Untitled-1
Left

الإمام محمد عبده مفسرًا

2005/12/11

الأستاذ الدكتور/ محمد سيد طنطاوي

سيد طنطاوي

من العلوم التي خاضها الإمام الشيخ محمد عبده –رحمه الله– بعد أن بلغ أشده واستوى، وبعد أن آتاه الله –تعالى- ما آتاه من العقل السليم، ومن الإدراك القويم، لشئون الدين والدنيا من هذه العلوم: علمُ تفسير القرآن الكريم.

وعلمُ تفسير القرآن الكريم، قد قيض الله –تعالى– له رجالا قضوا معظم أيام حياتهم في خدمته وفي دراسة موضوعاته..

فمنهم من كتب في إعجازه وبلاغته..

ومنهم من كتب في قصصه وأخباره..

ومنهم من كتب في أسباب نزول بعض آياته..

ومنهم من كتب في قراءاته ورسمه..

ومنهم من كتب في مكيه ومدنيه..

ومنهم من اهتم بإبراز الجوانب الفقهية أو الاجتماعية أو النفسية أو السلوكية أو اللغوية أو التربوية أو غير ذلك من الجوانب الإصلاحية...

لأن تفسير القرآن الكريم، هو المفتاح الذي يكشف عن تلك الهدايات السامية، والتوجيهات النافعة، والعظات الشافية، والكنوز الثمينة التي احتواها القرآن الكريم، ودون تفسير القرآن الكريم تفسيرًا سليمًا مستنيرًا، لا يمكن الوصول إلى ما اشتمل عليه هذا الكتاب من هدايات وتوجيهات، مهما قرأه القارئون، وردد ألفاظه المرددون.

ولقد قال بعض الحكماء: مثل الذين يقرءون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، مثل هؤلاء كمثل قوم جاءهم كتاب من مليكهم ليلاً، وليس معهم مصباح، فداخلتهم روعة وهم لا يدرون ما في الكتاب.

ومثل الذي يعرف تفسير القرآن الكريم كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرءوا ما في الكتاب.

وقد تعلمت –بفضل الله وتوفيقه- مما كتبه الأستاذ الإمام في تفسير القرآن الكريم، أنه –رحمه الله- كتب ما كتب بعقله وبقلبه وبمشاعره وبإيمانه العميق بأن هذا القرآن هو كلام الله –تعالى- الذي أنزله على قلب نبيه وخاتم رسله محمد صلى الله عليه وسلم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور...

وأنه –رحمه الله- قد اهتم بإبراز جوانب سامية من هدايات القرآن الكريم من أهمها:

(1) التحليل العميق لمعاني الألفاظ من حيث دلالاتها اللغوية نرى جانبًا من ذلك عند تفسيره –رحمه الله- لقوله -تعالى-: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 109).

فهو – رحمه الله- يقول: وفي أمره –تعالى- لعباده المؤمنين، بقتال أعدائهم في الوقت المناسب الذي يختاره لهم، وفي أمره لهم بالعفو والصفح، إشارة إلى أن المؤمنين -على قلتهم– هم أصحاب القدرة والشوكة...

لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه.

فكأنه –سبحانه– يقول: لا يغرنكم –أيها المؤمنون- كثرة من هم على الباطل، فإنكم على قلتكم أقوى منهم، بسبب ما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي العادل، للضعيف الجاهل..

وفي إنزال المؤمنين على قلتهم منزلة الأقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما داموا ثابتين على حقهم.

ومهما يتصارع الحق والباطل، فإن الحق هو الذي يصرع الباطل، ثم يقول –رحمه الله-: "وقد قلنا مرارا إنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه".

(2) اهتمامه ببيان الآثار الطيبة التي تترتب على التمسك بالفضائل. ومن الشواهد على ذلك أنه –رحم الله– عند تفسيره لقوله –تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153).

يقول: "ولعل مما يشهد بأفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم: أن الله –تعالى- قد أمر بني إسرائيل في السورة نفسها بالاستعانة بالصبر والصلاة فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}، إلا أنه –سبحانه– قال لهم: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}  ليشعرهم بضعف عزائمهم عن عظائم الأمور.

ولم يقل –سبحانه- للمؤمنين في هذه الآية التي معنا، للإيماء إلى أنهم قد يسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم هم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك.

ثم يقول –رحمه الله- وإن من سنة الله –تعالى- أن الأعمال العظيمة لا تتم، ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله، والله معه؛ لأنه –سبحانه- جعل هذا الصبر سببًا للظفر؛ إذ هو يولد الثبات والاستمرار الذي هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته، وقد قالوا في الحكم: "الصبر تعويد النفس الهجوم على المكاره. وتجرع الصبر فإن قتلك قتلك شهيدًا، وإن أحياك أحياك عزيزًا".

(3) اهتمامه عند تفسيره للآيات القرآنية: بتاريخ الملل والنحل. فهو يقول عند تفسيره لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 172، 173).

يقول –رحمه الله– عند تفسيره لهاتين الآيتين:

"لا يفهم هاتين الآيتين حق الفهم إلا من كان عارفًا بتاريخ الملل عند ظهور الإسلام وقبله"

فإن المشركين وأهل الكتاب، كانوا فرقًا وأصنافًا. منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها، كالبحيرة والسائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم. فقد كان المذهب الشائع عند النصارى: أن أقرب القربات إلى الله –تعالى- يكون بتعذيب النفس، وحرمانها من الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد أنه لا حياة للروح إلا بذلك.

وقد تفضل الله على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا، تعطي الجسد حقه، وتعطي الروح حقها، فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمة الجسدية، وأمرنا بالشكر عليها لتقوية الجوانب الروحية، وجعلنا أناسىَّ كملة، بهذه الشريعة المعتدلة".

(4) اهتمامه بنشر العدل وإماتة الظلم لا سيما بالنسبة للحكام. فهو عند تفسيره لقولــه –تعالى-: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة: 205) فهو-رحمه الله- في هذه الآية يفسر التولي بأنه من الولاية بمعنى الحكم، مخالفًا بذلك جمهور المفسرين الذين يفسرون التولي هنا بمعنى الإدبار والانصراف فيقول:

وهذا الوصف ظاهر جدًا في تفسير التولي بالولاية والسلطة، فإن الحاكم الظالم المستبد، يكبر عليه أن يرشد إلى مصلحة، أو يحذر من مفسدة، لأن يرى أن هذا المقام الذي ركبه واعتلاه، يجعله أعلى الناس رأيًا وأرجحهم عقلا...

بل الحاكم المستبد الذي لا يخاف الله -تعالى- يرى نفسه فوق الحق، كما أنه فوق أهله في السلطة، فيجب –ما دام الأمر كذلك في زعمه- أن يكون أَفَن رأيه خيرًا من جودة آرائهم، ويجب أن يكون إفساده نافذًا مقبولاً دون صلاحهم، فكيف يجوز لأحد منهم أن يقول له: اتق الله في كذا...

(5) اهتمامه بربط النتائج بالأسباب، وتوبيخه لأولئك الذين يكلون النجاح والفشل بالأقدار، دون التفات إلى السعي والعمل وبذل الجهد...

فهو عند تفسيره لقوله –تعالى-: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (البقرة: 212). يقول -رحمه الله- إن الرزق بلا حساب ولا سعي في الدنيا إنما يصح بالنسبة للأفراد، فإنك ترى كثيرًا من الأبرار وكثير من الفجار أغنياء موسرين، متمتعين بسعة الرزق، وكثيرا من الفريقين، فقراء معسرين...

والمتقي دائمًا يكون أسعدَ حالاً، وأكثر احتمالاً، ومحلاً لعناية الله -تعالى- به، فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر، لأنه يجد في التقوى مخرجًا من كل ضيق...

وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التي ترونها فقيرة ذليلة، لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله –عز وجل- وسخطه.

وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة والثروة وهي لا تعمل، وإنما يعطيها بعملها، ويَسلبها بزَللها".

اهتمامه بإبراز الرأي الذي اقتنع به، مع التدليل على صحته، حتى ولو خالفه جمهور المفسرين...

نرى ذلك عند تفسيره لقوله –تعالى-: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ}.

فجمهور المفسرين لهم رأيان:

أولهما: أن معنى الآية: كان الناس أمة واحدة متفقين على توحيد الله... ثم اختلفوا ما بين ضال ومهتد، فبعث الله إليهم النبيين، ليبشروا من اهتدى بجزيل الثواب، ولينذروا من ضل بسوء العقاب.

وثانيهما: يرى أصحابه أن معنى الآية: كان الناس أمة واحدة مجتمعين على الضلال والكفر، فبعث الله النبيين لهدايتهم وقد رجح الإمام –رحمه الله- رأيا ثالثًا وهو خلوهُم عن الشرائع، وجهلُهم بالحقائق، وقال في ترجيحه لهذا الرأي:

خلق الله الإنسان أمة واحدة، أي مرتبطا بعضُه ببعض في المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضا، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله.. لكن قواه النفسية والبدنية قاصرةٌ عن توفير جميع ما يحتاج إليه فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته.

وهذا معنى قولهم: الإنسان مدني بطبعه يريدون بذلك أنه لم يوهب من القُوى ما يكفيه للوصول إلى جميع حاجاته إلا بالاستعانة بغيره، ولما كان الناس كذلك، كان من رحمة الله بهم إرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين...

(6) وقد اتجه –رحمه الله- هذا الاتجاه وهو إبراز رأيه بأدب وتواضع حتى ولو خالف جمهور المفسرين عند تفسيره لقوله –تعالى-: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} (البقرة: 238).

فجمهور المفسرين يقولون بأن المقصود بالصلاة الوسطى، هي صلاة العصر؛ لأن بعض الأحاديث النبوية الشريفة قد وردت بذلك، ولأنها تقع في وسط الصلوات الخمس، إذ قبلها اثنتان، وبعدها اثنتان، ولأنها وسط بين صلاتي الليل وصلاتي النهار. أما الإمام محمد عبـده –رحمه الله- فيقول: ولولا أن العلماء قد اتفقوا على أن المقصود بالصلاة الوسطى صلاة العصر، لكان يتبادر إلى فهمي من قوله "الصلاة الوسطى" أن المراد بالصلاة: الفعل، وأن المراد بالوسطى: الفضلى، فيكون المعنى: حافظوا على جميع أنواع الصلاة، وهي الصلاة التي يحضر فيها القلب، وتتوجه بها النفس إلى الله –تعالى- وتخشع لذكره، ولِتدبر كلامه، لا صلاة المرائين ولا الغافلين.

وقد اتجه هذا الاتجاه –أيضًا- وهو إبراز رأيه ولو خالف رأي جمهور المفسرين، عند تفسيره بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} (البقرة: 243).

فجمهور المفسرين -وربما جميعهم- يرون أن المراد بالإماتة والإحياء معناهما الحقيقي الحسي، وأن الموت كان موتا حقيقيًا حسيًا لهم، وأن إعادتهم إلى الحياة بعد ذلك، كانت إعادة حقيقية حسية...

وقد خالف الأستاذ الإمام محمد عبده -رحمه الله- إجماع المفسرين أو جمهورهم، فرأى أن المراد بالموت في الآية، الموتُ المعنوي، بمعنى أن موت الأمم إنما هو في جبنها وذلتها، وأن حياتها إنما تكون في عزتها وحريتها، فقال:

والمتبادر من السياق، أن أولئك القوم قد خرجوا من ديارهم بسائق الخوف من عدو مهاجم، لا من قلتهم فقد كانوا ألوفا.. وإنما هو الحذر من الموت الذي يولده الجبن في أنفس الجبناء، كما قال أبو الطيب:

يرى الجبناء أن الجبن حزم.. وملك خديعة الطبع اللئيم

لقد خرجوا فارين، فأماتهم الله بإمكان العدو من رقابهم، وأفنى قوتهم، وصاروا لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود من أذلهم، وأزال استقلالهم..

فلما غيروا ما بأنفسهم، فجمعوا كلمتهم، وطردوا أعداءهم، عادت إليهم الحياة، وعادت إليهم حريتهم وكرامتهم.

وموت الأمم في جبنها وذلتها، وحياتُها في استقلالها وحريتها؛ فهو -رحمه الله- يرى أن الموت والحياة في الآية معنويان...

تعليقه على أسباب النزول بالتحليل العميق، وبالتوجيه الحكيم..

فعند تفسيره لقوله –تعالى-: {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَلاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (آل عمران: 72، 73).

قال -رحمة الله- ما ملخصه: نزلت هذه الآيات في قوم من أحبار اليهود قال بعضهم لبعض: ادخلوا في الإسلام في أول النهار، وارتدوا عنه في آخر النهار، فإذا ما قال لكم بعض المسلمين لماذا فعلتم ذلك؟ فقولوا لهم إننا قوم نبحث عن الحقيقة، وإننا ليس بيننا وبين نبيكم عداوة، وإنما نحن بعد أن دخلنا في الإسلام وعرفنا أحكامه وجدناه دينا باطلا، لذلك تركناه...

ويعلق فضيلة الإمام الشيخ محمد عبده على سب نزول هذه الآيات فيقول: "وهذا الذي تحكيه الآيات من صد الأحبار عن الإسلام، مبني على قاعدة طبيعية في الشر، وهي أن علامة الحق أنه لا يرجع عنه من يعرفه، وقد فهم هذا المعنى "هرقل" ملك الروم، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبي صلى الله عليه وسلم أن قال له:

هل يرتد أحد من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم عن الإسلام بعد دخوله فيه كراهة له؟

فقال أبو سفيان: لا.

ثم قال –رحمة الله-: "وقد أرادت هذه الطائفة من الأحبار أن تخدع الناس من هذه الناحية ليقولوا: لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، وبعد أن اطلعوا على بواطينه وخوافيه؛ لأنه لا يُعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته، ويرغب عند بعد الرغبة فيه بغير سبب".

اهتمامه بنشر العلم في الأمة، لأنه أفضل وسيلة للنهوض والرقي والتقدم في الأفراد والجماعات والأمم. ومن الأدلة على ذلك: أنه –رحمة الله- عند تفسيره لقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ .       خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}.

عند تفسيره لهذه الآيات قال -رحمه الله-: إنه لا يوجد بيان أبرع، ولا دليل أقطع، على فضل القراءة والكتابة والعلم بجميع أنواعه، من افتتاح الله –تعالى- كتابه وابتدائه الوحي بهذه الآيات الباهرات!!.

فإن لم يهتد المسلمون بهذا الهدى، ولم يرشدهم النظر فيه إلى النهوض، وإلى تمزيق تلك الحجب التي حجبت عن أبصارهم نور العلم...

وإن لم يسترشدوا بفاتحة هذا الكتاب المبين، ولم يستعينوا بهذا الضياء الساطع.. فلا أرشدهم الله...

لأن لله –تعالى- سننا لا تتغير، ومن هذه السنن: قوله –سبحانه-: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا . يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.

 وقوله –تعالى-: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97).

نسأل الله -عز وجل– أن يتغمد الإمام العظيم، الشيخ محمد عبده برحمته ورضوانه، وأن يحشره –وأن يحشرنا معه- مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. ذلك الفضل من الله، وكفى بالله عليما.

والله الموفق،

تحريرًا: 15 من جمادى الأولى 1426هـ 
الإمام الأكبر شيخ الأزهر22 من يونيـــــو 2005م 
الأستاذ الدكتور/ محمد سيد طنطاوي

اسألوا أهل الذكر

بنك الفتاوى

الإسلام وقضايا العصر

دعوة ودعاة

مجاهيل ومشاهير

استشارات دعوية

مجلة المسلم المعاصر

الحضارة الإسلامية

الأخلاق والتزكية

صفحات وملفات خاصة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع