 |
|
د.محمد
عمارة |
تمهيد
وأنت
بين يدي الطبيب.. وقبل أن يصف لك الدواء.. فإنه
ينصحك بالتحليل والتصوير ليعينه ذلك على
تحديد موطن العلة ونوعها لتبدأ بعد ذلك رحلة
العلاج الذي يتوج في النهاية بالشفاء بإذن
الله تعالى...
وإذا
كان ذلك شأن طب الأبدان فإن كذلك الشأن في طب
"الإيمان"..
بمعنى
أن يرصد الداعية الواقع الماثل ليدرك طبيعة
المعركة ونفسية المدعو وأساس الإصلاح لتكون
هذه المعرفة سبيله إلى الفرار بالواقع الأليم
إلى حيث الكمال المنشود، وتلك مهمة الداعية
المجدد، ولقد كان هناك مجددون في الإسلام من
أمثال:
الشاطبي:
في الموافقات والاعتصام.
وابن
تيمية: في درء تعارض العقل والنقل.
والدهلوي:
في الحجة البالغة.
وجمال
الدين الأفغاني: وكان تلميذه الإمام محمد
عبده الذي تميز منهجه في الدعوة والتجديد
بملامح كان فيها غير مسبوق ولا ملحوق، أجل لقد
كان الإمام محمد عبده -رحمه الله- هو ذلك
الداعية الذي شمر عن ذراع، وكشف عن ساق،
متشحًا بأسلحة الدفاع والهجوم، آملا في نصرٍ
من الله وفتح قريب، وقد تحقق له ما أراد.
الإحساس
بالمسئولية
لقد
كان يقول: إنه يشترك مع أخيه محروس في معنى
الحياة لكنه كان يحس بأنه ينفرد بحياة فوق هذه
الحياة والمشار إليها بقوله عز وجل: )يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ
لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا
يُحْيِيكُمْ ( ومن شأن هذا الإحساس الراقي أن
يحمل صاحبه فوق ما يطيق
وإذا
كانت النفوس كبارًا *** تعبت في مرادها الأجسام
لقد
كان الإمام -كأخيه محروس - يرى بالعين المجردة
ما حوله ومن حوله.
ولكن
الشيخ كان يطل من علٍ ليرى الموقف كله بكل
أبعاده وزواياه وفي ضوء هذه الرؤية الكاشفة
كان يركز على الداء ثم يصف الدواء.
من
ملامح منهجه في الدعوة
التسامح:
لقد
قرأ الشيخ واقع الأمة قراءة واعية مستبصرة
فرأى من سلبيات أمتنا أنها ترفض الاتصال
بالآخر والإفادة من ثمرات تجاريبه، ثم تأكد
له أن الوقت قد حان لعملية اختراق هذا الآخر
لا عن طريق المواجهة والقتال وإنما عبر
التفاهم والجدال بالحسنى وذلك يعني التسلح
بالعلم الذي نقضي به أولاً على أعدائنا
الثلاثة: الفقر والجهل والمرض.
ذلك
أن المواجهة الساخنة لم تعد هي الخيار المتاح
وإنما هي الكلمة الطيبة والموقف النبيل وعن
طريقهما يمكن الفهم ثم من بعد ذلك التفاهم "فإن
آمنوا... فقد اهتدوا" وإلا فقد أدينا واجبنا
في البلاغ.
من
مبادرات الإمام العملية
مع
أن الإسلام نقيض الشيوعية وما يترتب على ذلك
من هدم للثقة بينهما على قدر مسافة الخلف؛ فإن
ذلك لم يمنع الإمام محمد عبده من الأخذ بزمام
المبادرة ومخاطبة أديب روسيا الأكبر "تولستوي"
اعترافًا منه بالآخر بل وتقديرًا له على نحو
لا يعني التنازل عن الهوية الإسلامية، وإنما
هو الحوار الهادئ الهادف الذي يستهدف الوصول
إلى ما يمكن أن يتفق عليه أهل الأديان حتى
يمكن التعاون على إنجازه ادخارًا لطاقة
المعرفة لتبذل في مجال البناء بدل أن تبدد في
مجالات الهدم.
وهذا
هو نص خطاب الإمام إليه:
لم
نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف
بروحك سطع علينا نور أفكارك وأشرقت في آفاقنا
شموس آرائك التي ألفت بين نفوس العقلاء
ونفسك، هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر
الناس عليها، ووفقك إلى الغاية التي هدى
البشر إليها؛ فأدركت أن الإنسان جاء على هذا
الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل.
ولأن
تكون ثمرته تعبًا ترتاح به نفسه وسعيًا يبقى
ويرقى به جنسه.
شعرت
بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة
الفطرة واستعملوا قواهم -التي لم يمنحوها إلا
ليسعدوا بها- فيما كدر راحتهم وزعزع
طمأنينتهم.
نظرت
نظرة في الدين فوصلت بالنفس من حُجب التقليد
إلى حقيقة التوحيد.
ورفعت
صوتك تدعو الناس على ما هداك الله إليه وتقدمت
أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه.
فكما
كنت لقومك هاديًا للعقول كنت حاثًّا للعزائم
والهمم.
وكما
كانت آراؤك ضياء يهتدي به الضالون كان مثالك
إمامًا اهتدى به المرشدون.
وكما
كان وجودك توبيخ الله للأغنياء كان مددًا من
عنايته بالفقراء.
توقيع
مفتى الديار المصرية
[محمد عبـــــده](1)
تعليق
على خطاب الإمام
كانت
هناك مجموعة من دروس الدعوة تتراءى من خلال
هذا الخطاب المبارك:
1-إذا كان الاتصال بالآخر اليوم سهلا ميسورًا
عن طريق ما اخترع البشر من مستجدات؛ فقد كان
الاتصال به من قبل صعبًا مكلفًا ومع ذلك فقد
اخترق الإمام هذه الصعوبة فكان هذا الخطاب.
2-إذا كان البشر قد انتشروا في الأرض واتخذت كل
جماعة مساحة منها تنتسب إليها وتتغنى بها؛
فقد كان خطاب الإمام انتزاعًا لهؤلاء البشر
من ضيق الدنيا إلى سعتها من الإقليمية
والمحلية إلى الإنسانية.
3-حين يلفت الشيخ نظر الأديب العالمي إلى
انحراف الناس عن الفطرة وما ترتب على ذلك من
سلبيات فإنما كان ذلك تحديدًا لنقطة اتفاق
تجمع بين الداعي والمدعو على أرض مشتركة
ليمكن الانطلاق منها إلى تقرير حقيقة نقترب
بها من آمالنا في السلام وذلك عكس ما يحدث
اليوم من التركيز على نقاط الخلاف ليصير
الأمر على ما قيل: أنت تئق وأنا مئق فكيف نتفق؟!!
إذا
كان الاتصال مهمًا في هذا الزمن السحيق فإنه
اليوم أهم:
فالعالم
اليوم حائر باسط يديه يطلب الهدى في زمن عمَّ
فيه الظلام ونحن الدعاة في حاجة إلى أن نقوم
بدورنا في البلاغ في وقت تشتد فيه حاجة العالم
إلينا.
لقد
صارت الأديان في حياة الناس طقوسًا لا تنقذ
نفوسًا غشاها من الجهل ما غشى.
لقد
كانت دولة الأندلس في قلب أوروبا يومًا وكانت
بقيمها الإسلامية مصدر النهضة الأوروبية
الحديثة، ويجب أن يعيد التاريخ نفسه اليوم عن
طريق رواد مخلصين من مدرسة الإمام محمد عبده،
لا يفرضون الإسلام على الآخرين؛ فلا إكراه في
الدين، وإنما عن طريق هذه المبادرات الفردية
مع رموز القوم هناك ليروا الإسلام على
حقيقته، بدل هذا التخبط والتناصر الذاهب
بالقوى في معارك وهمية.
من
أساليب الدعوة أن تكتفي بعرض محاسن فيها، ولا
داعي لإحراج الخصم بذكر مثالبه.. التي تتراجع
تلقائيًا أمام محاسن دينك..
وهناك
في الغرب "رموز" بعثت من رقادها شاهدة
على أن حضارة الغرب تحمل في كيانها بذور
فنائها..
فإذا
نحن انفتحنا عليها.. كما فعل الإمام بمثل
خطابه إلى "تولستوي".. حققنا بذلك أمرين:
الأول:
شد أزر هؤلاء الشاهدين في مواجهة الطاغين من
بنى جنسهم، ولا يهز الشجرة إلا فرع منها.
الثاني:
الإفادة من هذه الشهادة.. التي سوف تضاف
رصيدًا لحساب الإسلام من حيث جاءت على لسان
رمز من رموزهم..
وخذ
مثالا على ذلك:
شهادة
السياسي الألماني الذي كان مستشارًا للرايخ
الألماني.. الذي قال: "نحن الآن على حافة
الهاوية؛ لأننا تقدمنا في العلم حتى صرنا
عبيد العلم. وبرعنا في الاختراع.. حتى صرنا
عبيد الاختراع. وتمادينا في استخدام الآلة..
حتى صرنا عبيد الآلة.. ولم يبق لنا من أمل
ينقذنا من هذا الفزع المدمر.. إلا أن نؤمن بأن
هذا الكون له خالق. وأن هذا الخالق العظيم قد
وضع له قوانين وما علينا إلا أن نسير طبقًا
لهذه القوانين لنخلص من عبودية المادة والآلة
والاختراع.
وبذلك
تنجو الإنسانية من الهوية التي تقف على
حافتها".
ولقد
كانت مبادرة الإمام فرصة أزاحت كثيرًا من
الغشاوات.. فبدت الحقائق تفرض نفسها فرضًا
ينطق بها مفكرون، ويشهد بها واحد من بنى
إسرائيل على أهله، مؤكدًا أن هذا الكلام له
خبئ.. معناه: ضرورة الاتصال بهذه الرموز..
لمصلحة كل الأطراف المعنية.
رد
"تولستوي"
وهذا
هو الذي حدث بالفعل.. كما يشير إليه رد "تولستوي"
على خطاب الإمام.
استهل
تولستوي الرد على الإمام قائلا: "تلقيت
خطابك الكريم، وهاأنذا أسارع في الرد عليه،
مؤكدًا امتناني الكبير من هذا الخطاب الذي
أتاح لي الاتصال برجل مستنير رغم اختلاف
عقيدته عن العقيدة التي نشأت عليها وتربيت،
ولكن من نفس الديانة حيث إن العقائد تختلف
وتكرر ولكن ليس هناك سوى دين واحد هو دين
الحق، آمل ألا أكون قد أخطأت إذا افترضت من
واقع خطابك أن الدين الذي أؤمن به هو دينك
الذي يرتكز على الاعتراف بالله وشريعته في حب
الغير، وأن نتمنى لهذا الغير ما نتمناه
لأنفسنا، وأعتقد أن جميع المبادئ الدينية
تندرج من هذا المبدأ". وهكذا يثني الإمام
محمد عبده على "تولستوي" منوهًا بما
يملكه من خلق كريم.. وفى الوقت نفسه وبطريق غير
مباشر يدعوه إلى الإسلام بما لديه من أخلاق
ترشحه ليكون رمزًا من رموز الإسلام.. لو أراد.
ولقد
كان لهذا التواصل ثمرته حين كتب قيصر روسيا
إلى الشيخ "محمد عياد الطنطاوي" سنة 1840..
يدعوه ليقوم بتدريس اللغة العربية وآدابها
للروس.
ولم
يقتصر الأمر على استدعاء الشيخ محمد محمد
عياد فقط وإنما كان للمبادرة أثرها على
المستوى الشعبي:
بدليل:
[أن
أدباء المسيحيين كانوا يتسابقون إلى دروسه في
مجالسه (بيروت) أيام منفاه هذا التسابق الذي
توج في النهاية بشهادة رمز من رموز المسيحية
له وهو "يعقوب صروف" الذي قال يوم وفاته
لمن حوله:
"إني
أسمعكم تقولون: فقيد الإسلام والمسلمين ولا
تزيدون
إنه
فقيدنا جميعًا: مسلمين ومسيحيين".
وصدق
العقاد حين قال في كتابه: "عبقري الإصلاح
والتعليم" عن الإمام محمد عبده:
"كان
مليئًا بكل ما يتطلبه المسلم المستبد في عصره
من آيات الثقة وحجج الإقناع"، وتأمل كيف
وهو في منفاه يجدد ذكرى يوسف عليه السلام،
عندما لم يستسلم لظروف السجن.. بل حول السجن
والمنفى إلى مدرسة للدعوة.
السيف..
في موضع السيف
ولقد
هاجم الإمام "هانوتو" المفكر ووزير
خارجية فرنسا الأسبق..
هاجمه
"بالبرهان" وليس بالسنان.. على نحو يؤكد
أن الشيخ كان يلين حين يلين.. ويشتد حين يشتد..
صادرًا عن مشكاة واحدة هي: الولاء للحق..
وإطراح الهوى. جاء في الأهرام – 9/7/ 2005م:
أما
بعد
فقد
فعل الشيخ ذلك منطلقًا من يقينه بضرورة معرفة
من تحاوره:
فيم
يفكر؟
نوع
ثقافته
كيف
يفكر؟
ما
هي اهتماماته؟
ثم
ما هي صورتنا في ذهنه؟
وما
هو سلوكه معنا؟.
ولقد
كان هذا الخطاب مبادرة امتد بها جسر من الفهم..
ثم التفاهم.. هو من مصلحتنا نحن.
من
مصلحة الدعوة التي لا تنتشر إلا في جو من الود..
يتيح فرصة التعاون لإنجاز ما اتفقنا عليه.
المغالاة
بالعقل.
يقول
الإمام:
فالأمة
العاقلة: حية بحياة أبنائها متحركة بحركة
أفكارهم".
وعندما
يكون العقل حاضرًا، محكَّمًا في قضايا الأمة..
فلن تجد فيها تعصبًا ولا تحجرًا في فهم النصوص..
ولا إعراضا عن "الآخر" الذي نفترض فيه
حسن النية، وفي هذا يقول الإمام محمد عبده:
"إن
العقل يحكم الدين؛ فالدين عُرف بالعقل، ولا
بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معًا حتى
نستطيع أن نواجه المسائل الجدية في المدنية
الجديدة ونقتبس منها ما يفيدنا؛ لأن المسلمين
لا يستطيعون أن يعيشوا في عزلة، ولا بد أن
يتسلحوا بما يتسلح به غيرهم، وأكبر سلاح في
الدنيا هو العلم، وأكبر عمدة في الأخلاق هو
الدين، ومن حسن حظ المسلمين أن دينهم يشرح
صدره للعمل ويحض عليه، وللعقل ويدعو إليه،
وللأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها المدنية
الحاضرة.
إن
المشكلة ليست في الدين..
وإنما
هي في الفهم الخاطئ لهذا الدين".
ومن
هنا تبرز أهمية ما يلي:
تأويل
النص الديني..
ثم
ربطه بقضايا العصر.
ومن
أجل ذلك نبرز أهمية العقل الذي يقوم بحراسة
الأمة من الخرافات.
وإذا
كان المقصود بجهاد الشيخ هو إقناع المسترشدين
فإنه في الوقت نفسه رد مفحم على المتعصبين في
الغرب من الظانين بالإسلام ظن السوء..
بقدر
ما كان في الوقت نفسه ردًا على الواقفين عند
ظاهر النصوص..
ثم
على أولئكم المنبهرين بالغرب..
الدين
أساس الحياة
في
ذلك يقول الإمام محمد عبده:
"إن
أنفس المسلمين قد أشربت الانقياد إلى الدين
حتى صار طبعا فيها؛ فكل من طلب إصلاحها من غير
طريق الدين فقد بذر بذرًا غير صالح للتربة
التي أودعه فيها؛ فلا ينبت، ثم يضيع تعبه،
ويخفق سعيه.
وما
لم تكن معارف المصلحين العامة وآدابهم مبينة
على أصول دينهم فلا أثر لها في النفوس.
والإسلام
دين وشرع.. جاء كمالا للشخص وألفة في البيت
ونظامًا للملك، لم يدع ما لقيصر لقيصر بل كان
من شانه:
أن
يحاسب "قيصر" على ماله، ويأخذ على يده في
عمله:
فهو
بين الفطرة والمدرسة الأولى التي يرقد فيها
البرابرة على سلم المدنية.
امتازت
به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل
فيه".
الأعمال الكاملة ج 2/ 109
ضرورة
الأخذ بأسباب القوة.
وإذ
قد سبقَنَا الغرب إلى الأخذ بأسباب القوة فلا
بأس من اقتباس عناصر حضارتهم، تلك الحضارة
التي اشتقها الغرب من علومنا التي سبقناهم
إليها في الماضي.
ثم
ها هي ذي بضاعتنا ترد إلينا.
لقد
كان الإمام يرى ضرورة اقتحام مجالات الاختراع
حتى لا نصير عالة فيها على أحد.. ومن أقواله في
هذا المعنى:
"إنه
لا دين إلا بدولة..
ولا
دولة إلا بصولة..
ولا
صولة إلا بقوة..
ولا
قوة إلا بثروة..
وليس
للدولة تجارة وصناعة..
وإنما
ثروتها بثروة أهلها..
ولا
تمكن ثروة الأهل إلا بنشر العلوم فيما بينهم..
حتى يتبينوا".
استقلال
الشخصية
ومع
إعجابه الشديد بأستاذه "الأفغاني فإنه
اختلف معه في أسلوب الإصلاح.
كان
منهج الأفغاني في الإصلاح هو:
مصارعة
الإنجليز حتى ينعقد لواء النصر لنا، هذا
النصر الذي لا ينال إلا غلابًا، وما روي عنه
أنه كان يكره الإنجليز ويشنع عليهم، فعاتبه
أحد أصحابه يومًا فقال له: إننا نراك عادلا في
حكمك على الأشخاص والأمم: تذكر بالخير
حسناتهم وبالشر سيئاتهم، ولا نراك تفعل ذلك
مع الإنجليز!!
قال
السيد: لست ممن ينكر أن الإنجليز كأمة من أرقى
الأمم: تعرف معاني العمل وتعمل بها.. ولكن.. في
بلادها، ومع الإنجليز أنفسهم، ثم ذكر له ما
فعلته في الهند ومصر ثم قال: "إن الشرقيين
تصرفوا في أملاكهم تصرف السفيه المبذر، ثم
قضي عليهم أن يكون حاكمهم هو الغرب.. والغرب
ليس من مصلحته إصلاح سيرة الشرق ولا منعه من
السفه.. بل من أمانيه أن يتمادى الشرق في غيه
وإسرافه ليطول عهد الحجر عليه".
ثم
جاء تلميذه محمد عبده فتبنى فكرة المصالحة مع
الغرب؛ بمعنى الاحتفاظ بطاقاتنا التي نبددها
في هذا الصراع لتكون عونا لنا على التلاقي معه..
لا على حساب العقيدة.. ,إنما ابتغاء الاستفادة
من تقدمه في العلوم الكونية.
ولا
شك أنها مدرسة جديدة لها زاوية رؤيتها التي
فرضت عليها أن تغير من تلك النظرة السابقة.
الإمام
الداعية
أما
بعد
فقد
كان للإمام محمد عبده خطابه الديني المتميز:
المتميز
بالدقة والوضوح.. والاعتماد على العقل
منطلقًا في ذلك من معرفة مستوعبة بخصائص
الشعوب وتواريخ الحضارات.
ومن
أجل ذلك.. كان هو الوحيد الذي استطاع إفحام
خصوم الإسلام.. الذين عرف من خصائصهم ما مكنه
من التغلب عليهم تغلب البصير بأوضاع خصمه،
وكيف وصل إلى مكان الإقناع يدور ذلك كله على
محور التسامح وإطراح التعصب جانبًا إلى الحد
الذي كان يرى أن الإسلام لا يرفض الأديان
الأخرى ما دامت على أصولها.
والله
الموفق،
(1)
عن
كتاب مراد وهبة: مقالات فلسفية وسياسية
|