|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
قوانين الأسرة العربية.. والضغوط الخارجية
فاجأتني تماما تلك الضجة -الاجتماعية والإعلامية على حد سواء- التي أحاطت بخطاب جلالة الملكة رانيا قبل عامين، في ختام مؤتمر قمة المرأة العربية الذي عقد في عمان، عندما أعلنت أن مشروع قانون: "إعطاء المرأة الأردنية الجنسية لأبنائها" سيطرح على الجهات التشريعية من أجل إقراره والبدء بتطبيقه. ولم تهدأ المناقشات في وسائل الإعلام المحلية والعربية، حيث تناولته مؤيدة في معظمها، أو متحفظة في بعضها الآخر لأسباب سياسية لا علاقة لها بالمرأة والأسرة.. ومع الأسف لم ير مشروع القانون المشار إليه النور حتى هذه اللحظة. المرأة الأردنية التي هللت للمشروع، وبدأت تستعد لحل آلاف الاستعصاءات الاجتماعية والأسرية، كانت أكثر المتضررين من تجميده ووقفه عن المرور في المراحل التشريعية والدستورية الضرورية قبل البدء بتنفيذه. طموحات فلسطينية وقبل 7 سنوات كنت في زيارة استثنائية إلى الضفة الفلسطينية المحتلة، عندما أثارت مجموعة من النساء الفلسطينيات المنضويات تحت لافتة تجمع اسمه "البرلمان الصوري" عددًا من الأفكار المطالبة بتعديلات على قانون الأحوال الشخصية ومساواة المرأة من حيث الحقوق بالرجل في عدد من القضايا، مثل الطلاق والإرث وتعدد الزوجات... إلخ. ومن وجهة نظري أن المحاور التي طرحتها المجموعة المشار إليها، بالطريقة التي استخدمت في العرض والمناقشة والتي تشبه تماما "رمي الحجارة على الدبابات" كانت مبالغا بها إلى حد كبير، حيث امتزجت الطموحات الثورية والاجتماعية والوطنية بعيدا عن قدرة المجتمع الفلسطيني على هضم هذه الأفكار، والنتيجة أن ثارت ثائرة علماء الدين، وهوجمت مع الأسف صاحبات المبادرة من على منابر الجوامع، وأصبح هناك ما يهدد وحدة المجتمع الفلسطيني لولا تدخل أصحاب القرار السياسي بوقف حركة الجدل، كذلك أوقف الجدل -موضوعيا- تصاعد العدوان الإسرائيلي ضد كل ما هو مدني في حياة الشعب الفلسطيني. المرأة التونسية.. محظوظة وكنت أروي هذه الأحداث لصديقتي السيدة "الشاذلية بوخشينة" رئيسة الاتحاد النسائي التونسي، أثناء زيارتنا المشتركة لإحدى الدول العربية، فقالت لي: إن المرأة التونسية محظوظة بين النساء العربيات، بسبب إقرار قانون أحوال شخصية متطور عام 1959 منذ إعلان استقلال دولة تونس في منتصف القرن الماضي، والقانون ما زال يخضع للفحص والتطوير عاما وراء عام كلما استجدت ظروف وتطورات اجتماعية تستدعي إجراء تعديلات، وإن السلطة السياسية تاريخيا تولت وما زالت تتولى هذا الموضوع وبشخص رئيس الجمهورية بالذات. وأكرر ما قلته لصديقتي التونسية الآن: إننا نغبط الأسرة التونسية على هذا الإنجاز؛ لأنه أصبح مكسبا تاريخيا من غير الممكن التراجع عنه بسهولة، كما أنه لم يأت استجابة لضغوط خارجية تطالب دولنا جهارًا نهارًا (بدمقرطة المجتمعات ودفع أوضاع المرأة العربية إلى مواقع صنع القرار) وعلى أرضية سياسة الهيمنة الاستعمارية، وضرورة توفير مناخات اجتماعية مناسبة لاستقبال وقبول أيديولوجيات القطب الواحد المهيمن على مقدرات العالم وثرواته وأمنه الاجتماعي. فهل يمكن تصنيف المتغيرات التي طرأت على القوانين المتعلقة بأوضاع المرأة العربية، وبشكل خاص قوانين الأحوال الشخصية، بأنها جاءت استجابة للضغوط الخارجية؟ أم أنها تلبي استحقاقات اجتماعية ضرورية؟ ضغوط خارجية بداية نقول: إنه ليس المقصود بالضغوط الخارجية ما جاء على لسان المسئولين في الإدارة الأمريكية فقط رغم أهمية ما تعنيه تصريحاتهم المباشرة والفجة إلى حد كبير، ولكن هناك جملة من القوانين والمواثيق الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة أو إحدى المنظمات التابعة لها تختص بشئون المرأة وتنص صراحة على حقوقها في الأسرة والمجتمع ومكان العمل، مثل: - الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948 - اتفاقية حماية المرأة العاملة التي صدرت عام 1948 - العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صدر عام 1966 - اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والمكونة من 30 مادة وصدرت عام 1979، وكثير من القوانين الدولية الأخرى التي صادقت عليها الدول العربية جميعها أو معظمها. مثل هذه القوانين ما زالت موجودة وتتفاعل مع مجمل التطورات الجارية على المستوى العالمي، ولكن المستفيد الأوحد منها مع الأسف هو النخب السياسية الحاكمة فقط؛ حيث توظفها في مجتمعاتها بما يتناسب وسياساتها، وليس بما يتوافق ومصالح التغيير الاجتماعي الأشمل، ثم إن مثل هذه القوانين قد صدرت في أزمان سابقة كما هو واضح، فما الذي دعا إلى الالتزام بموجباتها "ولو من حيث الشكل" في السنوات الأخيرة فقط؟ ليتضح الجواب، فلا بد من التعرض لوضع المرأة في الدساتير الوطنية العربية، حيث تنص جميعها* على المساواة بين الرجل والمرأة ولكن بمستويات مختلفة، وكان الأجدر أن تلتزم الحكومات بما جاء في الدساتير الوطنية الملزمة للجهات الحاكمة في علاقتها مع الشعب والفئات الاجتماعية المختلفة، ولكن المقارنة بين النصوص في الدساتير الوطنية وواقع الحال مؤلمة جدا، وتدعو فعلاً إلى التوقف والعمل وفق إستراتيجية جديدة من أجل التغيير. والجدول التالي يوضح بعض المقارنات في 10 دول عربية بالاستناد إلى مراجع عربية ودولية.انظر الجدول رقم (1) وبلغة الأرقام فإن عدد الأميين في الدول العربية حسب تقرير التنمية الإنسانية 2003 بلغ 60 مليون أمي، معظمهم من النساء من أصل 280 مليون هم مجموع سكان الدول العربية. كما بلغ عدد العاطلين عن العمل 20 مليون شخص من ضمنهم نسبة عالية من النساء القادرات على العمل. التمييز ضد المرأة وقبل أن نسجل استنتاجاتنا.. دعونا ندقق في الجدول رقم (2) فما المؤشرات التي يمكن استخلاصها من الجدولين أعلاه: 1) لا نبتعد كثيرا عن العنوان الرئيسي لهذا المقال عندما نقول إن التساوي في الحقوق الإنسانية التي نصت عليها الدساتير الوطنية العربية لا تقابلها ترجمات عملية جدية على الأرض، ومهما كانت الأسباب وتعددت فيجب ألا تحول دون الحصول على حق التعليم تحديدا، فكيف ترتفع نسبة الأمية في بلدان عربية غنية بالثروات والإمكانيات، ولماذا؟! وكيف يمكن أن نتصور هذه الجموع من النساء الأميات والفقيرات في ظل قوانين أحوال شخصية متخلفة أيضا، ولم يبدأ التفكير بتحديثها إلا في السنوات الأخيرة؟. فالنتيجة باختصار أن هذه الأعداد الهائلة من النساء الأميات وغير العاملات أيضا مرشحة لأن تكون جزءا منفصلا تماما عن سياق التطور التاريخي لأي بلد بكل ما يحمله هذا الاستخلاص من مخاطر الجهل ومفرداته وإيقاعاته المريرة على تربية الأبناء ووحدة الأسرة. 2) التوقيع على الاتفاقية العالمية المسماة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ليس جديا بدليل ثبات أرقام ومؤشرات التخلف المحددة في عنصرين رئيسيين: التعليم والعمل.. ولكن لماذا توقع دولنا على الاتفاقية المذكورة؟. هنا تحاصرنا إجابة واحدة تتعلق بالضغوط العالمية التي تتعرض لها دولنا في أروقة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية المانحة للقروض والمساعدات، وفي أحسن الأحوال يتم التوقيع شكليا تحت الضغوط السياسية الهائلة، وإلا فماذا يعني توقيع السعودية مثلاً على مثل هذه الاتفاقية في الوقت الذي تعيش فيه المرأة السعودية -كما نعرف جميعا- بدون الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية؟ 3) أعلن سلفا أني لست متشائمة -ولكني أشعر بقلق شديد حيال قدرة هذا الكم الهائل من القواعد النسائية المهمشة في بلداننا العربية- من الاستفادة من التعديلات المتقدمة على عدد من قوانين الأحوال الشخصية، وهي التي لم تستطع أن تدافع وربما لا تعرف أصلا عن حقوقها الإنسانية المنصوص عليها في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية؛ ولذلك فإن من الضروري أن تترافق إستراتيجيات تحديث القوانين مع العمل بجهد أكبر على تهيئة أوضاع أكثر آدمية وإنسانية للمرأة التي تعيش في زوايا الجهل والفقر والتخلف بكل أشكاله؛ لأن مفهوم التنمية لا يمكن أن يكون معزولا ومجزوءا عن مجمل قضايا التطور المطلوبة في مجتمعاتنا.. وفي مقدمتها: الحقوق الإنسانية للجميع نساء ورجالاً.. في الريف والمدينة.. وأينما حلوا في أرجاء الوطن.. حق العمل: "يوجد في الوطن العربي 20 مليون عاطل عن العمل حسب تقرير التنمية الإنسانية 2003"، وحق التعليم: "في الوطن العربي 60 مليون أميّ، معظمهم من النساء"، والحقوق الديمقراطية الأخرى المتعلقة بالتعبير عن الرأي والمشاركة في صنع القرار السياسي والاقتصادي عبر المؤسسات المدنية والشعبية. تابع في هذا الملف: اقرأ أيضًا: ** عضوة الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية - مقيمة في الأردن |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||