top
 
 

الصفحة الرئيسية

بحث متقدم

 
left_01

 

 

top

رؤى عربية وإسلامية


الإصلاح العربي.. بالثورة على الفساد

د. صلاح عبد المتعال*

13/04/2004

مجلس الشعب

إصلاح الشيء (لغة) هو إزالة التلف أو الضرر عنه وجلب المنفعة والسلامة إليه. وإذا كان الفساد هو التلف والعطب في الأمور والخلل والضرر والانحلال في المجتمع؛ فإن الصلاح هو الاستقامة والسلامة من العيوب وزوال العداوة والخصومة والشقاق، والتخفيف من حدة الصراع فيه. لقد ورد المصطلحان (الفساد والإصلاح) في القرآن الكريم في عشرات المواضع من الآيات القرآنية؛ إذ ورد الفعل فسد ومشتقاته الفعلية والاسمية في 44 موضعا، وورد الفعل صلح بمشتقاته الفعلية والاسمية أيضا في 182 موضعا. وهناك من الآيات التي تشير إلى سنن الله في خلقه، بمعنى أنها قوانين اجتماعية حتمية الحدوث فإذا "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس..." (الروم: 41) أي استشرى، فإن عاقبة ذلك وخيمة بسقوط المجتمع وانهيار أركانه واستهواء المستعمر للتسلط عليه ".. إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة..." (النمل: 34)؛ كذلك الإشارة إلى أن الصلاح والإصلاح يدرأ الضرر والهلاك عن الأمة "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" (هود: 117)، ويجلب الخير والرخاء إليها "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض..." (الأعراف: 96).

الإصلاح أنواع

ويتشكل الإصلاح بمقصد أصحابه فإما أن يكون إصلاحا حقيقيا فتتلاشى التناقضات وتصحح الأوضاع وتستقيم الأمور، أو أن يكون إصلاحا مزعوما هدفه تجميل الصورة أمام الرأي العام فتوضع الرتوش واللمسات الزخرفية ببعض الإجراءات والتغييرات السطحية لأي نقص أو عور في النظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، بينما حدة التناقضات البالغة السوء هي التي تبقى على استمرار أصحاب ورعاة هذه النظم المتهالكة بحيث يصيبهم العجز لمواجهة التحديات الراهنة التي ينوء بحملها الوطن العربي.

ورقة الإصلاح العربي التي قدمتها تونس في مشروع عقد القمة العربية هي من قبيل ذلك النوع المزعوم للإصلاح؛ إذ أثارت أزمة مصطنعة لفرض الرأي الأمريكي لأولويات الإصلاح وربطه بالإرادة الأوربية الأمريكية في مشروع شرق أوسطي كبير بما يتيح لإسرائيل التلاعب بمقدرات العرب وإرادتهم السياسية، خاصة بعد تهميش القضية الفلسطينية والغزو الأمريكي للعراق وإبراز قضية الإرهاب في المقدمة ابتغاء إدانة المقاومة المشروعة للطغيان الإسرائيلي في فلسطين وللاحتلال الأمريكي للعراق.

تكريس التبعية

لوحة من ألوان الطيف السياسي بالغة التنافر بين ألوان العمالة السياسية لأمريكا التي تقارب نجمة داود، والعجز العربي والتناقض بين أنظمة الحكم ومصالح شعوبها، والتظاهر بالرغبة في الإصلاح لذر الرماد في عيون الشعوب المقهورة التي استيئست من مطالب الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي، وتمكين الإنسان العربي من حقوقه في العدالة والحرية والمساواة التي سلبت منذ أن تمكنت هذه الأنظمة على مر عقود من القرن العشرين، خاصة بعد أن نالت استقلالها من الاستعمار الأوربي من الخليج إلى المحيط.

ثم تفرط هذه النظم في استقلال شعوبها بتكريس التبعية الاقتصادية والسياسية واستمراء السلطة المستبدة، حيث حرمت مواطنيها من حق المشاركة في صناعة قرارات التنمية الاقتصادية والحرية السياسية في التعبير وتشكيل الأحزاب وتقييد مؤسسات المجتمع المدني وفتح الأبواب لاستشراء الفساد وصناعته بطرق مستحدثة تواكب العصر تعلو على أساليب الجرائم التقليدية ضد النفس والمال، بل تصل بجرائمها إلى حد إفراغ الخزائن من المصارف والبنوك وسلب الأوطان من عصبه الاقتصادي بقروض ومنح مردوده لأصحابها الأمريكان والأوربيين مرة أخرى، مما يغرق الأمة بديون من المليارات التي تربطهم بعجلة الدائن المقرض فتتفاقم التبعية الاقتصادية والسياسية، وتفرض السياسات الإنتاجية وتتضاءل مساحة زراعات المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والذرة بالتحديد، وتفرض مشروعات الصناعة الاستهلاكية المعتمدة على الآلات المستوردة بقروضها الربوية المستغلة. وغير ذلك الكثير الذي يفتح الثغرات الكثير لانتشار الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.

وتفوح رائحة الفساد بما يزكم الأنوف وذلك على أعلى المستويات السياسية والاجتماعية بين وزراء ووكلائهم وتصدر ضدهم الأحكام. ولا تقف تراكمات الفساد عند حد معين، بل تتكرر دون ضابط أو وازع أو حسم يقطع دابر المفسدين؛ مما يشير إلى أن الظاهر هو قمة الجبل الجليدي من الفساد الذي يخفي تحت مياهه إفسادا لن تنتهي توابعه إلا بإصلاح شامل يبدأ بثورة على الفساد والإفساد.

منظمات الشفافية

لقد قامت منظمة الشفافية الدولية TI) - Transparency International) بالإعلان عن مؤشر مدركات الفساد (Corruption Perceptions Index - CPI) للمنظمة للعام 2003 ويدل مؤشر الفساد في 133 بلدا من البلاد النامية -ومنها الدول العربية- أن 9 من أصل كل 10 دول نامية بحاجة ماسة لدعم عملي لكبح الفساد، وحسب المؤشر الجديد الذي يصنف 133 دولة حسب المستوى المقدر لقبول الرشاوى لدى السياسيين وموظفي القطاع العام فيها.. إنه مؤشر مركب اعتمد على 17 عملية استقصاء أجرتها 13 مؤسسة مستقلة شملت رجال أعمال ومحللي مخاطر من تلك الدول ويركز المؤشر على الفساد في القطاع العام، إذ يعرف بأنه سوء استعمال الوظيفة في القطاع العام من أجل تحقيق مكاسب شخصية.

لقد قامت منظمة الشفافية الدولية المشار إليها بإعداد تقرير علمي عن مدى استشراء الفساد في الدول 133 موضوع الدراسة الميدانية. وتم تحديد مستوى الشفافية الأعلى أي النقاء من الفساد بعشر درجات؛ بمعنى أن دولة كفنلندا حصلت بالفعل على 9.7 من 10 درجات وبذلك هي أقرب إلى الشفافية والنقاء والبعد عن الفساد. أما دولة بنجلاديش فقد حصلت على 1.3 درجة، ومن ثَم فهي بعيدة كل البعد عن الشفافية والأقرب إلى بؤر وانتشار الفساد. وقد بينت هذه الدراسة أن 7 من كل 10 بلدان تحصل على أقل من 5 نقاط على 10 نقاط، بينما تحصل 5 من 10 بلدان نامية على أقل من 3 نقاط على 10.

وإذا بحثنا عن موقع البلدان العربية من الشفافية والنقاء بالبعد عن بؤر وانتشار الفساد كما ورد في التقرير فإن 5 دول فقط من 17 دولة عربية كانت متوسطة في درجة الشفافية (عمان 6.6، البحرين 6.1، قطر 5.6، الكويت 5.3، الإمارات 5.2) من 10 درجات، أما الـ12 دولة عربية الأخرى فكانت أقل من 5 درجات وهي على التوالي تنازليا ( تونس 4.9 ـ الأردن 4.6 ـ السعودية 4.5 ـ سوريا 3.4 ـ مصر 3.3 ـ المغرب 3.3 ـ لبنان 3.0 ـ فلسطين 3.0 ـ الجزائر 2.6 ـ اليمن 2.6 ـ السودان 2.3 ـ العراق 2.2...) من 10 درجات. منها 9 دول يتراوح مستواها المتدني بين (2 - 3) من 10 درجات، مما يضيف إلى جبين أمتنا العربية خجلا فوق خجل، بما يؤشر إلى مزيد من احتمالية الارتباط الإيجابي للعلاقة بين النظم التسلطية وانتشار الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

هذا فضلا عن إفشال الفساد للنمو الاقتصادي وقطع أوصال التنمية المستدامة، والهبوط بالمواطنين إلى مستوى ما تحت خط الفقر ومعاناة الملايين من البؤس، مما يؤدي إلى حالات من اليأس وانتحاء شرائح من الشباب إلى الإرهاب أو الاستغراق في مستنقع التيه والمخدرات، وما يتبع ذلك من جرائم أخرى ضد النفس والمال. ومن يرد المزيد من التفاصيل فليرجع إلى تقرير الشفافية الدولية المشار إليه سلفا لدراسة الفساد على مستوى العالم في تقرير 2003 لهذه المنظمة غير الحكومية ومركزها الرئيسي في برلين ولها 90 فرعا في العالم.

ونستخلص مما سبق أن هذه المؤشرات المشار إليها عن الفساد في الدول النامية عامة والدول العربية، خاصة ما هي إلا الشواهد السطحية إنما الحجم الأكبر هو في الأرقام المجهولة التي تفنن المفسدون من أصحاب المكانة والنفوذ في القيام بها أو ارتكابها بمكر ينفذون به من ثغرات القانون وسوء استخدام السلطة واستغلالها لمصلحة فسادهم والإضرار بأهلهم وشعوبهم.

لن يبدأ أي إصلاح عربي إلا بثورة على الفساد والإفساد الذي يأكل حصاد التنمية أولا فأولا. فهل سيظل الشعب العربي صامتا إلى الأبد وقد أغرقه القهر منتظرا الكاوبوي الأمريكي لينتشله من مستنقع الفساد، ويدله على طريق الإصلاح؟!! كلا إنه زعم يراد به باطل والإرادة العربية الحرة كفيلة بأن تتخلص من فساد القهر الداخلي ودفع الطغيان الأمريكي الصهيوني.


* أستاذ علم الاجتماع بالجامعات المصرية - بريد إلكتروني: samotal50@hotmail.com


الأخبار

الأحداث في صور

شؤون سياسية

اقتصاد وأعمال

حواء وآدم

ثقافة وفن

علوم وتكنولوجيا

مجاهيل ومشاهير

مفاهيم ومصطلحات

  ملفات وصفحات خاصة

كاريكاتـير

اسألوا أهل الذكر
حوارات حية

ساحة الحوار

حدث في العام الهجري

مجلة المسلم المعاصر

المكتبة الإلكترونية

وثائق و بيانات

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع