بحث متقدم

تم البث: الأحد 5 جمادى الأولى1426- 12 يونيه2005

 

 
 

top

 
top

مشروعية الخروج في المظاهرات

د. محمد الأحمري

12/06/2005

* يخرج كثير من الناس في المظاهرات التي يعبرون بها عن سخطهم لما يحدث من ظلم، ويدعي البعض أن المظاهرات عمل غير مشروع، فهل المظاهرات مشروعة؟

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

المظاهرات نوع مشروع من إنكار المنكر، ولها أهمية كبيرة في إظهار قوة الحق، ليرجع الظالمون عن ظلمهم، ويراجعوا أنفسهم، والأصل فيها الإباحة كما ندبت إليها مقاصد الشريعة، بل قد يكون الأمر واجبا، حيث لا سبيل لإنكار المنكر إلا هذا، وقد فعلها العلماء المشهود لهم على مر العصور ولم ينكر عليهم أحد، وهي مقياس للرأي وتؤدي لتفعيل الناس نحو الحق.

وفي فحوى كلام فضيلة الدكتور محمد الأحمري من علماء ودعاة المملكة العربية السعودية:

أول مباني الرجولة كلمة حق يقولها صادق في وجه ظالم مفسد، وهي أصدق وأبلغ عندما يبلغّها شعب كامل، فالآلاف التي جأرت بالحق في عدد من مدن الإسلام وغيرها هذه الأيام أحيت الوحدة والقوة.

من المحيط إلى بغداد ثوار

***

شعب تزمجر في أحشائه النار

فكلمة الحق واجب وشعيرة، وإذا كان إظهار الفرح بالعيد وجمع الناس سنة، حتى على من ليست الصلاة في حقه واجبا ولا سنة، فيخرج تكثيرا لسواد المسلمين، وابتهاجا بما يسرهم جميعا، فكيف لا نقف مع إخواننا الذين يسامون ألوان العذاب، وتسوى بدورهم الأرض، وتنتهك حرماتهم، ويقتل أطفالهم ونساؤهم.

أهمية المظاهرات ومشروعيتها:

أذكر هنا أمورا مما ورد في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تقرر في دينه من أصول وقواعد وما فهمه العلماء ونفذوه قولا وعملا:

أولا: من حيث أثرها على الأعداء:

المظاهرات تجعل العدو يراجع نفسه، فقد أصيبت قريش من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول مظاهرة بين صفين على أحدهما حمزة وعلى الآخر عمر، فكانت إظهار قوة بلا حرب، وعزة بلا مواجهة.

ثانيا: المظاهرات نوع من إنكار المنكر:

وما ترون من قتل إخوانكم فهو منكر يجب إنكاره، ولا يد لمن ينكر فليقم اللسان بهذا، فإن فُقِدَ فلم يبق إلا القلب.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. ومن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان".

ويقول ابن حجر في فتح الباري، شرح صحيح البخاري: يجب الأمر بالمعروف لمن قدر عليه، ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية، لأنه في الجملة يؤجر على الأمر بالمعروف ولا سيما إن كان مطاعا، وأما إثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذه به، وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد وإلا فيستلزم سد باب الأمر إذا لم يكن هناك غيره. أ.هـ

ثالثا: المظاهرات إظهار لقوة المسلمين:

نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج بالصحابة في مظاهرة لإظهار قوة المسلمين وكثرة عددهم بعد إلحاح الصحابة على ذلك، قال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق: "لقد ذكرت المظاهرات في معرض الوسائل التي اتخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم لإظهار الإسلام، والدعوة إليه لما روي أن المسلمين خرجوا بعد إسلام عمر رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفين (إظهاراً للقوة) على أحدهما حمزة رضي الله عنه، وعلى الآخر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولهم كديد ككديد الطحين حتى دخلوا المسجد.

ولم أر لذلك من هدف إلا إظهار القوة، وقد روى هذا الحديث أبو نعيم في الحلية بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: (فقلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: [ بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم] قال فقلت ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين: حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال فنظرت إليّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق. وفرق الله بي بين الحق والباطل) انتهى (حلية الأولياء 1/40). وانظر (فتح الباري 7/59).

رابعا: روح التشريع الإسلامي يدل عليها:

جاء التشريع الإسلامي بكثير من الشعائر لإظهار عزة الإسلام والدعوة إليه، كصلاة الجماعة والجمعة والعيدين، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء الحيّض وذوات الخدور أن يخرجن إلى المصلى يوم العيد معللاً ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: [ليشهدن الخير، ودعوة المسلمين] ومن الخير الذي يشهدنه هو كثرة أهل الإسلام وإظهارهم لشعائره، وكذلك كان الرسول يرسل البعوث والسرايا ومن أهدافها الأساسية (عرض القوة) كما قال لأسامة رضي الله عنه: [أوطئ الخيل أرض البلقاء]..

فهذا يجعلني أنسب هذا النوع من التظاهر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم-.

خامسا: الأصل في المظاهرات الإباحة:

أن المظاهرات وسيلة فتأخذ أحكام الوسائل، والأصل في الوسائل الإباحة، وما يتلبس بوسيلة مباحة من مخالفة فالوسائل لها أحكام المقاصد، فما الذي يقصده المسلمون بهذه الوسيلة إلا إظهار الحق، ورفض الظلم، وكشف الجرائم اليهودية، وشحذ همم الناس وألسنتهم وأقلامهم وأيديهم بما يملكون فعله، كما أن في هذا وحدة في الموقف ورأي للأمة.

سادسا: أن المظاهرات تُفَعِّل الجماهير وتؤلبهم على الجاني:

جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال اطرح متاعك على الطريق فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه،‏ فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما لقيت من الناس، فقال ‏:‏ وما لقيت منهم ‏؟‏ قال يلعنوني قال ‏:‏ لقد لعنك الله قبل الناس قال ‏:‏ إني لا أعود فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارفع متاعك فقد كفيت‏‏.‏ ورواه البزار بإسناد حسن بنحو إلا أنه قال:‏ (ضع متاعك على الطريق أو على ظهر الطريق فوضعه،‏ فكان كل من مر به قال ما شأنك؟ قال جاري يؤذيني فيدعو عليه فجاء جاره فقال ‏:‏ (رد متاعك فلا أؤذيك أبدا)‏ ‏.‏

سابعا: المظاهرات في العصر الحديث نصف الحرب:

إن الصوت والإعلام والضجيج نصف الحرب، ومن شهد الحرب الإعلامية التي يمارسها اليهود في أمريكا، علم مقدار أهمية هذه المظاهرات وخطورتها في العصر الحديث، إن الإعلام الأمريكي يخفي خبر المظاهرات الإسلامية ولا يذكرها، وإن ذكرها أحدهم قلّل جدا من قدرها، ولكن تقاريرها تصل ذوي القرارات المهمة، وهم يعلمون أنها تعمل في النفوس عملا مروعا للبغاة، فهي بدايات مخيفة، وهي حقيقة قد تؤدي أن يتجاوب الناس معها.

ولولا شعور العالم بدلالات المظاهرات لما تغيرت المواقف، أو لما خفف المفسدون في الأرض إفسادهم خوفا من مضاعفة الموقف. فكيف تخذلون إخوانكم حتى في عمل كهذا؟ فلا تبخلوا بكلمة حق لا تضير، وقد تنفع كثيرا، "فالمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله".

ثامنا: فتوى تجريم المظاهرات تتغير بتغير الأحوال، وضرورة اتباع الحق:

أما الذين يقلدون رجالا صالحين لهم خير كبير، ولكنهم يخطئون فيما لا يدركون، فإن عليهم أن يتقوا الله، ويخرجوا من ربقة العصمة لمشايخهم، واتّباعهم في الخطأ والصواب، فهذه مصادمة للحق بالرجال، وأنتم تعلمون أن هؤلاء الأفاضل قد دفعتهم نيات صالحة فقالوا قولا ربما كان صوابا آنذاك في زمن غير الزمن،، وفي حال غير الحال، فعليكم أن تتبعوا فقه السلف وهديهم، في تقدير الأمور، ووعي العالم المحيط، فالسلفية إما أن تكون فترة تاريخية غابرة، فتلك قد انقضت، وإما أن تكون منهجا حيا متجاوبا مع مقتضيات الزمن، فهذا أوان العلم والعقل. إن اتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - غاية في المعاصرة، والمتابعة للزمان، وهي منهج متحرك وليست صورة تاريخية جامدة.

تاسعا: دليل من فعل العلماء:

وقد قام العلماء والناس بمظاهرات على مر التاريخ، دون أن ينكر عليهم أحد من العلماء في العصور المختلفة، ففي الكويت والجزائر والشام وغيرها من البلدان، خرج الناس بالمظاهرات، بل وأيد العلماء كالشيخ رشيد رضا – رحمه الله - خروج أهل الشام لطرد الفرنسيين.

وخرج علماء الأزهر في المظاهرات ضد الإنجليز في عام 1919م. ولم يفت أحد من العلماء بحرمتها.

عاشرا: المظاهرات مقياس للرأي:

لقد أصبح التظاهر مقياسا من مقاييس الرأي عند الأمم مسلمها وكافرها في هذا العصر، فنحن لا نعلم رأي أمة من حكامها ولا من إعلامها الذي قد يسيطر عليه حزب أو قلة لا تخدم مصلحة الأمة ولا تحرص عليها، ولا نعلم من قال ممن لم يقل ومن وافق ومن خالف، فهذا قياس مهم لموقف الأمة واستنكارها لباطل أو مناصرتها لحق.

حادي عشر: من نتائج المظاهرات رفع الأذى عن الشعوب:

تبين جدوى هذه المظاهرات الكبيرة في رفع الأذى عن شعوب عديدة عبر التاريخ، وآخر شواهد ذلك ما رأيناه في إفريقيا الجنوبية ونيل سكانها الحرية بوسائل منها المظاهرات، كما حدث في إندونيسيا عندما خرج المتظاهرون وأبعدوا سوهارتو ونظامه الفاسد، وما حدث من تظاهر اليوغسلاف ضد الطاغية سلوبودان ميلسوفتش، واستطاعوا تحرير أنفسهم بالخروج في مظاهرات عارمة وذهبوا إلى البرلمان، وصانوا دماءهم وأعراضهم وكرامتهم من جوره، وفي التاريخ شواهد لا تحصى لفائدة هذه المظاهرات، ثم لو تأملنا إنهاء الاستعمار في أغلب المستعمرات حول العالم في بلدان مسلمة وغيرها، من الهند إلى الفلبين إلى سوريا ومصر وشمال افريقيا وإيران والعراق لوجدنا المظاهرات ذات أثر مشهود لا يناقش فيه عاقل.

ثاني عشر: المظاهرات مع الحق وضد الباطل:

والتظاهر مع الحق، وضد الباطل سنة مشروعة جارية، سنها الله في إظهار الإنكار على الفساد في قوله: "وليشهد عذابهما طائفة" وسنها في الابتهاج بالأعياد، ووداع الرسول صلى الله عليه وسلم للغزاة حين خروجهم والاحتفال بهم حال عودتهم، وفي إظهار القوة كما فعل مع أبي سفيان فألزمه رؤية قوة المسلمين، وقطع الطريق عليه أن يفكر في إمكان مواجهة القوة الضاربة للإسلام، ومن قبل طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائفين أن يهرولوا في الطواف إظهارا لقوة وصحة أجسامهم، مما يراجع تفصيله في فقه الحج وفي السير. وإن لم نظهر موقفنا وحميتنا وصوتنا وتعاطفنا مع إخواننا المقهورين وحمانا المنتهك فما ذا بقي؟ فإظهار الحق، بكل وسيلة وغمط الباطل بكل وسيلة، في عموم ما ذكر، مما تواترت على مشروعيته الأدلة تواترا معنويا، وهي سنة في الإسلام قائمة.

والله أعلم.


من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع