Untitled-1
Left

الإمام محمد عبده مصلحا

2005/12/11

** د. محمود حمدي زقزوق 

زقزوق

تمهيد:

الإصـلاح في أي مجال من المجالات شأن لا يحسنه كل أحد، فلـه رجالـه ولـه شروطـه التي لا بـد من توفرهـا لكي ينهض المصلح بدعوته إلى الإصلاح. والمصلح لا يولد مصلحاً، ولكن هناك ظروفاً موضوعية وقدرات شخصية تجعله يسعى إلى الإصلاح ويعمل على تحقيقه، مستجمعاً قواه العقلية وقدراته الفكرية للتخطيط له، مستعيناً في ذلك بمواهبه الشخصية التي يتمتع بها.

والإصلاح لا ينطلق من فراغ، فهناك أسباب تدفع إليه تتمثل في تردي الأوضاع في مجال من المجالات إلى درجة لا يمكن تجاهلها أو السكوت عليهـا. وعندما يتجه المصلح إلى الإصلاح فإنه لا بد له أولاً من دراسة الأحوال القائمة في هذا المجال أو ذاك والتعرف عليها بدقة، ونقد الأوضـاع السائـدة. ومهمة النقد هنا أساسية في عملية التشخيص للتعرف بموضوعية على السلبيات للعمل على تجنبها والإيجابيات للعمل على تأكيدها والاستفادة منها.

والإصلاح الذي نعنيه هنا ليس عملية ترقيع لسد بعض الثغرات الظاهرة، وإنما هو عملية أساسية شاملة. وشأن المصلح هنا مثل الطبيب الذي عليه أن يتعرف على المرض الذي يشكو منه المريض، ويقوم بتشخيصه بكل دقة بناءً على التحاليل الشاملة والفحوصات الكاملة ثم يبدأ بعد ذلك مرحلة العلاج.

وقد كان هذا هو شأن محمد عبده. فعندما بدأ خطواته الأولى في التعليم الديني بالجامـع الأحمدي في طنطــا تمــرد عليه وهرب منه؛ لأنه وجد خللاً ما في البرنامج التعليمي لم يرض أن يسكـت عنه. وقد كانت هذه التجربة الشخصية الأولى هي منطلقه لكل محاولاته الإصلاحـية المستقبليـة. وقد ظـل هـذا الأمـر يختمر في نفسه ويعتمل في فكره إلى أن نضجت تجربته في نهاية الأمر، وتبلورت خطته في إصلاح التعليم الديني.

ولعل هذا هو ما دفـع الكثيرين إلى وصف محمد عبده بأنه مصلـح ديني. ولا شك في أن الإصلاح عند محمد عـبده مرتبط بإصلاح الفكر الديني بصفة خاصة، ولكنه في الوقت نفسه مرتبط بإصلاح الفكر بصفة عامة، فالإصلاح لديه حلقات متشابكة يجمعها رباط واحد، وتهدف إلى غاية واحدة هي الإصلاح في أوسع معانيه من منطلق أن الدين الإسلامي دين للحياة بجميع أبعادها ومختلف نواحيهـا. وكـان محمد عبده يطمح من خلال ذلك إلى إصلاح المجتمع والدفع به إلى التقدم والارتقاء وتخليصه من الاحـتلال وإصـلاح أحوال الحكـام والمحكومين. وخطـة الإصلاح هـذه تتطلب عقلية متفتحة وشخصية فذة وعلماً واسعاً. وقد كان محمد عبده يتمتع بذلك كله.

 الإصلاح الديني

وقد اتسعت آفاق التجربة الشخصية التي خاضها محمد عبده في الجامع الأحمدي، وتعددت أبعادها إلى الحد الذي جعله في نهاية الأمر على اقتنـاع تام "بأن ضعف المسلمين سببه سوء (فهم) العقيدة والجهل بأصول الدين، وأن ذلك أضاع أحلامهم وأفسدها، وأن العلاج الوحيد هو إصلاح التعليم الديني"(1). وذلك لما للدين من عمق عميق في النفوس، وتأثير عظيم في توجيه السلوك.

ويؤكد الشيخ تصوره هذا بقوله:

"إذا استقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب الخذلان، لا نجد إلا سبباً واحداً: وهو القصور في التعليم الديني، إما بإهماله جملة -كما هو في بعض البلاد- وإما بالسلوك إليه من غير طرقه القويمة ـ كما في بعض آخر"( 2 ) .

وأعتقد أن الشيخ محمد عبده -الذي رحل عن دنيانا منذ قرن من الزمان- لو كان يعيش بيننا الآن لردد الكلام ذاته منادياً بأن علاج التطرف والتعصب والإرهاب الذي يعاني منه العالم الإسلامي في الوقت الراهن يكمن في إصلاح التعليم وفي التربية الدينية السليمة.

ومن أجـل إصـلاح التعليم الديني وضع الشيخ محمد عبده لائحتين لتحقيق هذا الغرض.

أولهما: تتعلق بإصلاح التعليم الديني في المدارس الإسلامية على مستوى دولة الخلافة العثمانية، وقد رفعها إلى شيخ الإسلام في الآستانة بوصفه رئيس اللجنة التي شكلها السلطان عبد الحميد لإصلاح البرامج في المدارس الإسلامية.

وثانيتهما: تتعلق بإصلاح التعليم في سورية في مواجهة انتشـار المدارس الأجنبية فيها وضرورة تعميم المدارس الوطنية وإصـلاح برامج التعلـيم الديني بهـا. وقد رفع محمد عبده هذه اللائحة إلى والى بيروت عندما كان منفياً إليها ومقيماً بها( 3 ).

أما اللائحة الخاصة بإصلاح التعليم في مصر فقد تقدم بها إلى اللورد كرومر، وهذا أمر يدعو إلى الدهشة والتساؤل: لمـاذا لم يقدم تصـوره عن إصلاح التعليم في مصر إلى الخديوي أو إلى رئيس الوزراء أو إلى أي مسئول مصري آخر؟

لقد كان محمد عبده يرى أن زوال الاحتلال مرهون بالتعليم، وأن القوة الفاعلة في مصر آنذاك كانت في يد كرومر، الأمر الذي جعله يتوجه بمشروعه في إصلاح التعليم إلى من يملك النفوذ والقرار. وهذا التوجه يفسر لنا سر الفتوى التي أصدرها بجواز الاستعانة بالأجانب على ما فيه خير ومنفعة للمسلمين( 1 ). ولكن السؤال هو: هل يمكن أن يتصور المرء أن يأتي خير للأمة على يد محتل غاصب؟ لقد أظهرت الأيام أن ذلك أمر بعيد المنال، بل يعد من رابع المستحيلات.

والأمر الذي لا شك فيه أن الشيخ كان محبًّا لوطنه، محـبًّا لدينه، مخلصاً في دعوته الإصلاحية، مجتهداً في البحث عن أفضل الحلول للوصول إلى الأهداف المرجوة. ولكل مجتهد نصيب.

ورؤية محمد عبده للإصلاح الديني بصفة عامة وإصلاح التعليم الديني بصفة خاصة تمتد لتشمل إصلاح العقيدة وإصلاح المؤسسات الإسلامية كالأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية( 2 ). فقد كان يرى أن إصلاح هذه المؤسسات فيه صلاح للأمة.

وقد اهتم اهتماماً بالغاً بإصلاح العقيدة وتنقيتها مما طرأ عليها من تشويه، ورأى أن أفضـل السـبل لإصـلاح العقـيدة هــو تفسير القرآن الكريم. وكـان له في هذا الصدد إسهامات عديدة.

وفي دروسه "كان يقرأ الآية فإذا اتصلت بالعقيدة شرحها شرحاً وافياً، عارضاً ما ورد في القرآن في موضوعها، مبيناً ما دخل على المسلمين في هذه العقـيدة من فســاد ودخيل، وإذا اتصلت الآية بالأخلاق أبان أثر هذا الخلق في صــلاح الأمم وضياعه في فسادها، وإذا اتصلت بحالة اجتماعية أوضح أثر هذه الحالة الاجتماعية في حياة الأمم، مسترشداً بالواقع، مستشهداً بما يجرى في العالم"( 3 ).

( 1 ) المرجع السابق صــ 314 .

( 2 ) المرجع السابق صــ 309 وما بعدها .

( 3 ) زعماء الإصلاح صــ 329 .

ولم يكن الشيخ محمد عبده يكتفي بالإصلاح النظري عن طريق المقالات والخطب والمؤلفات، وإنما كان يتحين كل فرصة مواتية لتطبيق أفكاره ونقلها إلى دنيا الواقع ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وقد أتيحت أمامه الفرصة عندما تولى الخديوي عباس الحكم خلفاً لوالده الخديوي توفيق الذي كانت علاقة الشيخ به سيئة للغايـة، وعندما تأكد الشيخ أن الخديوي عباس لديه رغبة حقيقية في الإصلاح عرض عليه البدء بإصلاح الأزهر. وقد اقتنع الخديوي بما عرضه عليه الشيخ، وصدر الأمر بتشكيل أول مجلس إدارة للأزهر برئاسـة الشيخ حسونة النواوي، وفيه الشيخ محمد عبده الذي نجــح في تحريك هذا المجلس لإصلاح بعض الأمور في الأزهر، وإن لم تكن إصلاحات جوهرية، ولكنه بدأ بها تمهيداً لما يريده من إصلاحات جوهريــة تتعلق بالبرامج الدراسية واختيار الكتب وطرق التدريس وغيرها من أمور أساسية.

وعندما شرع في ذلك جوبه بمعارضة قوية وعقبات كأداء سدت أمامه الطريق، وفتحت أمام خصومه الباب لإطلاق الشائعات والاتهامات ضده، ووصل الأمر إلى حد رميه بالزندقة والخروج عن الدين، الأمر الذي لم يستطع معه أن يستمـر في مشروعه لإصلاح الأزهر. وعلى الرغم من ذلك فإن أفكـاره الإصلاحيـة لم تمت، وظلت تعمل عملها في نفوس وعقول تلاميذه ومريديه ممن تهيأت لهم الفرص بعد ذلك بسنوات طوال لتحقيق بعض ما كان يصبو إليه.

ومن بين هؤلاء التلاميذ والمريدين الذين تحمسوا لأفكار الشيخ محمــد عــبده في إصلاح الأزهر، وينسـب إليهم الفضـل في تحقـيق بعـض أفكــاره في هذا الصدد كـان الدكتور محمـد البهي -رحمه الله- الذي ولد في العام ذاته الذي توفي فيه الشيخ محمد عبده، والذي كان أول مدير لجامعة الأزهر يقوم بتطبيق قانون تطوير الأزهر رقم 103 لسنة 1961م. وقد اشتمل هذا القانون مع قوانين أخرى سابقة على تحقيق العديد من أفكار الشيخ محمد عبده في إصلاح الأزهر.

 إصـــلاح الفكـــر

وإذا كان الدين يعد المحـور الرئيسي في فكر الشيخ محمد عـبده، وأن كل محاولاته الإصلاحــية تدور حولــه، فإن إصلاح الفكر في تصوره لا ينفصل عن الدين ولا عن التعليم الديني. ويعـبر الشيـخ عن ذلك بقولـه: "ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشرى التي وضعها الله لـترد من شططه، وتقلل من خلطـه وخبطـه... وأنه على هذا الوجــه يعــد صديقاً للعلـم، باعثاً على البحث في أسـرار الكـون، داعياً إلى احترام الحقائق الثابتـة، مطالـباً بالتعويـل عليهـا في أدب النفس وإصلاح العمل... والأمر الثاني: إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير سواء كان في المخاطبات الرسمية أو المراسلات بين الناس"( 1 ).

وقد سبق أن أشرنا إلى أن الإصلاح الديني يرتبط لديه ارتباطاً وثيقاً بإصلاح الفكر. وإصلاح الفكر يعني العودة إلى مقررات العقل السليم وتمكين هذا العقل من أداء دوره كاملاً في الحياة. ومن هنا وجدنا الشيخ في دعوته الإصلاحية يؤكد على أهمية العقل وأهمية دوره الحاسم في إحداث التغيير المطلوب والإصلاح المنشود، فإذا استقام الفكر استقام الفهم للدين، واستقامت أمور الحياة، وانفتح الطريق ممهداً أمام الإنسان نحو تجديد الحياة وتطويرها والارتقاء بها وبناء الحضارة الإنسانية على أسس سليمة راسخة.

وقد كانت هذه النظرة للعقل الإنساني هي مرتكز دعوته الإصلاحية التجديدية التي خاض في سبيلها نضالاً طويلاً على جميع الأصعدة . لقد دعا الشيخ إلى أن "العقل يجب أن يحكًّم كما يحكم الدين فالدين عرف بالعقـل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معاً حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديـدة في المدنيـة الجديـدة، ونقتبس منهـا ما يفيدنـا؛ لأن المسلمين لا يستطيعون أن يعيشوا في عزلة، ولا بد أن يتسلحوا بما تسلح به غيرهم. وأكبر سلاح في الدنيا هو العلم، وأكبر عمدة في الأخلاق هو الدين. ومن حسن حظ المسلمين أن دينهم يشرح صدره للعلم ويحض عليه، وللعقل ويدعو إليه، وللأخلاق الفاضلة التي تدعو إليها المدنية الحاضرة"( 2 ).

وحتى يتمكن العقل من أداء دوره الفاعل في حياة الناس أفراداً وجماعات لا بـد مـن تمهـيد الطريـق أمامه، وإزالة العقبات التي تعترض طريقه. ومن هنا كان تأكيد الشيخ محمد عبده على ضرورة التخلص من هذه العقبات أولاً حتى لا يكبو العقل متعثراً فيها إذا سار في طريقه دون إزالتها. وأهم هذه العقبات في نظره تتمثل في التقليد الأعمى وفي تخدير العقل عن طريق المصادر السيئة للتثقيف.

والتقليد يعد بمثابة إلغاء للعقل، وقضاء على شخصية الفرد، وكبت لقدراته وامتهان لكرامته. وهذا التقليد الممقوت يعد ـ في نظر الشيخ ـ ضلال يعذر فيه الحيوان، ولكنه لا يصح بحال من الأحوال من الإنسان القادر على التفكير والتمييز. وفى هذا الصدد يوجه الشيخ سهام النقد إلى الفقهاء الذين جعلوا من "كتبهم -على علاتها- أساس الدين ولم يخجلوا من قولهم: إنه يجب العمل بمـا فيهـا، وإن عارض الكتاب والسنة. فانصرفت الأذهان عن القرآن والحديث، وانحصرت أنظارهم في كتب الفقهـاء على ما فيها من الاخـتلاف في الآراء والركاكة"( 1 ).

وقد شدد الشيخ محمد عبده على ضرورة تحرير الفكر من أغلال التقليد، وأشار إلى أن السبق في الزمان ليس آية من آيات العرفان، ولا معلياً لعقول على عقول. فالسابق واللاحق يستويان في التمييز والفطرة. وهناك إمكانات متوفرة أمام اللاحق لم تكن متاحة لمن سبقه:

"فاللاحق له من علم الأحوال الماضية واستعداده للنظر فيها والانتفاع بما وصل إليه من آثارها في الكون ما لم يكن لمن تقدمه من أسلافه وآبائه"( 2 ).

وأشار الشيخ محمد عبده إلى دور الإسلام الحاسم في مجال تحرير الفكر من أغلالــه وقــيوده حيث "أطلــق (الإسلام) سلطان العقــل من كـل ما كان يقيده، وخلصه من كل تقليد كان يستعبده، ورده إلى مملكته يقضي فيها بحكمـه وحكمته"( 3 )، "وهكذا تم للإنسان بمقتضى دينه أمران عظيمان طالما حرم منهما وهما: استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر، وبهما كملت إنسانيته"( 4 ).

( 1 ) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ـ تحقيق د. محمد عمارة جـ 3 صـ 195 بيروت 1980 .

( 2 ) رسالة التوحيد لمحمد عبده . تحقيق محمود أبو رية صـ 154 . دار المعارف الطبعة الرابعة .

( 3 ) المرجع السابق صــ 145 .

( 4 ) المرجع السابق صــ 155 .

يحذر الشيخ تحذيراً قويًّا من المصادر السيئة للتثقيف التي تؤذي العقول بما تنقله من جراثيم فكرية وأوبئة ثقافية تهدم العقول وتقضي على صحة الفكر والثقافة. ويضـرب الشـيخ مثالاً على ذلك بـ "كتب الأكاذيـب الصرفـة، وهي ما يذكر فيها تاريخ أقوام على غير الواقع... ومنها كتب الخرافات، وهي تـارة تبحـث عن نسـبة بعض الكائنات إلى الأرواح الشريرة المعبر عنها بالعفاريت، وتـارة تتكلم عن ارتباط الحوادث الجوية والآثار الكونية ببعض الأسباب التي لا مناسبة بينها وبين ما زعموه ناشئاً عنها، وتارة تثبت ما لا يقبله العقل، ولا ينطبق على قواعد الشرع الشريف"( 1 ).

والأمر المؤسف حقًّا أن أمثال هذه الكتب التي تخدر العقل وتشل فاعليته لا تزال تجد لها سوقاً رائجة في أيامنا هذه بعد مرور قرن كامل من الزمان على رحيل الشيخ محمد عبده. وإذا كان يحذر من أمثال هذه المصادر السيئة للتثقيف فإنه من ناحية أخرى يرى ضرورة تزويد العقل بالزاد الفكري السليم والغذاء الثقافي الصحيح من الكتب المفيدة الصحيحة والعلوم النافعة التي تؤهل صاحبها لتمييز الغث من السمين من الأفكار.

وما أشار إليه الشيخ من ضرورة حسن اختيار الكتب التي تغذي العقل ينطبق بطبيعة الحال على كل منتجات الفكر والأدب والفن في أجهزة الاتصال ووسائـل الإعلام المختلفـة المقروءة والمسموعـة والمرئيـة، وفي المسرح والسينما والفيديو والإنترنت وغير ذلك من مصادر ثقافية مختلفة تؤثر بطريقة أو بأخرى في بناء شخصية الفرد والمجتمع( 2 ).

( 1 ) الأعمال الكاملة جـ 3 صـ 50 .

( 2 ) راجع كتابنا : مقدمة في الفلسفة الإسلامية صـ 150 ـ دار الفكر العربي 2003 .

 الإصلاح السياسي

على الرغم من أنه من المعروف أن الشيخ محمد عبده كان لا يحب السياسة ويلعنها ويلعن مشتقاتهـا فإنـه اضطـر إلى الاشتغال بها مرتين: مـرة حين دفعه التيار في الثورة العرابية، ومرة أخرى حين كان تحت تأثير أستاذه جمال الدين الأفغاني.

ومـن ناحـية أخرى فإن مشروعه الإصلاحي الطموح لم يكن ليتجاهل هذا الجانب الهام في حياة الأمم والشعوب. ومن هنا وجدناه في عبارات صريحة واضحة يدخل بنا إلى معترك السياسة ضمن مشروعه الإصلاحي فيقول:

"وهــناك أمــر آخر كنت من دعاته والناس جميعاً في عمى عنه، وبعد عن تعقله، ولكنه هو الركن الذي تقــوم عليه حياتهم الاجتماعية، وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه... وذلك هو التمييز بين ما للحكومـة من حق الطاعـة على الشعـب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة"( 1 ).

ومن الأمور التي كانت مطروحة بقوة في ذلك الوقت قضية الحكم النيابي. وكان يميل إلى التدرج في هذا الأمر والبدء بإصلاح المجالس البلدية وتعويد الأهالي السير عليها قبل الشروع في إنشاء مجلس نيابي. وفي مواجهة المطالـبين بالمجلــس النيابي أطلق العبارة الشهيرة التي يقول فيها: "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل". ويذهــب الشيخ إلى القول بأن هذا المستبد العادل يستطيع أن يفعــل الأعاجيب في خمسة عشر عاماً، وينقل الأمة خطوة واسعة إلى الأمام.

وعندما عين الشيخ عضواً في مجلس الشورى كانت له بصماته الواضحة فيما اتخذه هذا المجلس من قرارات هامة فيها مصلحة للأمة. وعلى وجه العموم فإن محمد عبده كان يميل في آرائه في المسائل السياسية إلى القول بأن النضــج السياسي يعتمد على التعليم والتربية. ومشروعه الإصلاحي -كما هو معروف- كان يجعل من التعليم أولوية قصوى في تحقيق الأهداف الوطنية. وهذا الاتجاه كان يتناقض مع اتجاه آخر قوي يعتمد على إلهاب مشاعر الجماهير مطالباً بجلاء الإنجليز أولاً( 2 ).

( 1 ) الفكر الإسلامـى الحديث صــ 122 .

( 2 ) زعمــاء الإصــلاح صــ 311 ، 334 وما بعدها .

ولـم يستطع الشيخ تحقيق الكثير في المجال السياسي، ولذلك نفض يديه من السياسة بعد ذلك ولعن السياسة وكل ما اشتق منها. فطبيعة محمد عبده كانت تختلف عما تتطلبه السياسة. وهذا يفسر لنا أيضاً السبب في عدم استمراره في مسايرة ثورية جمال الدين الأفغاني، فكل ميسر لما خلق له.

وبعــد أن خاض محمد عبده مع أستاذه الأفغاني العديد من التجارب السياسية التي لم تؤد إلى تحقيق الأهداف والطموحات المرجوة توصل إلى اقتنــاع تام بأن أفضل طريق للإصلاح هو التربية. ومن أجل ذلك اقترح على الأفغاني، أن يختارا عددا من أبناء العالم الإسلامي لإعدادهم علميًّا وتربيتهم دينيًّّا وخلقيًّا، وتزويدهم بالأفكار الإصلاحية، وإرسالهم بعد ذلك إلى بلادهم ليقوم كل منهم بالدعوة إلى الإصلاح في بلاده. ولم يوافق الأفغاني الثائر على هذا الاقتراح العقلاني الهادئ، وقال لتلميذه "إنك مثبط للهمم".

والحـق أن محمـد عــبده لم يكن في يوم من الأيام مثبطاً للهمــم بــل العكس هو الصحيح وهو أنه قد عمل باستمرار على إيقاظ الهمم وتحريك الطاقات، وظل طول حياته مناضلاً من أجل الإصلاح بمعناه الشامل، ومناضلاً من أجل نهضة العالم الإسلامي.

 خاتمــــــة

ومن خلال ما عرضناه في الفقرات السابقة يتضح لنا أن الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد عبده تقوم في جوهرها على أساس من العقل وتحكيمه في كافة المجالات وتمكينه من أداء دوره كاملاً في هذه الحياة بالتعاون التام مع صحيح الديـن حـتى يمكن للأمـة أن تنهـض من كبوتهـا، وتزيـل عن كاهلها أثقال التخلف، وتسير في طريقها بخطى ثابتة متحررة من ظلمات الجهالة وغشاوات الخرافات والأوهام متسلحة بالعلم متحصنة بالدين. "فالعقل –كما يقول– يجب أن يحكم كما يحكم الدين، ولا بد من اجتهاد يعتمد على العقل والدين معاً".( 1 )

ونحن اليوم لا نزال أحوج ما نكون إلى استيعاب هذه الدروس القيمة من تراث الإمام محمد عبده، فكلماته لا تزال تعبر عن أوضاعنا وكأنه -رغم مرور قرن من الزمان على رحيله عن دنيانا- لا يزال يعيش بيننا يشخص أدواءنا الفكرية ويصف لها العلاج. وهكذا تظل أفكار العظماء نابضة بالحياة تنشر أضواءها في كل مكان.

إن أجيالـنا الجديدة في أشد الحاجة إلى التعرف على قادة الفكر وعظماء التاريخ من أمثال الإمام محمد عبده والانتفاع بما خلفه لنا من فكر وما جسدته شخصيته من كفاح طويل في سبيل ترسيخ قواعد الفكر الصحيح والمنطق السليم والفهم السديد لتعاليم الدين، فذلك كله يشكل بداية الطريق لكل نهضة ومفتاح التقدم أمام كل أمة.

( 1 ) زعماء الإصلاح صـ 337 .

ولكن الأمر الذي يؤسف لـه أنه كلما سار بنا ركب النهوض خطوة إلى الأمام أطلت برأسها من هنا وهناك عناصر التخلف التي تتمسح بالدين وتتاجر بالسياسة لتجذبنا إلى الوراء خطوات. ومن هنا تعثرت الأمة في سيرها وتخلفت مسيرتها في الوقت الذي يسرع فيه غيرنا الخطى حتى بعدت الشقة بيننا –نحن المسلمين- وبينهم، وأصبحنا في مؤخرة الركب ننعى حظنا العاثر، ونبحث هنا وهناك عن شماعات نعلق عليها قصورنا وتقصيرنا.

إن القضية المصيرية اليوم أمام الأمة الإسلامية هي قضية التخلف في شتى المجالات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والمادية وفى مجالات التفكير الديني، والعقل ينبغي أن يأخذ دوره كاملاً لإنقاذ الأمة من وهدة هذا التخلف. أما شغل الأمة بقضايا إطالة اللحى وتقصير الثياب والدفاع عن النقاب والسواك وتعدد الزوجات، وما شاكل ذلك من أمور هامشية فإنه يعـد جنايـة في حق الأمة وتعويقاً لها عن مسيرتها نحو التقدم واللحاق بركب العصر.


** وزير الأوقاف المصري

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

الإسلام وقضايا العصر

دعوة ودعاة

مجاهيل ومشاهير

استشارات دعوية

مجلة المسلم المعاصر

الحضارة الإسلامية

الأخلاق والتزكية

صفحات وملفات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع