 |
|
طه أبو كريشة |
قبل
الحديث عن منزلة الإمام الشيخ محمد عبده في
الأدب العربي الحديث، يحسن بنا أن نلقي نظرة
عامة على حالة الأدب والنقد الأدبي في العصر
الذي سبق عصر الشيخ محمد عبده...
ويذكر
المؤرخون للأدب أن صورة الأدب والنقد في
بدايات القرن التاسع عشر قد استحالت إلى حالة
يرثى لها من الضعف والقصور. أما الأدب شعره
ونثره فقد كانت ألفاظه ركيكة مبتذلة، تؤخذ في
أغلبها مما يجري على ألسنة العامة، ثم تأتي في
سياقها، وفي صياغة الجمل والتراكيب، مثقلة
بالمحسنات البديعية التي لا تترك كلمة واحدة
دون أن تأتي فيها، وعلى هذا النحو كانت
المعاني إذ جاءت مشتملة على السطحية التي لا
يشعر معها القارئ بشيء من العمق، ولا بشيء من
الجدة التي تغذى الوجدان والشعور.. وأما
الموضوعات فإنها موضوعات تافهة هينة، بحيث لا
تستحق أن يقول فيها الأديب أدبا يقدمه
للقراء، وذلك مثل وصف القلم والمـحبرة أو وصف
حفل زفاف، أو التهنئة بمناسبة من المناسبات
العامة أو الخاصة.
ويذكر
مؤرخو الأدب أن السبب الذي أدى إلى أن يكون
الأدب على هذا النحو هو عدم العناية باللغة
العربية خلال الفترة الزمنية التي حكمت فيها
البلاد حكما مملوكيا وعثمانيا؛ إذ كانت اللغة
العربية لغة ثانية، تزاحمها لغات الحاكمين،
وعلى رأسها اللغة التركية التي فرضت فرضا في
دواوين الحكم وعلى ألسنة المتكلمين...
هذه
بإيجاز حالة الأدب في مطلع العصر الحديث، لكن
مع تقدمنا للأمام في عقود القرن التاسع عشر
الميلادي جدت أمور أدت إلى نهضة الأدب، وإلى
تغير صورته إلى ما هو أفضل، ومن تلك الأمور:
1–
ظهور آلة المطبعة التي أتاحت للباحثين
والدارسين أن يطلعوا على كثير من الدواوين
الشعرية للشعراء القدامى في العصور الذهبية
للشعر من أمثال أصحاب المعلقات، وفحول
الشعراء في العصر الأموي والعباسي كجرير
والفرزدق وأبي تمام والبحتري والمتنبي وأبي
العلاء المعري. كذلك أتيح للطبقة المثقفة أن
تقف على المؤلفات النثرية التي تدور حول
صناعة الشعر والنثر، كما تدور حول علوم
التفسير والحديث والفقه والتاريخ ونخص
بالذكر كتب الجاحظ وعبد القاهر الجرجاني وابن
خلدون.
وقد
ساعد كل من هذا وذاك الطبقة المثقفة على أن
تتغذى بغذاء أدبي وعلمي جديد، يرقى بأذواقها
وعقولها، وأن تنصرف في الوقت نفسه عن ذلك
الغذاء الرديء الذي كان مطروحا بين يديها.
وبطبيعة
الحال فإن رقي الذوق نتيجة لذلك لم يحدث دفعة
واحدة وفي الحال، ولم يكتمل نضجه بين عشية
وضحاها، وإنما احتاج إلى زمن ليس بالقليل،
حتى ظهر الأثر بعد عدة عقود أي في النصف
الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.
2–
والأمر الثاني يتمثل في هذه الثقافة الجديدة
المتنقلة بين أيدي الناس وأعني بذلك ما صاحب
ظهور فن الطباعة من ظهور فن الصحافة، التي
تمثلت في ظهور صحف يومية أو مجلات أسبوعية
وشهرية. وقد رأى فيها الأدباء متنفسا وطريقا
يذيعون خلاله أدبهم شعرا ونثرا، وتنافسوا في
ذلك تنافسا عظيما ومفيدا.
3
– والأمر الثالث ما حدث حين أنشئت المدارس
والمعاهد العلمية العالية إلى جانب ما كان
موجودا وقتئذ وبخاصة في رحاب الأزهر ومعاهده..
إذ أصبح يدرس في دور العلم الزاد الجيد الجديد
الذي ظهر عن طريق المطبعة، وأعني بذلك
الثقافة والعلوم العربية القديمة التي تتصف
بفصاحة لغة التأليف وبعمق الموضوعات،
وبالذوق الراقي للمؤلفين والأدباء والنقاد.
وقد ساعد هذا على تخريج طائفة كبيرة من
المتخصصين الذين كان لهم دور بارز في النهوض
بالأدب شعره ونثره. ولقد كان في طليعة هؤلاء
الشيخ محمد عبده.
4
– والأمر الرابع الذي كان له أثر واضح في نهضة
الأدب شعره ونثره ظهور جيل من الشعراء الذين
أحيوا في شعرهم صورة الأدب العربي القديم في
عصر ازدهاره وقوته. ويأتي في مقدمة هذا الجيل
رائد الشعر الحديث محمود سامي البارودي.
وإلى
جانب ظهور جيل الشعراء بهذه الصورة القوية،
رأينا أيضا ظهور جيل من كتاب النثر الأدبي
البليغ الذين بعثوا الكتابة النثرية الأدبية
البليغة في كتاباتهم، ومن هذا الجيل الشيخ
حمزة فتح الله في المواهب الفتحية، والشيخ
سيد المرصفي في الوسيلة الأدبية والشيخ محمد
عبده في كتاباته المتنوعة في التفسير
والعقيدة وفي المقالات الصحفية، وفي
مناظراته وحواراته المتعددة.
نماذج
من التأليف والكتابة النثرية
عند
الشيخ محمد عبده
1
– من النماذج النثرية في محاضرات التدريس
عندما
نعود إلى التراث التأليفي للشيخ محمد عبده
فإننا نجد في مقدمة ذلك دروسه التي أملاها على
الطلاب عندما كان مبعدا عن مصر في بيروت بعد
الثورة العرابية، وهي الدروس التي طبعت فيما
بعد في رسالته التي تحمل عنوان "رسالة
التوحيد"، وهي رسالة تتناول كثيرا من
القضايا العقدية التي بحثها القدماء،
وأفاضوا في شرحها على اختلاف مذاهبهم. ولكن مع
ذلك فإن الشيخ محمد عبده عرض هذه القضايا عرضا
جديدا استطاع من خلاله أن يصل إلى القلوب، وأن
يؤثر في العقول، إذ كان هذا العرض الجديد
قائما على سلامة الأسلوب والصياغة، وعلى وضوح
المعاني والأفكار، بحيث جاء هذا العرض على
خلاف ما كان معهودا في مؤلفات هذا العلم من
قبل من جفاف الأسلوب، وغموض المعاني، وتعقيد
العبارات التي كانت تحتاج إلى الشرح والبيان
وإلى تأليف شروح لهذه الشروح فيما كان معروفا
تحت مصطلح الحواشي...
ومن
الشواهد الواردة في هذه الرسالة ما جاء عن
قضية "أفعال العباد"، وهي القضية
الشائكة التي احتدم حولها الجدل والنقاش من
قديم يقول: كما يشهد سليم العقل والحواس من
نفسه أنه موجود ولا يحتاج في ذلك إلى دليل
يهديه ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنه مدرك
لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله،
ويقدرها بإرادته، ثم يصدرها بقدرة ما فيه،
ويعد إنكار شيء من ذلك مساويا لإنكار وجوده في
مجافاته لبداهة العقل.
وكما
يشهد ذلك في نفسه يشهده أيضا في بني نوعه كافة
متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس، ومع
ذلك فقد يريد إرضاء خليل فيغضبه، وقد يطلب كسب
رزق فيفوته، وربما سعى إلى منجاة فيسقط في
مهلكة، فيعود باللائمة على نفسه إن كان لم
يحكم النظر في تقدير فعله، ويتخذ من خيبته أول
مرة مرشدا له في الأخرى، فيعاود العمل من طريق
أقوم، وبوسائل أحكم، ويتقد غيظه على من حال
بينه وبين ما يشتهى إن كان سبب الإخفاق في
المسعى منازعة منافس له في مطلبه، لوجدانه من
نفسه أنه الفاعل في حرمانه، فينبري لمناضلته.
وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك إن لم يكن
لتقصيره، أو لمنافسة غيره دخل فيما لقي من
مصير عمله، كأن هب ريح فأغرق بضاعته أو نزلت
صاعقة فأحرقت ماشيته، أو علق أمله بمعين
فمات، أو بذي منصب فعزل، فيتجه من ذلك إلى أن
في الكون قوة أسمى من أن تحيط بها قدرته، وأن
وراء تدبيره سلطان لا تصل إليه سلطته.
فإن
كان قد هداه البرهان وتقويم الدليل إلى أن
حوادث الكون بأسره مستندة إلى واجب وجود واحد
يصرفه على مقتضى علمه وإرادته خشع وخضع ورد
الأمر إليه فيما لقي، ولكن مع ذلك لا ينسى
نصيبه فيما بقي.. فالمؤمن كما يشهد بالدليل
وبالعيان أن قدرة مكون الكائنات أسمى من قوى
الممكنات، يشهد بالبداهة أنه في أعماله
الاختيارية عقلية كانت أو جسمية قائم بتصريف
ما وهب الله له من المدارك والقوى فيما خلقت
لأجله. وقد عرف القوم شكر الله على نعمه
فقالوا: هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به
عليه إلى ما خلق لأجله.
على
هذا قامت الشرائع وبه استقامت التكاليف، ومن
أنكر شيئا منه فقد أنكر مكان الإيمان من نفسه
وهو عقله الذي شرفه الله بالخطاب في أوامره
ونواهيه.
أما
البحث فيما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام
عليه الدليل من إحاطة علم الله وإرادته وبين
ما تشهد به البداهة من عمل المختار فيما وقع
عليه الاختيار فهو من طلب سر القدر الذي نهينا
عن الخوض فيه والاشتغال بما لا تكاد تصل إليه
العقول (الرسالة 63/64).
ومن
هذا الاقتباس في هذه القضية العقائدية التي
اشتد حولها الجدل، ندرك كيف كان الإمام موفقا
في طرح الموضوع، وفي الوصول به إلى درجة
الإقناع العقلي والمنطقي والعاطفي، وكل ذلك
من خلال أسلوب أدبي علمي رفيع لا نجد فيه كلمة
غامضة تحتاج إلى شرح يلحق بها، وكذلك لا نجد
فيه عبارة معقدة يتوه فيها المعنى ويضل،
وإنما يلقانا المعنى في وضوح وسفور في ذاته،
ومن خلال توالي الجمل التي تزيده وضوحا ومن
الأمثلة على ذلك في هذا الشاهد ما نراه في
قوله عن المعوقات التي قد تعرض للإنسان في بعض
أموره مع اتخاذه كافة الأسباب التي تتعلق به
ويقدر عليها، إذ يقول "فقد يريد إرضاء خليل
فيغضبه، وقد يطلب كسب رزق فيفوته وربما سعى
إلى منجاة فسقط في مهلكة فيعود باللائمة على
نفسه إن كان لم يحكم النظر في تقدير فعله"،
ثم يقول: "وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك إن
لم يكن لتقصيره، ولمنافسة غيره دخل فيما لقي
من مصير عمله، كأن هب ريح فأغرق بضاعته، أو
نزلت صاعقة فأحرقت ماشيته، أو علق أمله بمعين
فمات، أو بذي منصب فعزل".
إن
الإلحاح على تعديد الأمثلة هو من أجل الوصول
إلى الوضوح الذي لا يترك للغموض سبيلا يحول
بين القارئ وفهم الموضوع. فأين هذا من القصد
المتعمد إلى الغموض في المعاني كما كان في
العصر الذي قبله، ظنا بأن ذلك آية من آيات
العلم والبراعة والتفوق، وأن الوضوح
والتسهيل هو علامة من علامات القصور وسذاجة
العقول.
وكذلك
فإنه من خلال النظر في هذا الشاهد نلاحظ أن
الشيخ محمد عبده قد تحرر في أسلوبه من قيود
المحسنات البديعية التي كانت فرضا لازما عند
سابقيه في كل بيت من أبيات الشعر، وفي كل جملة
من جمل النثر، وإذا أتى بشيء من هذه المحسنات
فإنه يأتي اتفاقا ودون قصد إليه بحيث لا يكاد
يحس، وقد يتجاوزه القارئ أثناء قراءته دون أن
يشعر به، ومثال ذلك في هذا الشاهد الذي معنا
قوله: "فقد يريد إرضاء خليل فيغضبه، وقد
يطلب كسب رزق فيفوته، وربما سعى إلى منجاة
فسقط في مهلكة".
فالرضا
والغضب، والطلب والفوت، والمنجاة والمهلكة،
هي من المحسن البديعي القائم على الطباق بين
كل كلمتين من هذه الكلمات، وفيها من الجمال
العفوي الذي يتسلل وينساب في هذه الجمل،
ويترك أثره في النفوس أنسا وارتياحا وقبولا...
