|
ولد في
محلة "نصر" التابعة لمحافظة البحيرة عام
1849 لأسرة اشتهرت بمقاومة الحكام، فورث عن
أبيه الصبر وقوة العزيمة والتعالي عن
الصغائر، وورث عن أمه لين الجانب والسماحة
والكرم.
تعلم
القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل
إلى دار حفظ القرآن فحفظه خلال عامين، وبعد
ذلك أخذه والده إلى المسجد الأحمدي بطنطا
لتجويد القرآن، انتقل بعدها إلى مجالس العلم
في المسجد فارتطم بطريقة التعليم التي تفرض
عليه حفظ نص الآجرومية وشرحها، فقضى سنة
ونصفا كما يقول: «لا أفهم شيئا...»، وإثر ذلك
هرب عدة مرات وعمل بالزراعة، وتزوج في
السادسة عشرة، إلا أن الشيخ درويش خضر خال
أبيه الذي غير مجرى حياته وأخرجه في بضعة أيام
من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، وتصوفه
المنفتح لم يمنعه من توجيهه إلى تعلم الحساب
والهندسة والمنطق وعلوم الحياة.
عاد
إلى الجامع الأحمدي بروح جديدة فوجد نفسه كما
يقول: «أفهم ما أقرأ وما أسمع». وتجربته هذه
ستجد صدى لاحقا لتتحول إلى ثورة لإصلاح
مؤسسات التعليم. التحق بالأزهر 1866 فلم يكن
رأيه فيه خيرا من رأيه في الجامع الأحمدي لعقم
أساليبه التعليمية منذ وصول جمال الدين
الأفغاني إلى مصر 1871 التقاه محمد عبده،
ولازمه كظله، فأخرجه من حياة العزلة إلى
دراسة العلوم الحديثة كالفلسفة والرياضيات
والأخلاق والسياسة والفن وغير ذلك مما لم يكن
مألوفا في مناهج الأزهر ودربه على الإنشاء
والكتابة في الموضوعات الإصلاحية المختلفة،
وبدأ الكتابة باسمه في جريدة الأهرام وعمره
يومئذ سبعة وعشرون عاما. وبعد تخرجه في الأزهر
1877 مارس التدريس فيه، وقرأ لطلابه المنطق
والفلسفة والتوحيد وتهذيب الأخلاق لمسكويه
وتاريخ المدنية في أوروبا وفرنسا لفرانسوا
جيزو، ثم علم في دار العلوم وقرأ لطلابه فيها
مقدمة ابن خلدون، وألف كتابا في علم الاجتماع
والعمران، ومنذ ذلك ظهرت ميوله نحو اعتبار
التربية والتعليم مفتاح الترقي.
شارك
مع أستاذه الأفغاني في النضال السياسي ضد
سياسة الخديوي إسماعيل، وساهم مع الأفغاني في
تكوين الحزب الوطني الحر الذي كان من أهدافه
محاربة التدخل الأجنبي، ورفع شعار "مصر
للمصريين"، وإنشاء حكومة دستورية برلمانية.
في
عهد الخديوي توفيق عين محمد عبده محررا
للجريدة الرسمية «الوقائع المصرية» عام 1881،
فأنشأ قسما للمقالات الإصلاحية في شئون
التربية والأخلاق والاجتماع والاقتصاد،
وساهمت انتقاداته في تأسيس المجلس الأعلى
للمعارف. وبعد فشل ثورة عرابي التي قادت إلى
الاحتلال واضطهاد القوى الوطنية، دفع عبده
ثمن انحيازه للثورة؛ فسجن ثلاثة أشهر، ونفي
إلى بيروت لثلاث سنوات، أقام فيها سنة، ثم
التحق بالأفغاني إلى باريس؛ حيث شاركه في
إخراج جريدة «العروة الوثقى» لسان حال
الجمعية السرية التي قام الأفغاني بتنظيمها
في بلاد الشرق الإسلامي ومصر والهند، فترأس
محمد عبده التحرير فيها، وكان الأفغاني مديرا
لسياستها وموجها فكريا لها، وركزت في دعواتها
على استنهاض المسلمين والشرق لمواجهة خطر
الاجتياح الغربي، كما دعتهم إلى اليقظة
والوحدة ومواجهة الاحتلال الانجليزي. وبعد
إقفال الجريدة عاد إلى بيروت، وأقام في ضاحية
لها وجعل منزله ملتقى لأهل العلم والأدب من
جميع الطوائف، وعمل في المدرسة السلطانية،
وكتب في جريدة «ثمرات الفنون»، واشتغل
بالتأليف والترجمة.
عاد
محمد عبده إلى مصر على ألا يشتغل بالسياسة،
فاستنفد كل جهوده في العمل الإصلاحي
والتربوي، وكان سبيله إلى ذلك إصلاح الأزهر
والمدرسة الدينية وإقامة الجمعيات الخيرية.
وأظهر عداءه للسياسة وللسياسيين ولمن يشتغل
فيها، لكنه لم يعين في سلك التربية كما كان
يرغب، بل عين قاضياً في المحاكم الشرعية،
فعضواً في مجلس الشورى، ثم مفتياً للديار
المصرية، فأنشأ مدرسة القضاء الشرعي من أجل
المحاكم الشرعية. ورغم جهوده الإصلاحية في
كافة هذه المجالات كان في حياته يائسا من كل
ذلك لا يجد له نصيرا..
وفي
يوم وفاته 1905 ودعته مصر وداعا حزينا يليق برجل
قضى جل حياته في سبيل نهضة مصر والإسلام
والعرب.
محمد
عبده والإصلاح الديني
اعتبر
الشيخ محمد عبده أن الإصلاح الديني يجب أن
يكون في المقدمة الأولى لرقي المجتمعات، خاصة
أن الإسلام يدعو إلى احترام العقل وحق الأمة
في اختيار الحاكم والشورى، ويتوافق والمدنية
الحديثة؛ لهذا كرس عمره الفكري لتحرير الفكر
من قيود التقليد السياسي واللغوي والتربوي
والديني، واعتبر الدين ضمن موازين العقل
البشري وصديقا للعلم وباعثا على البحث في
أسرار الكون.
يشير
محمد عبده إلى أن الإسلام كان دينا عربيا، ثم
لحقه العلم فصار علما عربيا، وبعد أن صارت
الخلافة في قبضة الأعاجم الذين تنكروا للعلم
وسنوا لنا عبادة الأولياء والعلماء
والمشبهين بهم.. ابتعد المسلمون بعدها عن طلب
العلم، وصارت غايتهم «ما يفرضه الدين من
معرفة الفرائض والوضوء والصلاة والصوم»،
ومالوا إلى الكسل وأخطئوا في معنى الطاعة
لأولي الأمر، فألقوا مقاليدهم إلى الحاكم
الذي أذل النفوس لخشونة سلطانه، وساد الجمود
والتقليد، ثم تفرقت الملة إلى مذاهب وشيع،
وبعد أن كانت الشريعة -يوم كان الإسلام سمحا-
تسع العالم بأسره، أصبحت تضيق عن أهلها، فنسي
المسلمون أن الإيمان يعتمد على اليقين وأن
العقل ينبوعه.
وفي
ضرورات الإصلاح استند محمد عبده على تجربة
أوربا الإصلاحية، وذكر ثمانية أصول يقوم
عليها الإسلام: يقوم على النظر العقلي لتحصيل
الإيمان، وتقديم العقل على ظاهر النص، والبعد
عن التكفير؛ فالكفر له مائة وجه، بينما
الإيمان لا يحتمل إلا وجها واحدا. وألا يعول
بعد الأنبياء في الدعوة إلى الخير على غير
الدليل، ونفي السلطة الدينية، ومودة
المخالفين في العقيدة آخرها التسامح بين
الأديان، وهذا لا يكون إلا في العقل السليم.
وانصب نقده على المشتغلين بالعلوم الدينية
والعلوم العصرية العامة والصفوة جميعاً. كما
انتقد سلوك الحكام الذين أصابهم الجهل ما
أصاب الجمهور الأعظم من العامة «لا يراعون
عدلا.. حتى أفسدوا أخلاق العامة». وكان يرى أن
السبيل الوحيد للإصلاح الديني يبدأ من إصلاح
المدرسة كجهاز للتربية والتعليم، واستخدام
العقل في معرفة الظواهر الطبيعية. ولم يعارض
في التوحيد بين المناهج المدروسة من الفكر
الإسلامي، كما دعا إلى اقتباس النظام
الدستوري البرلماني منها، تطبيقا حديثا
لمبدأ الشورى الإسلامي، وهذا هو السبيل
الوحيد الذي يقود إلى الاستقلال والحكم
الدستوري البرلماني: «إنه طريق طويل، لكنه
أكيد».
يتطرق
الباحث في كتابه إلى الفكر السياسي للشيخ
محمد عبده، وموقفه من الثورة العرابية،
والصراع بين العسكر والسلطة السياسية،
واعتبر أن الحياة النيابية الدستورية غير
مشروعة بالقوة العسكرية، وفي المرحلة
الثانية من الثورة العرابية كان مؤيدا لها،
وتعاون مع زعمائها، لكنه كان يمثل الاتجاه
الإصلاحي في صفوفهم، وبعد فشل ثورة عرابي
ودخول الإنجليز إلى مصر وضع الخديوي الشيخ
محمد عبده في السجن، ومن ثم نفي إلى بيروت؛
لأنه أفتى بخلع الخديوي، وقد حمل مسئولية
الهزيمة للإنجليز وقادة الثورة معا، وبقي
متمسكا بأهداف الثورة، وأكد في مذكراته على
شرعية المقاومة وشرعية انضمامه إليها.
كذلك
يعقد مقارنة بين منهج الأفغاني ومنهج عبده
أثناء لقائهما في مصر، وأثناء وجودهما معا في
باريس، وإصدارهما مجلة "العروة الوثقى"،
ومواجهة الأفغاني لسياسة الإنجليز في الهند
وإيران ومصر، بينما كان الشيخ يشهّر بكل من
يمارس السياسة؛ لأنه اعتبر هذا العمل يعطل
مشروعه الإصلاحي. وكان الأفغاني يهزأ بسياسة
التتريك ويسفهها قائلا: «فكيف يعقل تتريك
العرب وقد تبارت الأعاجم في الاستعراب
وتسابقت، وكان اللسان العربي لغير المسلمين -ولم
يزل- من أعز الجامعات وأكبر المفاخر». بينما
لم يتطرق الشيخ محمد عبده إلى نزعة التتريك،
ولم يقترح كأستاذه في جعل العربية لغة
الجامعة العثمانية، بل اكتفى في بيروت بالنصح
في تدريس اللغتين: العربية والتركية في
المدارس، ولم يرغب في انفصال العرب عن
الأتراك؛ لأنه رأى في مثل هذا العمل ضعفا
لكليهما على السواء يقوي الأجانب عليهما.
في
«رسالة التوحيد» التي كان محمد عبده يمليها
على تلامذته، أراد من خلالها استرجاع اللحظة
الإبداعية العقلانية لعلم الكلام على أسس
جديدة تعتمد العقل كشاهد على الدين ورفيق له
وعلى مفهوم "التوحيد" يرى ما يوحد
الجماعة، وينفي التوسطات بين الفرد وخالقه،
ويؤاخي بين الإسلام والمبادئ الأساسية
للمدينة الحديثة، رافعا راية التجديد
والاجتهاد ضد التقليد وعبادة القديم مطبقا
القواعد المنهجية على مجمل الموضوعات التي
تطرق لها في «رسالته»، وهاجسه في ذلك الإصلاح
الشامل الذي يبدأ من الذهنيات لينتهي إلى
أساليب الحياة الاجتماعية، عاقدا الروابط
بين العقائد ومهام نهضة المجتمعات الإسلامية.
يخلص
الشيخ في «رسالته» إلى أن الإسلام يتضمن
عنصرين يشكلان أساس المدينة الحديثة وجوهرها
هما: مبدأ حرية الإرادة، واستقلال الفكر
والعقل. وقد اقتبست أوروبا هذين المبدأين،
بعد أن انطفأت جذوتهما عندنا، وكان ذلك عن
طريق الحروب الصليبية، وما نتج عنها من تعرف
الصليبيين على حال المسلمين؛ إذ «وجدوا حرية
في دين، وعلما وشرعا وصنعة مع كمال في يقين،
وتعلموا حرية الفكر وسعة العلم»، وهاك المحطة
الأندلسية حيث «كسب السفار من أطراف الممالك
إلى بلاد الأندلس بمخالطة حكامها وأدبائها،
ثم عادوا إلى شعوبهم ليذيقوهم حلاوة ما
كسبوا، وأخذت الأقطار من ذلك العهد تتراسل،
والرغبة في العلم تتزايد». والنتيجة التي
يريد الشيخ أن يصل إليها أننا لسنا في غربة عن
عصرنا وعن تيار المدنية الغربية؛ لأن جوهره
مقتبس من عناصر مدنيتنا وديننا، ويكفينا أن
نستذكر مبادئ الإسلام الحقيقية كما كانت عليه
قبل ظهور الخلاف والتمذهب حتى نجد أنفسنا
والحضارة الأوروبية الحديثة على صعيد واحد.
زود
الباحث شمس الدين الكيلاني كتابه بمقتطفات من
«رسالة التوحيد»، يقول في مقدمتها: «راعينا
فيها أن نعبر عن انشغالات النص، وأن نعطي صورة
عامة عنه، وأن تكون الأقرب لاهتمامات هذا
الجيل، ووضعنا لها عناوين، وعلقنا في الهامش
على ما غمض من العبارات والأسماء».
*نقلا
عن مجلة البيان: الإثنين 19 ربيع الأول 1422 هـ،
الموافق 11 يونيو 2001م.
|