الصفحة الرئيسية

بحث متقدم

  ابحث

آخر تحديث: الثلاثاء 20 ديسمبر 2005

جنون العقلاء

** د.محمد المهدي 

اعتاد بواب العمارة أن يصاحب الدكتور (س) أستاذ التحاليل الطبية المشهور وهو يصعد إلى شقته في الطابق الثالث، حيث يخلع الدكتور ملابسه كلها على باب الشقة، ويبقى فقط بالملابس الداخلية وتقابله زوجته بالبشكير ليلتف به، ثم يسلك مسارًا محددًا في الشقة لكي يصل إلى الحمام، وهو حريص جدًّا ألا يلمس أي شيء حتى يصل إلى غايته، وهناك يظل لمدة ساعتين أو أكثر تحت المياه حتى يشعر نسبيًّا أنه قد تخلص من آثار التلوث في العمل، ثم يتبع ذلك استخدام كميات كبيرة من المواد الكيميائية المطهرة على يديه وأجزاء أخرى من جسمه، وقد تركت هذه المواد آثارًا ظاهرة في تلك الأماكن، وفي هذه الأثناء يكون البواب قد عاد إلى غرفته في البدروم وهو يحمل قميصًا وبنطلونًا وحذاء جديدًا، ويتكرر ذلك كل يوم تقريبًا، والبواب سعيد بذلك، والدكتور في غاية الشقاء والألم، فهو يعاني من الشعور الدائم بالتلوث منذ أن كان يفحص إحدى العينات المصابة بالالتهاب الكبدي (C)، وتناثرت بعض أجزاء العينة على يديه، وعلى الرغم من قيامه بتطهير يديه فورًا فإن الشعور بالتلوث لم يفارقه منذ تلك اللحظة، ويبلغ الشعور ذروته حين يجلس في المعمل وسط العينات.

ومن فرط معاناته لمدة عام كامل منذ تلك الحادثة، فقد فكر في ترك هذا العمل لكي يستريح من هذه الطقوس المضنية التي يجد نفسه مجبرًا عليها كل يوم، فالأمر لا ينتهي عنده بممارسة الغسيل والتطهير، بل يمتد طوال اليوم والليلة، حيث يجب أن يتجنب لمس الستائر والكراسي وسائر أثاثات الشقة، ولا يستعمل إلا أشياء محدودة جدًّا يسهل غسلها أو التخلص منها، ولقد أدى ذلك إلى تقلص المساحة المتاحة له في الشقة فهو لا يتحرك بحريته في كل مكان، بل يلتزم بأماكن محدودة جدًّا حتى لا ينشر التلوث في كل مكان، وحسب تعبيره فقد أصبح مسجونًا في زنزانة داخل بيته.

وبعد تردد دام لمدة عام قرر ترك العمل ظنًّا منه أنه سيستريح من هذا الشعور المؤلم، وقد استراح فعلاً لبعض الوقت إلى أن جاء يوم كان يمشي فيه في أحد الشوارع التجارية فقابله أحد زملائه القدامى في العمل فصافحه وأحتضنه -كعادة أي زملاء في عمل لمدة طويلة- ومن يومها عاوده الشعور بالتلوث؛ لأن زميله ما زال في مكان العمل الذي يشعر بتلوثه، وحين عاد إلى البيت شعر أن كل شيء قد تلوث مرة أخرى، وباءت كل محاولات التنظيف والتطهير بالفشل فقرر السفر لفترة بعيدًا عن المنزل وذهب إلى إحدى المدن الساحلية، وكانت دهشته كبيرة حيث وجد نفسه يعيش بشكل طبيعي تمامًا لمدة أسبوعين، ثم بدأت تعاوده هواجس التلوث وتقاليد النظافة الصارمة مرة أخرى فعاد إلى بيته حزينًا.

وأكثر ما كان يؤرقه هو ذلك العناء الذي يسببه لزوجته وأولاده، فقد فرض عليهم نظامًا قاسيًا في الحركة داخل الشقة وفي الغسيل المستمر والنظافة المبالغ فيها جدًّا، وهو يخشي أن يعانوا بعد ذلك مثله، ولكنه لا يملك هذا الواقع.


** رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر – طب دمياط - ومستشار صفحة مشاكل وحلول


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع