|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الأسرة في القرآن.. محاولة للفهم*
يقوم الاجتماع الإنساني على بنيتين أساسيتين: الأولى هي الأسرة، والثانية هي الأمة، وقد جعل الله هدف النشاط الإنساني في الحياة تحقيق "السكينة الاجتماعية" في هاتين المؤسستين. ففي السكينة الأسرية يقول الله تعالى: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" (الروم: 21). وفي سكينة الأمة يقول الله تعالى: "وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ" (البقرة: 248). أي أن آية الملك الصالح هي تعظيم الحفاظ على السكينة وعلى القيم الخالدة التي جاءت وحيًا "بقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة"، والتابوت يمثل أدوات هذا الحفظ من مناهج وبرامج وخطط في السياسية والاقتصاد والاجتماع. والقرآن يستخدم كلمة "السكينة" بمعنى السلام الداخلي الديناميكي، وفي سورة الفتح يقول المولى عز وجل: "إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا" (الفتح: 26). السكينة في مقابل الحمية الجاهلية فالسكينة الاجتماعية هي الضد للحمية الجاهلية التي تجعل الناس أحزابًا وشيعا يتقاتلون على المتاع الزائل في هذه الحياة الدنيا، وهذه الحمية الجاهلية هي العنوان الواضح لفساد الحكم. أما السكينة الأسرية التي جعلها الله هدفا للنشاط الإنساني داخلها فهي سكينة تقوم أيضًا على الحفاظ على القيم الخالدة التي جاءتنا وحيا، وليست سكينة تقوم على التراضي المؤقت على قيم غير ربانية. وفي الآية الكريمة كلمتان حاكمتان: الخلق والجعل، فشاءت إرادة الله أن يخلق لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها، أي نحقق سويًّا السكينة التي يأمرنا الله بجعلها هدفا لكل نشاطنا الإنساني، ثم علمنا المولى أن الطريق لتحقيق هذه السكينة يتمثل في أمرين، هما: المودة والرحمة في التعاملات بين الزوجين. فالجعل في هذه الآية هو مشيئة إلهية أو قل هو سنة من سنن الله تعالى. إن الطريق إلى السكينة يحتاج إلى عمل إنساني في اتجاهين: المودة والرحمة، فالجعل في هذه الآية هو مشيئة إلهية وعمل إنساني، والتواد هو أن أجعل نشاطي مع الآخر محاطا بالحب القاصد وجه الله، حتى في أخص العلاقات بين الزوجين، حيث يتوجهون بها إلى مرضاة الله تعالى، فيثيبهم عليها سكينة وأمنا (وإن في بُضع أحدكم لصدقة..)، والتواد في حدود القدرة، وقد يكون أحد الزوجين أقدر من الآخر، وهنا تدخل الرحمة؛ فالأمر ليس توادًّا فحسب، وإنما يرحم أحدنا الآخر فيما لم يقدر عليه. وتأكيدا لهذه المعاني انظر إلى قول الله تعالى: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى...." (الأحزاب: 33)، ولقد رأى فيها البعض معنى: الْزمْنَ البيوت؛ فلا تخرجن منها لغير حاجة مشروعة، ولكن لفظة "قَرْن" و"قِرْن" كلاهما من القرار، وهو السكون الجميل أو السكينة، ومنه أيضًا "وَقَرِّي عَيْنًا": أَمْرٌ من قرَّت عينه تقِرُّ بالكسر والفتح قُرَّة وقَرَّة وقُرورا إذا رأت ما كانت متشوقة إليه، مأخوذة من القرار بمعنى الاستقرار أي السكون الجميل والسكينة. فإن كان هذا الاستقرار وهذه السكينة تستلزم البقاء في البيت فلا مانع، ولكن الآية أشمل من ذلك، والهدف واضح وهو تحقيق السكينة في الخلية الأساسية في جسد الاجتماع الإنساني: الأسرة. قوى التماسك في الأسرة وكما يحدث في الذرة والجزيئات التي تكون أي مادة والتي تحتاج إلى قوى تماسك تمسك بالذرة وبالجزيء؛ فإن الأسرة (النواة الاجتماعية) تحتاج إلى قوى تماسك حتى تستقر في مدارها الاجتماعي، وأحسب أن أهم قوتين هما: الحاجة الإنسانية للحب والجنس والشوق إلى الذرية "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" (آل عمران: 14). ولتحقيق القوة الناتجة عن الحاجة للحب والجنس ينبغي أن تكون للرجل هيمنة وفحولة، وأن تكون للمرأة رقة وخضوع؛ فالفحولة والهيمنة في جانب الرجل، والرقة والخضوع في جانب المرأة يولدان قوة الجاذبية المطلوبة للاستقرار والسكينة؛ ولذلك أمر الله نساء المؤمنين ألا يخضعن بالقول لغير أزواجهن حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، أي أن هذا التوزيع للقوة والضعف ليس تقسيمًا عشوائيًّا، وإنما هو تقسيم لتحقيق غاية واضحة ألا وهي توليد إحدى القوى التي تمسك بالأسرة مستقرة آمنة، وكذلك أودع الله في النفس الإنسانية الشوق إلى الذرية؛ ولأن المرأة تضطلع في هذا الأمر بالجهد الأوفى "حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ"؛ فإنها في حمله ورضاعته وفطامه تحتاج إلى كل ما حباها الله به من رقة وضعف، وهو ضعف جميل، يتفطر قلبها أمام آلامه؛ فتسعى إليه راعية وحامية وحاضنة في رفق رفيق وحب عميق؛ ولذلك فإن خضوعها وضعفها يساعدان على نمو القوتين (الحب والجنس والشوق إلى الذرية) ولعل هذا هو معنى قوله تعالى: "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ..." (النساء: 34). القوامة والفضل فقوامة الرجال على النساء فيها فضل للرجال على النساء وفيها فضل للنساء على الرجال، والفضلان من عند الله؛ فقوة الرجل وفحولته فضل الله للرجال على النساء، ورقة المرأة وضعفها فضل من الله للنساء على الرجال. ولأن رقة المرأة وضعفها الجميل من مطالب رسالتها في الأسرة، فإن عملها خارج نطاق الأسرة ينبغي ألا يفسد عليها هذه الطبيعة، ويجعلها تعيش في ازدواجية تنغص حياتها؛ فهي في موقع خشنة مهيمنة، وفي موقع آخر رقيقة ضعيفة. ونحن نعرف أن هناك تأثيرا متبادلا بين طبائع الأعمال وطبائع الناس؛ فهناك طبائع تكتسب من طريقة الأعمال، كما أن طبائع الأعمال تحتاج إلى طبائع في الناس.. كل عمل بطبيعته -أو بتعبير ابنة شعيب- يحتاج إلى قوة وأمانة، والقوة هنا عامة؛ فقد تكون القوة المطلوبة هي الضعف الجميل -كما قلنا من قبل-، وكما يقول الفقهاء كل ولاية تحتاج إلى نوع من القوة بحسبها، وكذلك إلى الأمانة، مستشهدين بقولة ابنة شعيب. ولذلك فتقسيم الأعمال بين الرجل والمرأة ينبغي أن يحافظ على قوى التماسك بينهما، والأمر كله يحتاج إلى دراسات دائبة في ظل أنواع مختلفة من النظم التنموية، وقبل أن أتحدث عن هذه النقطة الهامة (المرأة والتنمية) أذكر قصة قرأتها في مقال للدكتورة بنت الشاطئ -رحمها الله- قالت: إنها كانت تزور أديبة شهيرة في النمسا في أيام العطلة الأسبوعية، ولاحظت بنت الشاطئ أن الأديبة النمساوية الشهيرة قد شمرت عن ساعديها لتكنس البيت، وترتب الأثاث، وتقوم بنفسها على طهو الطعام، ولما أبصرت الأديبة النمساوية أن بنت الشاطئ تتعجب من هذا كله، قالت لها: إنني أحاول أن أكون امرأة، إن الحياة التي نعيشها في الغرب خلقت منا صنفًا ثالثًا؛ فلا الرجال رجال ولا النساء نساء، وأنا أحاول أن أحتفظ لنفسي ببعض مقومات المرأة. المرأة والتنمية عود إلى قضية المرأة والتنمية، ولنتذكر أننا يجب -في ظل نظام تنموي معين- أن نصوغ ونصمم منظومة الأعمال التي تحقق بها المرأة حاجة اقتصادية في الأسرة والمجتمع مع الحفاظ على قوى التماسك الأسري. وفي القرى والنجوع عندما كنا أطفالا وصبيانا استقر هناك نظام للعمل مقسم بين الرجل والمرأة في ظل الظروف التنموية السائدة، وكان نظاما منتجا وعادلا ومحافظا على قوى التماسك في الأسرة، وفي ظل النظام التنموي الذي نعيشه الآن في المدن -حيث يتكدس معظم أهل مصر- أصبحت المرأة وأولادها مسجونين في شقق ضيقة تكفي بالكاد لنومهم، ولم يعد المنزل مكانًا منتجا، بل أصبح بالوعة استهلاكية؛ ومن ثم لم يعد هناك عمل تقوم به المرأة كما تقوم به امرأة الريف في بيتها الريفي. إن أعمال المنزل في المدن الآن قد لا تستغرق ساعة أو ساعتين، ويبقى اليوم كله أمام ربة المنزل وأولادها ليمضوه في مشاحنات وصراع ولهو ولعب. إن النظام التنموي الذي انجرفنا إليه هو من صنيع قياداتنا الاقتصادية والسياسية التي تود أن تضع مصر كلها في مدينة واحدة وتحكم حولها الحصار الأمني.. وأنا لا أريد أن أضيع الوقت في إلقاء اللوم هنا وهناك، ولكن فلنعلم جميعًا أننا أمام كارثة تنموية نتجت عن الاكتظاظ في المدن مخالفين بذلك قول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ..."، ويعلق الإمام الرازي على هذه الآية بأن التفسح إن كان مطلوبًا في المجالس فهو في المجتمع أكثر طلبًا.. يفسح الإنسان لأخيه الإنسان في الحياة بإعانته على المضي فيها؛ أي بمساعدته ليجد لنفسه عملا. والعمل الأهلي مدعو الآن لعمل شيء في مجال تصميم أنواع من التنمية الاستنقاذية، حتى ننقذ أهل المدن من هذا الموت التنموي الذي يعيشون فيه، وخاصة أن الدولة لاهية عن هذا الأمر، وإن كنت قد سمعت أن هناك محاولات أو نداءات في هذا الاتجاه من بعض الجهات في الدولة.. على كل حال على كل القوى الوطنية من كافة التوجهات أن تتساند وتتآزر في سبيل تصميم برامج تنموية تصلح للمرأة وغيرها في ظل ظروف الكارثة الاكتظاظية التي نعيشها وربما استفدنا من تجارب شعوب أخرى إن كان هناك مثيل لخيبتنا. إن هذا الاستنقاذ التنموي لن ينقذ أوقات المرأة فقط، وإنما سينقذ الأسرة كلها. في طفولتي وصباي كان التعليم يمثل ثلاثين في المائة من نشاطي، بينما كانت بقية الوقت للعمل التنموي مع أسرتي في الحقل، وفي ورشة أبي لصناعة الأحذية، وفي العمل الاجتماعي. أكرر أيها الشباب.. ركزوا على تجميع الأمة حول مشاريع تنموية تحفظ للأسرة تماسكها الداخلي وتماسكها الخارجي في مواجهة قوى الهيمنة، فلن نستطيع أن نقاوم الهيمنة وبطوننا جائعة وأعيننا زائغة وقلوبنا واجفة. زينة المرأة وقوى التماسك الأسري ومما يزيد من قوى التماسك في الأسرة عدم بعثرة زينة المرأة في الشوارع والطرقات بعيدًا عن بيتها؛ فزينة المرأة وجمالها هو مصدر من مصادر قوى التماسك في الأسرة وجزء مهم من عناصر السكينة الاجتماعية بين الرجل والمرأة. وكما قلنا قبل في تأويل قوله تعالى {وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى}.. أي اجعلن بيوتكن تنعم بالسكينة، والبيت هنا ليس الحيطان والأبواب وإنما البيت هو الأسرة، أي اجعلن أسركن تنعم بالسكينة وذلك بعدم إبراز زينتكن لغير أزواجكن كما تفعل نساء الجاهلية. حتى القواعد من النساء {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (النور: 60) وتعريف القواعد من النساء: هن اللاتي لا يرجون نكاحًا، سواء كان ذلك نتيجة للمرض أو الشيخوخة، وهذا التعريف للقواعد من النساء لا يشمل النساء اللاتي يئسن من المحيض، فليس كل امرأة يئست من المحيض لا ترجو نكاحًا. والنكاح هنا هو الوطء. نقول إن القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا ينبغي ألا يتبرجن بزينتهن أي لا يبعثرنها ويبرزنها، وإن كان قد خفف الله عنهن أن يضعن ثيابهن في نطاق ظروفهن الأسرية، ولكن ذلك الوضع للثياب في حدود أمرين: عدم إبراز الزينة والاستعفاف. وهذه الآية سبقتها آيات تتحدث عن الذين يعايشون أهل البيت من العاملين والعاملات! {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. (النور 58) فإذا كان في البيت عمال يعملون وأطفال يتحركون فينبغي أن يستأذنوا في الأوقات التي يتخفف فيها أهل البيت من ثيابهم الخارجية، أما غير هذه الأوقات فلا جناح عليهم. وجملة الأمر أن تزين المرأة ينبغي أن يحافظ على قوى التماسك الأسري في المجتمع، نعم تتزين المرأة من غير إبراز لهذه الزينة لغير زوجها، ولو خرجت تبرز مفاتنها أمام الجائع والمحروم والمضطرب في المجتمع فسوف يؤدي ذلك إلى فتنة اجتماعية وفساد كبير. ولعل قول الله تعالى {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} (النور 31) يشير كذلك إلى نفس المعنى: وهو أن المرأة في سعيها في الحياة (الضرب بالأرجل) ينبغي ألا تبرز زينتها في الشوارع والأسواق. (هذا التأويل لمعنى الضرب بالأرجل للدكتور محمد شحرور في كتابه: الكتاب والقرآن)، أو على النساء ألا يمشين مشية تظهر وتبرز زينتهن بأن تتقصع وتتلوى في مشيتها؛ وهو ما يؤدي إلى ظهور فتنتها وإن كانت مستترة بردائها. تعريف الزينة يقول الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ...} (النور: 30)، ولو تدبرنا هذه الآية الكريمة لرأينا أن الزينة مرتبطة بغض البصر وبحفظ الفرج، أي أنها مرتبطة بالميل الجنسي بين الرجل والمرأة، ومن ثم فكل ما يتعلق بالميل الجنسي من إيماءات كلامية أو بصرية أو حركية أو لباسية هو من قبيل الزينة التي لا تبدى إلا للأزواج فالمرأة تخضع بالقول لزوجها ولكنها لا تخضع بالقول لغيره من الرجال. أما الزينة المتعلقة باللباس فقط فهذه يمكن إظهارها للمحارم أو للأطفال أو العمال (من غير أولي الإربة من الرجال)، ولقد توقف الرازي عند لفظة (من) في قوله تعالى: {يغضوا من أبصارهم} فقال: إن الله لم يقل "يغضوا أبصارهم"، وقال: {يغضوا من أبصارهم}، أي ينقصوا من نظرهم؛ فالبصر إذا لم يُمَكَّنْ من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه، وعلى هذا فـ(مِنْ) ليست بزائدة ولا هي للتبعيض بل هي من صلة الغض، يقال غضضت من فلان إذا نقصت قدره. ومعنى كلام الرازي أن الأمر لا يتعلق بالبصر كآلة للنظرة، وإنما يتعلق بالقلب في توجيهه للبصر، ولقد سئل الشبلي عن قوله: {يغضوا من أبصارهم} فقال "أبصار الرؤوس من المحرمات وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى". ونعود فنقول بأن غض البصر لا يعني إغلاق العين، وإنما يعني صرف القلب عن المحارم. زينة الملبس ولقد اختلف الناس في أمر الزينة اللباسية، وماذا يخفي اللباس وماذا يظهر؟ ولقد ذكر الرازي قول القفال: "إن معنى (إلا ما ظهر منها) أي إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، وذلك في النساء الوجه والكفان، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين". ولقد وقف محمد أسد في ترجمته عند معنى القفال: إن معنى (ما ظهر منها) أي ما يظهره الإنسان في العادة الجارية فخرج منها برأي جديد، إن ما تمليه العادة الجارية من الاحتشام هو الأصل وليس بالضرورة ما اتفق عليه الفقهاء من الوجه والكفين، وأذكر أنني كتبت هامشًا على رأيه فقلت بأن الوجه والكفين هما الحدود الدنيا للاحتشام، ولا يمكن أن نترك الأمر لعادات القبائل. ثم مرت الأيام فقرأت للدكتور محمد شحرور حول نفس القضية في كتابه "الكتاب والقرآن"، فهبط بالحدود الدنيا لزي المرأة إلى فرجها وثديها وتحت إبطها وإليتيها، مؤولا قول الله تعالى (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) مفسرا كلمة الجيوب بما ذكرنا. وتستطيع المرأة في نظرية شحرور أن تظهر عارية تمامًا أمام المحارم، فإن تغطت أمامهم فمن باب الحياء وليس من باب اتباع الفقه. وشحرور يعتبر أن تغطية الجيوب هو الحد الأدنى للزي في الإسلام بينما إظهار الوجه والكفين هو الحد الأقصى. وتصور مجتمعا – أيا كانت عقائده – تمشي نساؤه عاريات إلا من وريقات متناثرة على جسد المرأة تغطي ما بين النهدين وما تحتها والفرج وما تحت الإبطين والإليتين! وفي رأينا أن كل هذا الضلال إنما نشأ من عدم فهم قول الإمام القفال عندما قال: إن معنى ما ظهر منها أي ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، ثم تفسير معنى الخمار بأنه أي غطاء وليس غطاء الرأس فحسب، ثم تأويل جيوبهن، بمعنى أن الجيب فتحة لها طبقتان، فالجيوب في المرأة لها طبقتان أو طبقتان مع خرق وهي ما بين الثديين وتحت الثديين وتحت الإبطين والفرج والإليتين. ونحن نحسب أن الإسراف في العري يهلك الرغبة في الجنس، والإسلام لا يريد أن يهلكها، إنما يريد أن يوجهها ويجمعها لتصبح قوة تماسك في الأسرة. إن إشاعة العري في الغرب والشرق قد أدى إلى بعثرة الرغبة الجنسية في الشوارع والطرقات وفقد الناس الرغبة في بناء الأسر بل وضعفت الرغبة في الجنس نفسه، والتمسه الناس في أنواع جديدة من الاتصال الجنسي، الرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة والإنسان مع الحيوان، بل أصبحت هناك رغبة شاذة في مضاجعة الأطفال، من أجلها يجلب الرقيق من أقصى الأرض إلى بعض البلدان الأوربية، رقيق من الأطفال يستخدم في الجنس. ونعود إلى مسألة الزي فنجد أنه استقر في وعائنا الاجتماعي ووعائنا الفقهي أن المرأة لا تظهر إلا وجهها ويديها، ثم إن زيها لا يشف ولا يصف، بالطبع هناك آراء أخرى ترى إخفاء الوجه والكفين فيما يسمى النقاب، وكان مولانا المودودي يرى ذلك. وفي لقاء لي معه 1997م في الظهران راجعته في الأمر فقال لي إنه يرى هذا الرأي منعًا للفتنة، فسألته ومن قال إن الله يريد أن يمنع الفتنة؟... إنما يريد الله أن يحجم الفتنة، فحياتنا كلها فتنة لنا، ولكنها فتنة مستطاعة ونحن قادرون عليها بالاستقامة على هدي الله، أذكر أن مولانا المودودي أعجبته اللفتة، ووعدني أن يراجع الأمر. وجماع الأمر أن الإسلام لم يأت بشكل أو نوع معين من الأزياء، وإنما وضع للزي آدابا ومحددات لا تمثل طغيانا على حق الفرد في اختيار زيه وإنما تساعده على الاستعفاف وعلى حفظ الجنس حتى يزيد من قوى التماسك داخل الأسرة التي يعتبرها الإسلام الخلية الأساسية في البناء الاجتماعي. في معنى الفعل (ضَرَبَ) في استخداماته القرآنية في تأويل قول الله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 72-73)، في تأويل هذه الآيات ذكر محمد أسد في ترجمته الإنجليزية (رسالة القرآن) كلامًا نفيسًا نلخصه في هذه السطور. فبعد أن ذكر كلام كثير من المفسرين الذين فسروا الآية بأن هذا أمر من الله أن يضرب الناس جثة الميت الذي اختلفوا في قاتله المجهول من هذه الجماعة اليهودية، ودرأ كل واحد منهم الجريمة عن نفسه، أن يضربوا الجثة بشيء من لحم البقرة التي أمرهم ربهم أن يذبحوها، فإذا بالميت يعود للحياة وينبئ عن قاتله. وينكر أسد هذه القصة التي يقول بأنه لا أصل لها في أحاديث صحيحة أو في القرآن أو حتى في الكتب المقدسة القديمة. ثم يتابع أسد مادة (ضرب) في القرآن فيجد لها استخدامات متعددة ليس منها الضرب الجسدي في استخدامنا العادي، والذي يعني الصفع أو الركل أو الوكز أو الصك أو اللطم، وهي ألفاظ استخدم بعضها في القرآن لتعبر عن الضرب في الاستخدام الدارج. فالضرب في الأرض بمعنى السفر، وضرب الله مثلا بمعنى صاغ مثلا، وضربت عليهم الذلة والمسكنة بمعنى فرضت عليهم الذلة والمسكنة، وعلى نفس الضرب أي بنفس الطريقة. وينتهي أسد إلى معنى {اضربوه ببعضها} إلى القول (بفرض) قانون الفداء الجماعي في بعض الحالات التي يجد المجتمع فيها نفسه أمام جريمة جنائية قام بها فرد أو أفراد من جماعة ما، وليس معروفًا على وجه اليقين من الذي قام بهذه الجريمة من هذه الجماعة، هنالك يأمرنا الله أن نفرض على هذه الجماعة قانون الفداء الجماعي، والذي تمثل في تلك الحالة في ذبح بقرة. ونلخص رأي أسد في تأويله لمعنى {اضربوه ببعضها} أي طبقوا قانون الفداء الجماعي (ذبح بقرة في هذه الحالة) ببعض حالات جرائم القتل المجهلة، أي أن معنى {اضربوه ببعضها} أي (افرضوه ببعضها). الأسرة المثالية في الوصف القرآني: (الرجل القّوام) و(المرأة الصالحة) يقول الله تعالى {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (النساء: 34). وفي اللغة: القَوَّام اسم لمن يكون مبالغًا في القيام بالأمر، يقال: هذا قَيِّم المرأة وقَوَّامها للذي يقوم بأمرها ويهتم بحفظها. فالأسرة المثالية هي هذه الأسرة التي يكون فيها الرجل قوامًا على أمرها بما حباه الله من صفات المروءة والشهامة والكرامة فهو يذود عن أسرته ويحميها ويرعاها وينفق عليها ويقوم على كل أمر من أمورها، فهو ليس فقط قائما على أمرها وإنما هو قَوَّام بصيغة المبالغة. هذا القَوَّام الكريم تقابله امرأة صالحة حانية مطيعة لربها متناغمة مع زوجها حافظة لغيبه بما أمر الله به أن يحفظ، أي أنها معينة له على أمر دينه وأمر دنياه. هذه هي الأسرة المثالية في الوصف القرآني. وبالطبع معظم أسرنا بعيدة عن هذه المثالية القرآنية، وكثير منا يريد من زوجته أن تكون في قمة الصلاح بينما هو لا يبلغ من درجة القوامة قليلا، أو تريد الزوجة أن يكون زوجها قواما بينما هي في الدرجات الدنيا من الصلاح. إن الأسرة المثالية (الرجل القوام والمرأة الصالحة) هي النموذج الذي ينبغي أن نسعى إليه ويعذر بعضنا بعضا إذ لم نبلغه. فماذا لو كان الرجل قوامًا وظن أن امرأته نشزت عن الصلاح المرتجى؟ أو بالتعبير القرآني خاف نشوزها؟ وبالطبع فإن كلمة النشوز هنا تعني النشوز عن الصلاح الذي يولد الاستقرار في الأسرة، ولا يعني بالطبع وقوع جريمة أخلاقية، فمثل هذه الجرائم يتم عقابها في المجتمع وليس داخل الأسرة؛ فالنشوز هنا قد يعني التفريط في بعض الواجبات الدينية أو الصدود عن الزوج والتجهم عند لقائه، أو التوتر في العلاقات معه أو تضييع الأوقات فيما لا طائل منه، أو إهمال الواجبات الأسرية، أو خلق المشاكل مع الأهل والجيران، كل هذا وأمثاله يمثل نشوزًا عن الحالة السوية للأسرة وقد يكون أول معول في هدمها، ومن ثم وجب أن يكون هناك علاج هادئ داخل سياج الأسرة، ويبدأ العلاج بالوعظ. والوعظ يخاطب العقل والقلب ثم يستمر العلاج بالضغط على الحاجات الغريزية التي تجمع الرجل والمرأة وهي الحاجة إلى الجنس. وهذا الجزء من العلاج هو علاج للرجل والمرأة لأنهما كلاهما في حاجة إليه. فربما كان الرجل مبالغا في تشخيص نشوز زوجته، وربما أدى ذلك إلى العجلة في الطلاق، ولكنه إذا تمهل وهجر المضجع فسوف يشعر بألم ذلك وشدته عليه، فربما راجع نفسه وتريث في الحكم على الأشياء واتخاذ المواقف المتعجلة، ونفس الهجر سوف يدفع بالمرأة أن تراجع نفسها، وفي الأمثال يقولون: إن الجنس يصلح ما لا يصلحه القاضي، وهي حكمة مجربة. ثم ماذا بعد الوعظ والهجر في المضجع! قال تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}. كنا قد ذكرنا من قبل تأويل أسد كلمة (ضرب) في قوله تعالى {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ* فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. ورأينا أنه اختار تأويل (فاضربوه ببعضها) بمعنى افرضوا قانون الفداء الجماعي في بعض الحالات، ورغم هذا الوضوح المستنير في تأويل أسد لهذه الآية فإنه لم يطبق نفس القاعدة عند تفسيره لكلمة (واضربوهن). حيث أربكته مجموعة من المرويات تؤكد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حازمًا في موقفه الناهي عن ضرب الرجل لامرأته، وأُثِر عنه ما معناه "كيف يضرب الرجل امرأته كما تضرب الإماء ثم يضاجعها في الليل؟" أو قوله "لا تضربوا إماء الله"، وقيل إنه لما نزلت هذه الآية قال: "أردت أمرا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير". وفي ضوء هذه المرويات التي تؤكد موقف الرسول صلى الله عليه وسلم الشخصي -العملي- من ضرب الرجل لامرأته، وهو موقف رافض بشدة لضرب النساء، ومع التأويل السائد (واضربوهن) بمعنى الضرب البدني استقر رأي الفقهاء على أن هذا الضرب ضرب رمزي مثل الضرب بالسواك أو فرشة الأسنان أو بمنديل اليد وهذا معنى الضرب غير المبرِّح. ولو تحرر أسد في تأويله لهذه الآية من الأخبار المروية التي تربطها ببعض هذه الأحاديث، وأوَّلَ الضرب بالمعنى الذي اختاره من قبل في تأويله لمعنى {اضربوه ببعضها} لكان في رأينا قد أصاب كبد الحقيقة، فإذا اخترنا نحن هذا التأويل فسيكون تأويل الآية: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ...} أي أنه في حالة الخوف من النشوز فإن على الزوج القوَّام أن يستخدم وسائل وعظية ووسائل ضغط غريزي وأن يفرض استخدام هذه الوسائل قبل أن يلجأ لعمليات تحكيم خارجي، (فاضربوهن) هنا بمعنى: فرض وإلزام على الرجل القوام أن يلتزم باستخدام هذه الوسائل واستنفادها قبل القيام بعمليات تحكيم خارج سياج الأسرة. *جزء من كتاب "تأملات حضارية لبعض آيات القرآن الكريم"- سلسلة دراسات إسلامية، العدد115، المجلس العلى للشئون الإسلامية- القاهرة، فبراير 2005.ينشر بترتيب خاص مع مجلة (المجتمع) الكويتية **أستاذ هندسة الطيران جامعة القاهرة |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||