|
||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|
|
||||||||||||||||||||||||||||
|
استخدام الألفاظ النابية في المظاهرات الشعبية
في هذه الأيام تخرج المظاهرات لمناصرة أهل فلسطين ويرددون العبارات الجميلة التي تحي في النفس روح الجهاد ، لكن بعض الأطفال والشباب يتظاهر بعبارات نابية تخدش الحياء ، وأحيانا يصفون اليهود بأنهم كلاب وخنازير ،فهل سلوكهم هذا مقبول شرعا ؟. لا شك أن المسلمين مأمورون بأن يكونوا قدوة حتى مع أعدائهم فنحن أمة أُمرنا بعلو الأخلاق في أحلك الأوقات؛ والفحش في القول ليس من أخلاق المسلمين بأي حال لا في المظاهرات ولا في غيرها ؛ ولكن إذا كان السباب لعنا للكافرين أو وصفا لحقيقتهم فلا بأس به ، أما إن كان السباب بألفاظ غير لائقة فلا يجوز، كما أن هذا اللون من السباب قد يتأثر به الأطفال الصغار ويتعودون عليه ، وبهذا يسوء سلوكهم وتفسد أخلاقهم وليس هذا من الأهداف التربوية لتعاليم الإسلام . يقول الشيخ عبد الخالق الشريف من علماء مصر : الوصف بالكلبية أو الخنزيرية ليهود إسرائيل مما لا حرج فيه، وقد وصفهم الله في القرآن الكريم بالقردة والخنازير فقال تعالى :( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ) . وأنهم مثل الحمار يحمل أسفارا ، قال تعالى : { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ... } وكذلك وصفهم بالكلاب، فقال تعالى :{ واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ... } ... إلى قوله : { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث ... } ولكن لا يحق للمسلم أن يسب كافرا إلا بحق ، أما الهجوم على أعراض الكفار ووصفهم بالزنا مثلا وقذفهم به ، إن لم يكن للمسلم دليل على هذا فإن هذا يعد معصية وافتراء ، وبعض الفقهاء قال بإقامة الحد عليه . والمسلمون مأمورون بالأخلاق الحسنة ففي الحديث الذي يذكر أن اليهود كانوا يتلاعبون بلفظ السلام ويبدلونه بلفظ السام لم يكن النبي يرد عليهم هذا اللفظ بمثله لأخلاقه العالية بل كان يقول وعليكم ففي رواية البخاري قال: مرّ يهودي برسول الله فقال: السام عليك. فقال الرسول : وعليك. ثم قال: أتدرون ماذا قال هذا؟ قال: السام عليك. قالوا يا رسول الله: ألا نقتله؟ قال: لا. إذا سلّم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم. وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن اليهود عندما قالوا لرسول الله السام عليكم قالت: السام عليكم يا إخوان القردة والخنازير ولعنة الله وغضبه. فقال لها الرسول :(يا عائشة: مه. لم يدخل الرفق في شيء إلاّ زانه، ولم ينـزع من شيء إلاّ شانه). فنحن أمة أُمرنا بحسن الأخلاق في أحلك الأوقات ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ومن أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم قوله تعالى : "وإنك لعلى خلق عظيم ". كما أن المسلم لا بد أن يكون موضوعيا فلا يعمل إلا ما يحقق صالح الهدف ، فهذه المظاهرات الغرض منها رفع معنويات أهل فلسطين الذين يقعون تحت الاحتلال ، وأيضا تعبر عن رفض الشعوب لسياسات التطبيع ، وتقرر أن السلام مع اليهود الغاصبين لديار المسلمين مستحيل لأنهم لا يعرفون السلام ، وقد بيّن الله في القرآن الكريم هذا الأمر فقال تعالى في سورة الممتحنة : { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون } فالمسلم في موضوعيته لا يأتي ما ينتقد به فالانفعال مطلوب لأن الذي لا ينفعل إنسان غير حي ، ولكن الانفعال المطلوب هو الذي لا يؤدي إلى سوء أو إلى خطأ ، أو أن يجر هذا الانفعال إلى سلوك نعاب به . أهـ و يقول أ.د أنور دبور أستاذ الشريعة بكلية الحقوق ـ جامعة القاهرة : موضوع السباب نفسه فيه تفصيل ، فإذا كان لعنا لكفرهم فقد لعنهم الله قال تعالى : "لعن الذين كفروا ..." وإن كان مجرد سباب فينظر فيه ، إذا كان يعبر عن حقيقة واضحة فإنه يكون وصفا لهم ، مثل كلمة سفاح ـ سفاك الدماء فهذا ليس فيه شيء لأنه تقرير واقع . أما إن كان سبا غير لائق كابن كذا فهذا ممنوع شرعاً . - لأنهم قد يردوا هذا السب علينا ، قال تعالى : " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} - وقوله صلى الله عليه وسلم : ((من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه ـ قالوا: يا رسول اللّه! وهل يسب الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه وأُمه)) - لأن المؤمن ليس بلعان و لا طعان ولا عيَّاب . - لأن السباب يؤذي شعور الناس والمجتمع . - أن هذا السباب لا جدوى من ورائه . ولكن ليس معنى ذلك أن نربي في أطفالنا الروح الانهزامية بل نوجههم ونعرفهم حقيقة هؤلاء اليهود واغتصابهم للمسجد الأقصى في الأرض المباركة ، كما نربيهم على عدم الولاء لهم : قال تعالى : ((لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء)) . وأن نعاملهم على أنهم أعداء لنا . أما السباب بألفاظ خارجة فقد علمنا القرآن الكريم ألا نستخدم هذا الأسلوب . أ.هـ ويقول الأستاذ سيد قطب في الظلال في شرح آية النساء { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرًا } : إن المجتمع شديد الحساسية، وفي حاجة إلى آداب اجتماعية تتفق مع هذه الحساسية، وربَّ كلمة عابرة لا يحسب قائلها حسابا لما وراءها .. تترك في نفسية المجتمع وفي أخلاقه وفي تقاليده وفي جوه آثارا مدمرة ; وتتجاوز الفرد المقصود إلى الجماعة الكبيرة. والجهر بالسوء من القول في أية صورة من صوره سهل على اللسان ما لم يكن هناك تحرج في الضمير وتقوى لله وشيوع هذا السوء كثيرا ما يترك آثارا عميقة في ضمير المجتمع كثيرا ما يدمر الثقة المتبادلة في هذا المجتمع فيخيل إلى الناس أن الشر قد صار غالبا وكثيرا ما يزين لمن في نفوسهم استعداد كامن للسوء ولكنهم يتحرجون منه أن يفعلوه لأن السوء قد أصبح ديدن المجتمع الشائع فيه فلا تحرج إذن ولا تقيه وهم ليسوا بأول من يفعل. وكثيرا ما يذهب ببشاعة السوء بطول الألفة فالإنسان يستقبح السوء أول مرة بشدة ; حتى إذا تكرر وقوعه أو تكرر ذكره خفت حدة استقباحه والاشمئزاز منه ; وسهل على النفوس أن تسمع بل أن ترى ولا تثور للتغيير على المنكر ذلك كله فوق ما يقع من الظلم على من يتهمون بالسوء ويشاع عنهم وقد يكونون منه أبرياء ، ولكن قالة السوء حين تنتشر ; وحين يصبح الجهر بها هينا مألوفا فإن البريء قد يتقول عليه مع المسيء ; ويختلط البر بالفاجر بلا تحرج من فرية أو اتهام ; ويسقط الحياء النفسي والاجتماعي الذي يمنع الألسنة من النطق بالقبيح ; والذي يعصم الكثيرين من الإقدام على السوء . إن الجهر بالسوء يبدأ في أول الأمر اتهامات فردية سبا وقذفا وينتهي انحلالا اجتماعيا ; وفوضى أخلاقية ; تضل فيها تقديرات الناس بعضهم لبعض أفرادا وجماعات ; وتنعدم فيها الثقة بين بعض الناس وبعض ; وقد شاعت الاتهامات ; ولاكتها الألسنة بلا تحرج لذلك كله. لذا كره الله للجماعة المسلمة أن تشيع فيها قالة السوء ، وأن يقتصر حق الجهر بها على من وقع عليه ظلم ; يدفعه بكلمة السوء يصف بها الظالم ; في حدود ما وقع عليه منه من الظلم لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ففي هذه الحالة يكون الوصف بالسوء ، ويشمل ما تعبر عنه المصطلحات القانونية بالسب والقذف انتصارا من ظلم ودفعا لعدوان وردا لسوء بذاته قد وقع بالفعل على إنسان بذاته ; وتشهيرا بالظلم والظالم في المجتمع ; لينتصف المجتمع للمظلوم ; وليضرب على يد الظالم ; وليخشى الظالم عاقبة فعله فيتردد في تكراره . والجهر بالسوء يكون محدد المصدر من الشخص الذي وقع عليه الظلم محدد السبب فهو الظلم المعين الذي يصفه المظلوم موجها إلى شخص بذاته هو الذي وقع منه الظلم .. ويكون تحقيق العدل والنصفة هو الهدف لا مطلق التشهير. وهكذا يوفق الإسلام بين حرصه على العدل الذي لا يطيق معه الظلم وحرصه على الأخلاق الذي لا يطيق معه خدشا للحياء النفسي والاجتماعي . أهـ والله أعلم |
||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||