيرا مما يفيد راحة الناس يعجزون عن الحكم
على هذه الأمور، فهؤلاء الذين يصقلون المعادن
حتى تتغير من حال إلى حال يعجزون عن فهم
الطبيعة الإنسانية ولم يتيسر لهم أن يصقلوا
تلك النفوس إذ فقدت لمعانها الروحي! إن الرجوع
إلى الدين هو الذي يكشف الطبيعة الإنسانية،
ولكنهم يتجاهلون". وأسلوب الأستاذ
المؤثر بانفعاله الصادق يغني عن كل تعليق.
وقد
تنبأ سبنسر في مجلس الإمام بحدوث حرب عالمية
تدمر الكون عن قريب، وقد مات سبنسر كما مات
الأستاذ الإمام قبل أن تحدث هذه الحرب
الهائلة في سنة 1914م، فكانت مصدر شر هائل، ثم
تلتها حرب أخرى سنة 1939م، كانت أشد هولا
وإزعاجا، ولا يعلم غير الله ما عسى أن يحدث
بعد أن أصبح الحكم للقوة لا للحق، فأكل القوي
الضعيف.
وقد
ذكر الأستاذ أحمد لطفي السيد في حديث تاريخي
نشره بمجلة الرسالة في 15/5/1933م عن الإمام محمد
عبده أنه في سنة 1897 قد زار جنيف، والتحق بإحدى
جامعاتها الحرة ليستمع إلى دروس في الأدب
يلقيها محاضر فرنسي عن فيكتور هوجو وآرائه
المدونة في كتاب (روي بلاس) وقد مهد الأستاذ
لطفي لذلك بقوله: "كنت في جنيف سنة 1897 لغرض
سياسي، فانتهزت هذه الفرصة والتحقت بجامعتها
في تلقي دروس الأدب والفلسفة أقامتها في
الصيف للحاصلين على درجة علمية، وكان من
المصريين معنا الإمام محمد عبده وقاسم أمين
وسعد زغلول، وكنا بعد الظهر نقرأ في كتاب شهير
للفيلسوف (ين) ومن العجيب أننا كنا إذا التوت
علينا عبارة في الفهم كان الشيخ محمد عبده هو
الذي يجلو غامضها مع أنه أقل علما منا باللغة
الفرنسية، وقد انتسب إلى دروس الأدب بالجامعة
وأقبل عليها في جد ومثابرة وكان الأستاذ
المحاضر يفتح باب المناقشة بعد الدرس ليبدى
كل طالب رأيه فيخطئ أو يصيب، ويعقب الأستاذ
بما يراه في إجابة الطلاب، وقد خرج الشيخ محمد
عبده، وهو شديد الإعجاب بما رأى وسمع، ثم قال
إننا في بلادنا لا نعلم هكذا، واعتزم أن يدخل
هذه الطريقة في دروسه بالأزهر".
ولم
يكن الأدب وحده هو مجال الاهتمام من الإمام،
بل كان يقرأ في الفرنسية كثيرا مما يترجم فيها
من الآداب العالمية، وكان يهتم بأصحاب
الأفكار الإصلاحية في السياسة والدين من كبار
المؤلفين، ومن أعظمهم في رأيه الفيلسوف
الروسي الشهير تولستوي، وقد تابع الإمام
آراءه الإصلاحية في الدين والسياسة، واتفق
معه على كثير مما رآه، وبخاصة فهمه لعقيدة
التوحيد، إذ جاء هذا الفهم مطابقا لما حكاه
القرآن الكريم عن المسيح عليه الصلاة
والسلام، ولم يكن إعجاب الإمام بتولستوي
صامتا أو منتصرا على ما أذاعه عنه في دروسه،
بل رأى أن يكتب إليه شخصيا، معبرا عن سروره
الخالص بما يقرره من الآراء الصحيحة ذات
النظر البعيد، وقد سجل المؤرخ الكبير الأستاذ
محمود الخفيف في كتابه القيم الخاص بتولستوي،
نص الكتاب الذي أرسله الإمام للأديب الروسي،
وهو يغنى عن كل تعليق إذ قال في وضوح منير: "أيها
الحكيم الجليل، لم نحظ بمعرفة شخصيتك، ولكننا
لم نحرم التعاون مع روحك، إذ سطع علينا نور
أفكارك وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك، ألفت
بين نفوس الفضلاء ونفسك، فقد هداك الله إلى
معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها، ووفقك
إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن
الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم،
ويثمر بالعمل، ولأن يكون ثمرته تعبا يرتاح به
في نفسه، وسعيا يبقى به ويرقى جنسه، وشعرت
بالشقاء الذي نزله بالناس حين انحرفوا عن سنة
الفطرة، وما استعملوا قواهم التي لم يمنحوها،
إلا ليسعدوا بها فيما كدر راحتهم، وزعزع
طمأنينتهم، ونظرت إلى الدين فجرحت حجب
التقاليد ووصلت إلى حقيقة التوحيد، ورفعت
صوتك تدعو الناس إلى ما هداك الله إليه،
وتقدمت أمامهم بالعمل الصالح، لتحمل نفوسهم
عليه، فكما كنت بقولك هاديا للعقول، كنت حاثا
للعزائم والهمم، وكما كانت آراؤك ضياء يهتدي
به الضالون، كان بقاؤك في العمل، إماما يقتدى
به المسترشدون".
والعبارة
الأخيرة هي مفتاح شخصية الإمام الفكرية، لأنه
في حياته الخصبة قد قرن العلم بالعمل، وسعى
إلى الإصلاح وفق ما اهتدى به من نور العلم،
فكان في مصر إمام الجيل دون منازع، وكل من جاء
بعده من الأئمة قبس من نوره وسنا يضيء من
مشكاته، وسيظل ذكره العاطر يتردد عبر
الأجيال، وقد مر على رحيله قرن كامل وهو في كل
عام يزداد توهجا، وبريقا، لأن الله لا يضيع
أجر العاملين.
**
عضو مجمع البحوث الإسلامية
|