|
تبدو
الثقافة العربية الآن بلا وجه، ويبدو، بنفس
الوقت، أن مشاريع الإصلاح الفكرية غير جادة،
أو بالأحرى لم تتبلور كمشاريع، رغم المطالبات
الكثيرة بالإصلاح.
والمؤذي
في الأمر أن ما يطرح الآن من مشاريع لا يتجاوز
ما تم طرحه منذ قرن مضى.
لقد
ولى الزمن الذي يملك فيه أبناؤه رؤية واضحة عن
واقعهم، والتصاقهم بهذا الواقع لفهمه وهضمه
ومن ثم تجاوزه. ويخيل الى كل مطلع على ثقافة
تكاد تلتهم نفسها (تسمى الثقافة العربية)
بأنها لم تدخل القرن العشرين فعليا، رغم ما
حمله هذا القرن لأبناء هذه الامة، من
الاستقلال والحرية وطرد الاستعمار، إضافة
الى تبلور الروح الوطنية لدى المفكرين
والمثقفين.
إذا،
هل يجب العودة الى مصلح كمحمد عبده؟
تنم
هذه العودة عن عدم وجود أي مشروع إصلاحي جديد،
يردم تلك الهوة التي نادى محمد عبده بوجوب
ردمها أن الجمود عنده يؤدي إلى الجمود والعرب
الآن متفوقون بالجمود ومتخمون بالرفض الفعلي
لكل طرح يبغي التجاوز ماذا اختلف في الأمر إذا
قرأنا كلمات محمد عبده الآن، وليس قبل مائة
عام؟ يقول عن أيامه: كانت الشريعة الإسلامية،
أيام كان الإسلام إسلاما، سمحة تسع العالم
بأسره، وهي اليوم تضيق على أهلها حتى يضطروا
إلى أن يتناولوا غيرها.
يقول
محمد كامل الخطيب وهو يقدم لمختارات محمد
عبده: بعد مائتي عام وأكثر، اطلاعنا على
الحضارة الحديثة واستهلاكنا منتجاتها..
فالسلفيون يطرحون السؤال هل نستبدل القبعة
بالطربوش؟ هل نغير حياتنا ومجتمعنا؟ وكأن
المسألة هي مجرد دعوة للماضي، أو مواجهة بين
الشرق والغرب، أو مواجهة بين حضارتين
متزامنتين وليستا متعاقبتين، حضارتين
منفصلتين وليستا متبادلتي التأثير.
ويرى
الخطيب أن السلفيين يغضون البصر عن حقيقة أن
الحضارة الحديثة ليست أوروبية خالصة بقدر ما
هي إنسانية وشاملة في مداها وانتشارها
بعيوبها ومحاسنها.
اندفع
محمد عبده في المطالبة بأمرين يجب تحقيقهما
أولهما: تحرير الفكر من قيد التقليد. وفهم
الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف،
واعتباره من ضمن موازين العقل البشري وهكذا
فإن محمد عبده يرى الدين بهذا الشكل صديقا
للعلم، باعثا على البث في أسرار الكون،
وداعيا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبا
بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل.
الأمر
الثاني يتلخص في إصلاح أساليب اللغة في
التحرير، سواء في المخاطبات الرسمية بين
دواوين الحكومة ومصالحها، أو فيما تنشره
الجرائد. هذه الأساليب اتخذت شكلا رديئا،
وكانت بعيدة عن الفهم وثقيلة على السمع، وغير
مؤذية للمعنى المقصود.
طالب
محمد عبده بحق طاعة الشعب للدولة وحق الشعب في
العدالة وقال في هذا الصدد: نعم، كنت فيمن دعا
الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها
دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم، وإن وجبت
طاعته، هو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم
شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان
شهوته، إلا نصح الأمة له بالقول والفعل.
لا
يمكن أن نسلم بتفوق محمد عبده فكريا الآن
وتجاوزه لواقعنا، بل إن كثيرا من مفكرينا قد
قدموا أطروحات وأفكارا فاقت ما قدمه محمد
عبده اجتماعيا وقانونيا؛ لأنها تأسست على ما
قد سلف وأضافت إليها. لكن، ما يجعل محمد عبده
مثالا قائما ومتميزا إلى اليوم، كونه استطاع
أن يجعل من هذه الأفكار وتلك الأطروحات منهجا
فكريا مؤسسا للإصلاح الاجتماعي والديني، وهو
ما أدى إلى اعتباره المؤسس الأول لفكرة
الإصلاح الإسلامي وهذا ما لم يستطعه أي مفكر
إلى الآن بعد محمد عبده. ربما هي الظروف التي
أدت إلى الجمود والوقوف بصمت أمام منجزات
الفكر العالمي دون التجرؤ على المشاركة
الفعالية فيما ينتجه هذا العصر.
*
نقلا عن مجلة الثورة.
|