ونأخذ
اقتباسا آخر من هذه الرسالة في سياق الحديث عن
وظيفة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتحت عنوان:
اعتراض مشهور "قال قائل إذا كانت بعثة
الرسل حاجة من حاجات البشر، وكما لا لنظام
اجتماعهم، وطريقا لسعادتهم الدنيوية
والأخروية، فما بالهم لم يزالوا أشقياء، عن
السعادة بعداء، يتخالفون ولا يتفقون،
يتقاتلون ولا يتناصرون، يتناهبون ولا
يتناصفون؟ كل يستعد للوثبة، ولا ينتظر إلا
مجيء النوبة، حشو جلودهم الظلم، وملء قلوبهم
الطمع، عد أهل كل دين دينهم حجة لمقارعة من
خالفهم فيه، واتخذوا منه سببا جديدا للعداوة
والعدوان، فوق ما كان من اختلاف المصالح
والمنافع، بل أهل الدين الواحد قد تنشق
عصاهم، وتختلف مذاهبهم في فهمه، وتتفارق
عقولهم في عقائدهم، ويثور بينهم غبار الشر،
وتتشبث أهواؤهم بالفتن، فيسفكون دماءهم
ويخربون ديارهم، إلى أن يغلب قويهم ضعيفهم،
فيستقر الأمر للقوة لا للحق والدين، فها هو ذا
الدين الذي تقول إنه جامع الكلمة، ورسول
المحبة، كان سببا في الشقاق، ومضرما للضغينة،
فما هذه الدعوى وما هذا الأثر؟.
نقول
في جوابه نعم. كل ذلك قد كان، ولكن بعد زمن
الأنبياء، وانقضاء عهدهم، ووقوع الدين في
أيدي من لا يفهمه، أو يفهمه ويغلو فيه، أو لا
يغلو فيه ولكن لم يمتزج حبه بقلبه، أو امتزج
بقلبه حب الدين، ولكن ضاقت سعة عقله عن تصريفه
تصريف الأنبياء أنفسهم أو الخيرة ممن تبعهم،
وإلا فقل لنا: أي نبي لم يأت أمته بالخير الجم،
والفيض الأعم، ولم يكن دينه وافيا بجميع ما
كانت تمس إليه حاجتها في أفرادها وجملتها؟".
وفي
هذا الشاهد نلاحظ السمة الأدبية في الصياغة
من خلال الإيقاع الصوتي الذي يحدث من وراء
توازن الجمل الذي نراه في قوله: "يتخالفون
ولا يتفقون، يتقاتلون ولا يتناصرون،
يتناهبون ولا يتناصفون، كل يستعد للوثبة، ولا
ينتظر إلا مجيء النوبة" هذا إلى جانب ما
نراه من الطباق بين الكلمات في هذه الجمل...
وكذلك
نلاحظ هذه السمة الأدبية من خلال الإيقاع
الصوتي الذي يحدث من وراء السجع في "أي نبي
لم يأت أمته بالخير الجم، والفيض الأعم"،
وكل ذلك كما قلنا يأتي تلقائيا دون تكلف، ودون
قهر للكلمات حتى تسكن للبديع، وإنما يرى
القارئ أنه يسير مع الكاتب، وأنه ينطق بما
ينطق به، وأنه يتجاوب معه في هذا الجمال
الصوتي البعيد عن الصخب وقعقعة الألفاظ.
2
– من الشواهد النثرية في الكتابة الصحفية:
ونختار
هذه الشواهد من مجلة "العروة الوثقى
والثورة التحريرية الكبرى" التي أصدرها كل
من السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد
عبده، وكانت جميع الأفكار في الجريدة لجمال
الدين، أما الأسلوب والعبارة فكانا للإمام
محمد عبده (العروة الوثقى ص 33).
ومن
المعروف أنهما أصدرا هذه الجريدة عندما نفى
الأفغاني إلى باريس بفرنسا ثم لحق به من بعده
الشيخ محمد عبده.
وقد
صدرت هذه الجريدة لتعبر عن أهداف "جمعية
العروة الوثقى"، وهي جمعية إسلامية عالمية
هدفها إعادة عزة الإسلام ومجده، والعمل على
تطهير عقائده مما شابها وتحرير العالم
الإسلامي من ذل الاستعمار وعبوديته، كما
ستبدي اهتماما خاصا بالرد على التهم التي
توجه إلى الشرقيين عامة والمسلمين بصفة خاصة،
وستُعنى بتفنيد مفتريات الغرب التي يزعم
قائلوها بأن المسلمين لن ينهضوا أبدا ما
داموا متمسكين بأصول دينهم...
ومن
خلال هذا الهدف نقف عند بعض الشواهد لنتعرف
على السمات الأدبية الخاصة بأسلوب الكتابة
الصحفية عند الشيخ محمد عبده، ومن هذه
الشواهد ما كتبه تحت عنوان "سنن الله في
الأمم وتطبيقها على المسلمين"، وهو موضوع
يدور حول تراجع القوة الإسلامية بعد أن كانت
هي القوة الأولى في العالم منذ ظهور الإسلام
وما تلاه من القرون التي تشهد بعزة الإسلام.
وقد صدر هذا المقال بقوله تعالى: {إن الله لا
يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، وقوله
عز وجل: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها
على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
ومما
جاء في هذا المقال وفي بيان السبب في تغير
أحوال العالم الإسلامي إلى غير ما كان عليه من
عزة ومنعة وقوة وسلطان: "هذه الأمة التي
كانت الدول العظام يدفعون لها الجزية عن يد
وهن صاغرات استبقاء لحياتهم، وملوكها في هذه
الأيام يرون بقاءهم في التزلف إلى تلك الدول
الأجنبية، ويا للمصيبة ويا للرزية، أليس هذا
بخطب جلل، أليس هذا ببلاء نزل، ما سبب هذا
الهبوط؟ وما علة هذا الانحطاط ؟ هل نسيء الظن
بالوعود الإلهية؟ معاذ الله، هل نستيئس من
رحمة الله ونظن أنه قد كذب علينا ونعوذ بالله،
هل نرتاب في وعده بنصرنا بعد أن أكده لنا؟
حاشاه سبحانه. لا كان شيء من ذلك ولن يكون –
فعلينا أن ننظر لأنفسنا ولا لوم لنا إلا
عليها، إن الله تعالى برحمته قد وضع لسير
الأمم سننا متبعة ثم قال: {ولن تجد لسنة الله
تبديلا...} أرشدنا سبحانه في محكم آياته إلى أن
الأمم ما سقطت من عرش عزها، ولا بادت ومحي
اسمها من لوح الوجود إلا بعد نكوبها عن تلك
السنن التي سنها الله على أساس الحكمة
البالغة، إن الله لا يغير ما بقوم من عزة
وسلطان ورفاهة وخفض عيش وأمن وراحة، حتى يغير
أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة
الفكر وإشراق البصيرة.
...هذا
العدد الوافر والسواد الأعظم من هذه الملة (أمة
الإسلام) لا يبذلون في الدفاع عن أنفسهم
وأوطانهم شيئا من فضول أموالهم، يستحبون
الحياة الدنيا على الآخرة، كل واحد منهم يود
لو يعيش ألف سنة، وإن كان غذاؤه الذلة وكساؤه
المسكنة، ومسكنه الهوان. تفرقت كلمتنا شرقا
وغربا، وكاد يتقطع ما بيننا، لا يحن أخ لأخيه،
ولا يهتم جار بشأن جاره، ولا يرقب أحدنا في
الآخر إلاً ولا ذمة، ولا نحترم شعائر ديننا،
ولا ندافع عن حوزته، ولا نعززه بما نبذل من
أموالنا وأرواحنا حسبما أمرنا.
أيحسب
اللابسون لباس المؤمنين أن الله يرضى منهم
بما يظهر على الألسنة ولا يمس سواد القلوب، هل
يرضى الله عنهم بأن يعبدوه على حرف، فإن
أصابهم خير اطمأنوا به، وإن أصابتهم فتنة
انقلبوا على وجوههم، خسروا الدنيا والآخرة،
هل ظنوا أن لا يبتلي الله ما في صدورهم، ولا
يمحص ما في قلوبهم، ألا يعلمون أن الله لا يذر
المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من
الطيب؟ هل نسوا أن الله اشترى من المؤمنين
أنفسهم وأموالهم للقيام بنصره وإعلاء كلمته؟
لا يبخلون في سبيله بمال، ولا يشحون بنفس، فهل
لمؤمن بعد هذا أن يزعم نفسه مؤمنا وهو لم يخط
خطوة في سبيل الإيمان لا بماله ولا بروحه؟"
العروة 128-132.
إننا
إذا نظرنا في هذا الشاهد من جريدة العروة
الوثقى فإننا نجد فيه كيف توافرت فيه السمات
الأدبية التي يجب أن تكون في الأسلوب الصحفي
الذي يخاطب الجماهير ويثير عواطفهم مع إقناع
عقولهم حتى تصل الرسالة إليهم وهم مؤمنون بما
جاء فيها، ومن ثم يعملون بما تهدف إليه من
غايات...
ومن
الأمثلة على ذلك ما نراه من كثرة الاعتماد على
الأسلوب الإنشائي الذي جاء عن طريق
الاستفهام، وهو أسلوب يدع المخاطب لكي يتولى
الإجابة بنفسه عن السؤال المطروح، دون أن
يلقي إليه الخبر إلقاء مباشرا، ويفرض عليه
فرضا. ومما جاء في هذا الشاهد قوله في سياق
الحديث عن تغير حال الأمة من العزة إلى الذلة
بسبب تفريطها: "أليس هذا بخطب جلل؟ أليس هذا
ببلاء نزل؟ هل نسيء الظن بالوعود الإلهية؟
معاذ الله. هل نستيئس من رحمة الله ونظن أن قد
كذب علينا؟ نعوذ بالله. هل نرتاب في وعده
بنصرنا بعد أن أكده لنا؟ حاشاه سبحانه. لا كان
شيء من ذلك ولن يكون".
فإذا
تأملنا في هذا الأسلوب الإنشائي رأيناه كيف
أخبر عن العاطفة الصادقة التي كانت وراءه،
والتي جعلت الكاتب يسوق الاستفهام ويكرره في
جمل متوالية متنوعة حتى يوفي هذه العاطفة
حقها في حسن التعبير عنها. والعاطفة الصادقة
البعيدة عن الزيف شرط أساس في صدق مضمون
الرسالة الصحفية وفي تحقيق الإيمان بها.
وعلى
هذا النحو من الأسلوب الإنشائي المثير
للعاطفة لدى المتلقي، وهي عاطفة حزينة بسبب
ما آل إليه حال الأمة نقرأ قوله في هذا الشاهد:
"أيحسب اللابسون لباس المؤمنين أن الله
يرضى عنهم بما يظهر على الألسنة ولا يمس سواد
القلوب؟ هل يرضى الله عنهم بأن يعبدوه على
حرف؟ هل ظنوا أن لا يبتلي الله ما في صدورهم،
لا يمحص ما في قلوبهم؟.. هل نسوا أن الله اشترى
من المؤمنين أنفسهم وأموالهم للقيام بنصرة
وإعلاء كلمته؟.
وبالإضافة
إلى ذلك الأسلوب فإننا نرى كيف استعان الكاتب
بكثير من المعاني المقتبسة من الآيات
القرآنية، وفي ذلك من التأثير ما فيه لأنه لا
أصدق من الله حديثا، وكل ذلك من أجل إيقاظ
القلوب، وإحياء النفوس، مع المواجهة بما لا
شك فيه ولا مراء، ومن الأمثلة على ذلك في
الشاهد الذي بين أيدينا قوله: "فعلينا أن
ننظر لأنفسنا ولا لوم لنا إلا عليها، إن الله
تعالى برحمته قد وضع لسير الأمم سننا متبعة"،
ثم قال {ولن تجد لسنة الله تبديلا}، وقوله: "إن
الله لا يغير ما بقوم من عزة وسلطان ورفاهة
وخفض عيش وأمن وراحة حتى يغير أولئك القوم ما
بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر وإشراق
البصيرة"، وهو معنى مقتبس من قوله تعالى {ذلك
بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم}، وقوله: "أيحسب
اللابسون لباس المؤمنين أن الله يرضى بما
يظهر على الألسنة ولا يمس سواد القلوب"،
وهو معنى يشير إلى صفة المنافقين التي جاءت في
قوله تعالى ذما للمنافقين: {يقولون بأفواههم
ما ليس في قلوبهم}، وقول الكاتب: "هل يرضى
الله عنهم بأن يعبدوه على حرف" يشير إلى قول
الله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف
فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة
انقلب على وجهه، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو
الخسران المبين}، وعلى هذا النحو نرى عبارة
"هل نسوا أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم للقيام بنصره وإعلاء كلمته"، وهي
عبارة تشير إلى قوله تعالى: {إن الله اشترى من
المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
يقاتلون في سبيل الله}، وكذا عبارة: "هل
ظنوا أن لا يبتلي الله ما في صدورهم ولا يمحص
ما في قلوبهم" فهي عبارة تشير إلى قوله
تعالى: "وليبتلي الله ما في صدوركم، وليمحص
ما في قلوبكم".
وقد
أعان الكاتب على ذلك كونه حافظ للقرآن
الكريم، مما يدل على تشرب روحه وعاطفته بآيات
الذكر الحكيم وسريانها على لسانه، وإطلالها
على فكره وأسلوبه وهو يكتب أو يؤلف أو يخطب،
وتلك سمة من سماته التي تحدد ملامح شخصيته
الأدبية، والتي تدل عليه دلالة واضحة سافرة
دون أن تختلط بغيرها من الشخصيات، وهذا أبرز
شيء في مجال التفرد والتفوق الذي يكسب صاحبه
الخلود والبقاء في ذاكرة المؤرخين والقارئين
والدارسين على مر الأجيال.
3
– من الشواهد النثرية في القضايا المعاصرة:
من
المعروف في تاريخ الإمام الشيخ محمد عبده أنه
كان له دور بارز في مناقشة القضايا المعاصرة
وبخاصة تلك القضايا التي تمس العلاقة بين
الدين والعلم، أو الدين والسياسة، وللإمام
كتاب في هذا الميدان يحمل عنوان "الإسلام
دين العلم والمدنية"، وفيه يدافع دفاعا
مجيدا عن الإسلام مبرزا أن الإسلام هو دين
العلم، ودين التمدن وأنه لا معاداة بينه وبين
فروع العلم التي يعود نفعها للبشرية، كما لا
معاداة بينه وبين التحضر القائم على إصلاح
الإنسان في دينه ودنياه.
وفي
قضية الدين والسياسة ترى الإمام يتصدى
للمستشرق هانوتو الذي يدعو إلى الفصل بين
الدين والسياسة، ويقوم بالرد عليه مبينا
الفرق بين ما في الإسلام وما في غيره من مذاهب
وعقائد فيقول: "بقي الكلام على جمع السلطة
الدينية والسياسية في شخص واحد يقول فيه (مسيوهانوتو)
إن أوربا لم تتقدم إلا بعد أن فصلت السلطة
الدينية عن السلطة المدنية. وهو كلام صحيح.
ولكنه لم يدر ما معنى جمع السلطتين في شخص عند
المسلمين، لم يعرف المسلمون من تلك السلطة
الدينية التي كانت للبابا على الأمم المسيحية
عندما كان يعزل الملوك ويحرم الأمراء، ويقرر
الضرائب على الممالك، ويضع لها القوانين
الإلهية، وقد قررت الشريعة الإسلامية حقوقا
للحاكم الأعلى وهو الخليفة وهو السلطان، ليست
للقاضي صاحب السلطة الدينية، وإنما السلطان
مدبر البلاد بالسياسة الداخلية والمدافع
عنها بالحرب أو السياسة الخارجية، وأهل الدين
قائمون بوظائفهم وليس له عليهم إلا التولية
والعزل، ولا لهم عليه إلا تنفيذ الأحكام بعد
الحكم، ورفع المظالم إن أمكن".
ويتحدث
عن قضية أخرى وهي قضية "التكفير" مبينا
مدى خطورة المجازفة بالحكم على أحد بذلك
فيقول: "هلا ذهبت.. إلى ما اشتهر بين
المسلمين وعرف من قواعد أحكام دينهم وهو إذا
صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه
ويحتمل الإيمان من وجه واحد حمل على الإيمان،
ولا يجوز حمله على الكفر. فهل رأيت تسامحا مع
أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل
يليق بالحكيم أن يكون من الحمق بحيث يقول قولا
لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟
إذا بلغ به الحمق هذا المبلغ كان الأجدر به أن
يذوق حكم محكمة التفتيش البابوية ويؤخذ بيديه
ورجليه فيلقى في النار". 99
وفي
قضية "السلطة الدينية" وهل لها وجود في
الإسلام يقول: "هدم الإسلام بناء تلك
السلطة، ومحا أثرها حتى لم يبق لها عند
الجمهور من أهله اسم ولا رسم. لم يدع الإسلام
لأحد بعد الله ورسوله سلطانا على عقيدة أحد
ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول عليه
السلام كان مبلغا ومذكرا لا مهيمنا ولا
مسيطرا، قال الله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر
لست عليهم بمسيطر}، ولم يجعل لأحد من أهله أن
يحل ولا أن يربط لا في الأرض ولا في السماء، بل
الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه فيما
بينه وبين الله سوى الله وحده، ويرفع عنه كل
رق إلا العبودية لله وحده، وليس لمسلم مهما
علا كعبه في الإسلام على آخر مهما انحطت
منزلته فيه إلا حق النصيحة والإرشاد، قال
تعالى: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}، وقال {ولتكن
منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) وقال (فلولا
نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين
ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}؛
فالمسلمون يتناصحون ثم هم يقيمون أمة تدعو
إلى الخير، وهم المراقبون عليها يردونها إلى
السبيل السوي إذا انحرفت عنه، وتلك الأمة ليس
لها عليهم إلا الدعوة والتذكير والإنذار
والتحذير، ولا يجوز لها ولا لأحد من الناس أن
يتتبع عورة أحد، ولا يسوغ لقوى ولا لضعيف أن
يتجسس على عقيدة أحد. وليس يجب على مسلم أن
يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به من أحد
إلا عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم" صـ101.
فهذان
مثالان من أمثلة المعالجة الفكرية لقضايا
العصر التي تتصل برد الشبهات عن الإسلام، ومع
أن المعالجة معالجة فكرية عقلية فإننا نرى في
الأسلوب روح العاطفة الصادقة التي كانت وراء
الأسلوب المشرق الواضح البعيد عن الغموض
والتفلسف، مع أن القضايا المطروحة قد تدعو
بطبيعتها إلى شيء من ذلك، حيث يكون العمل
للعقل في المقام الأول قبل الوجدان والمشاعر،
لكن الموهبة الصادقة عند الشيخ محمد عبده
استطاعت أن تزاوج بين هذا وذاك فجاءت
المزاوجة على هذا النحو الذي يدنيها من
القلوب والعقول في وقت واحد...
وبعد:
فهذه إطلالة عجلى على الـنـزعة الأدبية عند
الإمام الشيخ محمد عبده، وقد تبين لنا من
خلالها كيف شارك في تحرير الكتابة النثرية
مما كان سائدا من قبل، حررها في الأسلوب فبدا
واضحا مشرفا بعد تعقيد وإغراب، وحررها في
الأفكار والمعاني فبدت واضحة ليس بينها وبين
القارئ حجاب. وحررها في مجال العاطفة فبدت
صادقة بعد زيف وتكلف وخداع. وحررها في مجال
الإيقاع الصوتي فبدت جميلة مطبوعة تنساب إلى
الأذن في جمال خال من صخب الألفاظ وضجيج
الحروف. وحررها قبل ذلك في صلة الأدب بالحياة
حيث ربط الأدب بالحياة والواقع من خلال
موضوعات كبرى وليس من خلال موضوعات تافهة لا
وزن لها ولا قيمة.
ونختم
هذه الإطلالة برأي شيخ مؤرخي الأدب الأستاذ
الدكتور شوقي ضيف، الذي تحدث فيه عن الأثر
الأدبي للشيخ محمد عبده في النثر الحديث فقال:
"وعلى نحو ما كان مصلحا في الدين كان مصلحا
في الأدب واللغة؛ فهو الذي أخرج كتاباتنا
الصحفية من الدائرة البالية العتيقة دائرة
السجع وما يرتبط به من أنواع البديع إلى دائرة
الأسلوب الحر السليم، وكان على رأس من طوعوا
هذا الأسلوب ومرنوه على تحمل المعاني
السياسية والاجتماعية الجديدة، فقد بسطه حتى
يفهمه الجمهور، وافتن في طرق أدائه مبتعدا عن
الصيغ المتكلفة، التي لم تكن تقبل سعة. ومعنى
ذلك أنه تطور بنثرنا من حيث الشكل والموضوع،
فلم يعد يستخدم البديع الضيق المليء
بانحرافات الجناس وما يشبهه. وفي الوقت نفسه
عبر بأسلوبه المرسل الجديد عن معان عصرية،
فيها أثر الفكر الغربي، وفيها أثر الفصل
الزمني أو الفترة الزمنية التي عاشها في
بيئته المصرية" (الأدب العربي المعاصر في
مصر 227).
ولعل
فيما قدمنا من شواهد من مجالات مختلفة ما يكشف
عن هذه الخصائص والسمات الأدبية عند الإمام
الشيخ محمد عبده في كتابته النثرية، وهي
الخصائص التي تقدم صورة عن تطور النثر ونهضته
في العصر الحديث إلى مشاركا في ذلك أعلام
النثر الآخرين...
**الأستاذ
بكلية اللغة العربية بالقاهرة - عضو مجمع
البحوث الإسلامية
|