|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
المطعني: مشروع إسلامي بديل لوثيقة بكين*
منذ
صدور "وثيقة بكين" الخاصة بالمرأة
والأسرة برعاية الأمم المتحدة عام 1995 والتي
تروج لمفهوم "الجندر" (Gender
Perspective) بمعنى
إلغاء كل الفوارق بين مفهوم "الرجل"
ومفهوم "الأنثى"، وتضمنت 120 بندا بعضها
أثار حفيظة الدول الإسلامية الخاص بإباحة
الشذوذ والجنس خارج نطاق الأسرة والإجهاض،
وهناك محاولات من جانب العديد من المنظمات
الإسلامية للتصدي لهذه الوثيقة أو بعبارة أصح
"تنقيحها" مما يخالف فطرة البشرية
والإنسانية والإسلام، نتج عنها السعي لإصدار
"بديل إسلامي" لهذه الوثيقة. فبالإضافة
إلى عشرات الاقتراحات التي قدمتها دول
إسلامية في عدة مؤتمرات لاحقة عن المرأة
والطفل، جاء الرد الإسلامي الجماعي واضحا في
مؤتمر (بكين +5) الذي عقد عام 2000، في صورة تقديم
دراسة مشتركة من المنظمات الإسلامية
المختلفة عن "البديل الإسلامي"، اهتمت
بتفنيد فكرة صراع الرجل والمرأة التي قامت
عليها وثيقة بكين. بيد
أن تجاهلا ما حدث لهذه الآراء الإسلامية، إلى
أن جاء مؤتمر هذا العام ( بكين +10) الذي عقد في
نيويورك في الفترة من 28-2-2005 حتى 11-3-2005،
والجلسة رقم 49 للجنة مركز المرأة بالأمم
المتحدة التي وسعت هذه المرة لمناقشة وسائل
"تنفيذ" الدول لهذه المقررات "بكين
95" وما يسمى "اتفاقية القضاء على جميع
أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو).. والعقوبات
المقترحة على الدول التي سترفض!. بيان
المنظمات الإسلامية وقد
سعى ائتلاف المنظمات الإسلامية هذا العام 2005
لإصدار بيان عام يطالب فيه بأن تلتزم تفسيرات
الوثيقة وتطبيقاتها بعدة أمور منها: 1-
احترام التعددية الدينية والثقافية والهوية
الخاصة بالشعوب؛ لأن المشكلات تختلف تبعا
للثقافات والمجتمعات، والحلول تختلف تبعا
لها. 2-
المساواة في إطار مفهوم العدالة والإنصاف؛
لأن المساواة المطلقة تفترض المماثلة
الكاملة وتؤدي إلى الندية والصراع، وقد تتحقق
في الأمور المادية دون الاجتماعية. 3-
وضع حلول جذرية تتعامل مع المشكلات برؤية
متكاملة، تأخذ في الاعتبار الحيلولة دون قيام
المشكلة وعدم الاقتصار على علاج آثارها، مثال
لذلك: الأمراض الجنسية كالإيدز وغيره، وحمل
المراهقات... التي يعالجها الإسلام بترسيخ "ثقافة
العفة"، والابتعاد عن الممارسة خارج إطار
الزواج. 4-
النظر إلى كل من المرأة والرجل في سياقهما
الاجتماعي بما يحافظ على مصالح الأسرة
والمجتمع، وعدم الاستغراق في الفردية. بديل
إسلامي كذلك
سعت
اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل
التابعة لرابطة العالم الإسلامي -ضمن نشاط
هذه المنظمات الإسلامية لتصحيح وثيقة بكين-
لتقديم طلبين للأمم المتحدة في دورة نيويورك
الحالية بشأن "بكين+10" أحدهما أساسي
يتضمن دراسة كاملة بمثابة "بديل إسلامي"
للوثيقة، ونقد لبنود معينة في الوثيقة تخالف
العقيدة الإسلامية، وقالت اللجنة: إن الهدف
من هذا الطلب هو "إنقاذ البشرية"،
واستبعاد هذه النقاط الـ 12 الحرجة من الوثيقة
من أجل الصحة العالمية والجنسية للبشرية،
ولمنع فناء وانقراض البشرية في حالة تنفيذ
الوثيقة على حالتها المشوهة الحالية. والطلب
الثاني احتياطي في صورة "إنذار" متوقع في
حالة الإصرار على تنفيذ الاتفاقية بصورتها
المشوهة بأن الدول الإسلامية وغيرها من دول
العالم والمنظمات الدينية لن توقع على
الاتفاقية لأنها تتصادم مع الإنسانية
والإسلام. وعهدت
(اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل)
لأحد علماء الأزهر - وهو الشيخ الدكتور عبد
العظيم المطعني بكتابة دراسة متكاملة من
حوالي 125 صفحة فلوسكاب حول هذا الأمر نوقشت
بجدية وحظيت باهتمام وتأييد وفود غير إسلامية
تتضمن جزأين أساسيين: الأول:
دراسة مقارنة ينتقد فيها وثيقة الأمم المتحدة
الخاصة بالمرأة والمسماة "وثيقة بكين"
وبالتحديد 12 بندا من بنود وثيقة بكين بشأن "تأنيث
الفقر" و"الزواج الشاذ" وغيرها من
البنود التي تمس العقيدة والأخلاق
والسلوكيات من وجهة النظر الإنسانية البحتة
التي تتفق مع الإسلام. الثاني:
تقديم "البديل الإسلامي" لـ"منظور
الجندر" بشأن
العلاقة بين الرجل والمرأة وتكريم الإسلام
للمرأة، واستند
الدكتور المطعني إلى القيم والمبادئ
الإسلامية في شئون المرأة والطفل، كما جاءت
في مصادر الإسلام الأصول، وفي مقدمتها القرآن
والسنة النبوية الشريفة بعد أن استعرض أوضاع
المرأة في الحضارة الوضعية قبل وفي أثناء
ظهور الإسلام، وفي الفكر الديني اليهودي
والفكر الديني المسيحي الذي - على عكس ما أنزل
على أنبياء الله موسى وعيسى- يشوه صورة المرأة
ويصورها على أنها أس بلاء البشرية والخطيئة!. وقد
أكد الدكتور المطعني أنه علم من الوفود
المشاركة وسكرتارية اللجنة الإسلامية
العالمية للمرأة أن الوفد الأمريكي الرسمي
ووفود مسيحية أخرى من الفاتيكان مؤيدة للورقة
التي كتبها وقدمت باسم اللجنة الإسلامية،
خصوصا رفض مسألة الإجهاض (لظروف كل دولة)،
وقال: إن هناك اتفاقا في مسائل أخرى من وجهة
النظر الإنسانية مثل السعي لمحو الأمية
وتعليم النساء. وقال
الدكتور المطعني: إنه بدأ في كتابة الوثيقة
الإسلامية عقب شهر رمضان الماضي وجمع واشترى
لها مراجع كثيرة واجتهد فيها لله حتى تمت
كتابتها في النهاية في قرابة أسبوعين
وترجمتها وتقديمها إلى مؤتمر نيويورك، كما أن
العالم الأزهري الجليل رفض حتى أن يأخذ أي أجر
على هذا العمل والجهد الكبير قائلا: إنه كتبه
لينال الأجر والثواب من الله وليس المال،
وإنه في خدمة الإسلام حتى يلقى ربه. ماذا
تقول الوثيقة الإسلامية؟ لخص
الدكتور عبد العظيم المطعني بنود وثيقة بكين
في البداية بقوله: إنها "تمثل اختراقات
حمراء دامية لكل ما ورثته وتعارفت عليه
المجتمعات الإنسانية منذ نشأتها وتطورها ثم
اتخذت منه نظاما عاما تسير عليه الحياة، وحذر
في ختام الوثيقة الإسلامية من "أن على
الإنسانية أن ترفض بقوة بنود وثيقة الأمم
المتحدة وإلا فإن الله لها بالمرصاد"!. وقال:
"جاءت بنود هذه الوثيقة شاذة كل الشذوذ عن
عقائد الإنسان وأخلاقياته وعاداته وتقاليده
الطيبة، فادعت العداوة ببين النساء والرجال،
وادعت أن نظام الأسرة انحراف خطير ترتب عليه
ظلم المرأة واحتقارها وامتهانها، وأباحت
الشذوذ الجنسي بكل صوره المعروفة وغير
المعروفة، وشنت حربا لا هوادة فيها ضد العفة
والطهارة الخلقية والخلقية، وجعلت الدعارة
القذرة سلوكا مألوفا وحقا من حقوق الإنسان
طفلا وطفلة، شابا وشابة، رجلا وامرأة،
واعتبرت تجريمها انتهاكا لحقوق الإنسان؟،
وجعلت الممارسة الجنسية بين المثلين: رجلين
أو امرأتين، حقا محميا بقوة القانون من حقوق
الإنسان كأقبح انتكاسة في نظام الحياة
البشرية لم يسبق لها شبيه أو مثيل في تاريخ
البشر. ثم
قسم د. المطعني الوثيقة الإسلامية إلى جزأين
على النحو التالي: الجزء
الأول- نقد "الجندر": حرصت
الوثيقة الإسلامية على توضيح أن "التصورات
التي وردت في بنود الوثيقة من دعائم العولمة
أو النظام العالمي الجديد الذي يهمل كل
موروثات الحضارة الإنسانية في جميع عصورها،
ليحل محلها ما تسفر عنه المخططات "الجندرية"
كأسس حتمية للحياة الإنسانية أوقعها في أخطاء
تجعلها غير صالحة للتنفيذ. وقالت:
إن وثيقة بكين -موضوع النقد- اتخذت مشروع
القضاء على جميع أشكال التمييز بين الرجل
والمرأة مرجعية استمدت منها صياغة ومبادئ
البنود التي وردت خصيصا في شئون المرأة، ثم
ألحقت بها شئون الطفل، وأطلقت على هذه
الأعمال مصطلح (الجندر) الذي معناه في هذه
الوثيقة إلغاء كل الفوارق بين مفهومي الرجل
والمرأة حتى الفوارق الخلقية "البيولوجية"
التي خلق الله عليها الإنسان!.. واعتبرت هذه
"الفوارق الطبيعية" من الأعراف المصطنعة
التي تواطأ عليها الناس!. وأشار
د. المطعني إلى أن الوثيقة أخطأت في قراءة
الواقع المعيشي كما أخطأت في فهمه حين قالت:
إن النساء أكثر شرائح المجتمع فقرا، وهو ما
أطلقت عليه "تأنيث الفقر"، وبالنسبة
للسبب الأول لفقر النساء وهو عدم أخذ الدولة
بمنظور الجندر أي إلغاء كل الفوارق بين الرجل
والمرأة حتى التكوين الخلقي ووظائف الأعضاء
عند كل منهما -كما تقول وثيقة بكين- فهذه
التفرقة ليست من صنع الدولة بل هي أمر فطري
خلقي!. وشقاء
الرجل خارج المنزل يقابله دور لشريكته في
الحياة وهو النهوض بإعداد ما يلزم لإسعاد
الحياة ورفاهيتها في المنزل، وقد ابتعدت
وثيقة بكين لعام 1995 عن التخطيط القويم لتعاون
الزوجين وافترضت خصومة وهمية بينهما فتدخلت
الوثيقة لإفساد علاقة الزوجين مدعية إصلاحها!. واستنكر
د. المطعني دعوة الوثيقة لفك الرباط الفطري
بين الرجل والمرأة بادعائها أن الجنس ليس
السبيل الوحيد لإشباع الشهوة عند الذكور
والإناث، بل يجب توسيع مجال الممارسات
الجنسية إلى الشذوذ بصوره المختلفة، وقال: إن
هذا الشذوذ -فضلا عن كونه منافيا للفطرة
الإنسانية السليمة- سبب لكثير من الأمراض
العضوية والنفسية أوصلها بعض الأطباء إلى
ثلاثين مرضا. تأنيث
الفقر وقد
تطرقت الوثيقة الإسلامية في الجزء الأول منها
لنقد بعض البنود في وثيقة بكين على النحو
التالي: -
فيما يتعلق بـ "تأنيث الفقـر" ابتعدت
وثيقة بكين لعام 1995م عن التخطيط القويم
لتعاون الزوجين وافترضت خصومة وهمية بينهما
فتدخلت الوثيقة لإفساد علاقة الزوجين وهي
تريد إصلاحها، حيث تقول الوثيقة بالحرف
الواحد: "تقرر الوثيقة أن الرابط الأساس
للمرأة بالرجل هو حاجتها المادية إليه؛ لذلك
فإن التمكين الاقتصادي للمرأة يمكنها من فك
الارتباط بالرجل مما يتيح لها فرصة وسهولة
التخلي عن الحياة الأسرية وعن الزواج"؟!. وجاء
الرد على هذا بأن الوثيقة أخطأت خطأ فاحشا حين
حصرت أواصر الرابطة بين المرأة والرجل في
الإطار المادي البحت وتجاهلت كل المعاني
والعواطف الجميلة التي هي مركوزة في طباع
الرجال والنساء فطريا، وفي هذا التصور المخطئ
عودة إلى مقولة "التفسير المادي للتاريخ"
التي قام عليها صرح الماركسية المنهار إلى
غير رجعة. -
فيما بتعلق بـ "التعليم" لخصت الوثيقة
الإسلامية الأخطاء الكثيرة التي وردت في بنود
الوثيقة من هذا الناحية في: تعليم الجنس،
والصحة الإنجابية، وقالت: إنه اندرج تحت هذين
المفهومين مخاطر غير محتملة. وعلقت
على مطالبة وثيقة بكين بـ "إدماج برامج
تعليم الصحة الجنسية الإنجابية في إطار برامج
التعليم الرسمي لكل دولة بشأن الصحة
الإنجابية"، بالقول: إن "هذه مقدمة خطرة
تجر وراءها وباء مستطيرا ينعكس أثره على
الأخلاق الإنسانية الفاضلة التي تعتز بها
إنسانية الإنسان ثم تمتد فيما بعد إلى انتشار
الأمراض المستعصية على العلاج وتسهم في
انقراض الجنس البشري بمرور الأعوام". فناء
البشرية وفي
هذا الصدد يقول الدكتور المطعني في الوثيقة:
"ليس هذا تخمينا من عندنا ولا هو من خيال
ولكنه سيكون المحصلة النهائية التي تقضي على
النوع البشري من الوجود لو وجدت هذه البنود
طريقا إلى العمل والتنفيذ؛ وذلك لأن الوثيقة
رتبت على هذا البند بعض الإجراءات التي تقول
بـ: -
ضرورة توفير الخدمات والمعلومات الصحية
للنساء وبخاصة المراهقات (أي ممارسات الجنس
قبل الزواج) تحجيما لمشاكل الممارسات الجنسية
غير الآمنة؟، هنا تطلب الوثيقة إتاحة خدمات
الصحة الجنسية والإنجابية لجميع الفتيات غير
المتزوجات وأن تتكفل الحكومة (أي حكومة)
بالمراهقة الحامل من غير زواج؟!. -
أن يتم تعليم الأطفال في سن الثامنة
والتاسعة كيفية ممارسة الجنس الآمن وهي
الممارسة غير الشرعية (الزنا واللواط). -
أن يشمل تعليم الجنس للأطفال في المدارس
الرسمية الإلزامية!! -
أما فيما يخص بند "الزواج النمطي" أو
الشاذ فيقول د. المطعني: "إن مجرد النظر (وليس
الفحص والتدقيق) في هذه الإجراءات يسفر عن
مساوئ كثيرة وآفات خطيرة وانتكاسات مريرة،
سوف تصيب -وقد أصابت فعلا- الحياة الإنسانية
بنكبات وكبوات فاضحة وانتكاسات مريعة تفقد
معها الإنسانية كل المقومات المميزة لها،
فتنحدر إلى أسفل سافلين وتصبح الحيوانات
العجماوية وذوات الأربع والحشرات أعلى منها
شأنا وأرقى حياة وأضبط منها سلوكا وأبقى منها
وجودا"، وأفرد بحثا علميا بالأرقام عن
مفاسد هذا الانحلال الخلقي في الغرب وكيف أنه
ساهم في انحطاط المرأة ولم يحررها كما قيل. وبعد
أن استعرضت الوثيقة الإسلامية بنود بكين فيما
يخص هذا الزواج الشاذ والأسرة، وتعرضت لتعريف
وثيقة بكين "للأسرة" لا على أنها وحدة
مكونة من رجل وامرأة مرتبطين بعلاقة زواج
شرعي، ولكن استخدمت بدلا من هذا التعريف
تعريفا آخر في "بند 13" هو "للأسرة عدة
أنماط مختلفة" (!!) -قالت: 1-
إن الأمم المتحدة تجاوزت صلاحيتها والدائرة
المسموح لها التحرك فيها وحاولت أن تغتصب
مهمات هي من اختصاص رب العالمين، لم يأذن فيها
لمخلوق مهما علا شأنه، تلك المهمات هي
التشريع فأحلت ما حرم الله وحرمت ما أحله
الله، ثم وصفت نفسها موضع المرجعية الأولى في
الوجود بل موضع المرجعية الأعلى، منها يبدأ
الأمر ثم إليها ينتهي، وما هذا بالأمر الهين
فليست هي مصدر الإلزام في الأمور التي حاولت
إخضاعها لأمرها ونهيها وما هي صاحبة أمر ولا
نهي. 2-
مضادة قراراتها لعقائد الشعوب المؤمنة سواء
كان الإيمان يهوديا أو مسيحيا أو إسلاميا وهي
الشعوب التي تتجاوز أعدادها ثلثي سكان
العالم، وهذه القاعدة الطويلة العريضة
العميقة ليس من الممكن مهما كثفت الأمم
المتحدة من الدعاية للترغيب أو الضغوط
للترهيب أن تتجاوب مع بنود هذه الوثيقة حتى
ولو قدر -لا سمح الله- أن توقع الحكومات
والأنظمة الإدارية والسياسية عليها، فإن هذه
الشعوب على اختلاف عقائدها لن تخضع لها قولا
ولا عملا لأية دعوات هدامة من شأنها أن تحول
المجتمعات الإنسانية إلى قطعان من الماشية أو
السوائم لا يهمها إلا ملء بطونها من الكلأ
المباح ثم (الشرط) والنوم العميق. 3-
إن في بنود هذه الوثيقة حربا مدمرة لمكارم
الأخلاق والفضائل النفسية والسجايا النبيلة
وفي مقدمتها العفة والطهارة والسمو الروحي
والألفة والتعاون والتواد والتراحم
والتعاطف، والأخلاق الفاضلة هي السمة
العالية التي تميز بين المجتمعات البشرية
وبين أحراش الحيوانات والحشرات الضارة. ومعروف
أن من أهم البنود التي حوتها الوثيقة التي
انبثقت عن بكين: فرض فكرة حق الإنسان في تغيير
هويته الجنسية (من ذكر إلى أنثى، ومن أنثى إلى
ذكر، أو أن يختار أن يكون بينهما)؛ ومن ثَم
الاعتراف رسميا بالشواذ، والمطالبة بإدراج
حقوقهم ضمن حقوق الإنسان، ومنها حقهم في
الزواج وتكوين أسر، والحصول على أطفال
بالتبني أو تأجير الأرحام. كما
طالبت الوثيقة بما أسمته "حق المرأة
والفتاة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من
تشاء وفي أي سن تشاء"، وإلزام جميع الدول
بالموافقة على ذلك، وهو ما أثار تحفظ دول عدة،
بينها دول إسلامية. - أما ما يخص قضية (رفع الحد الأدنى لسن الزواج) فقد انتقدته الوثيقة الإسلامية بشدة وقالت: إن "واضعي وثيقة الأمم المتحدة المعادون لنظام الأسرة الشرعية التي يطلقون عليها الأسرة النمطية أو الأسرة التقليدية ويعتبرون ممارسة الجنس في ظلها غير آمن، توقعوا أن نظام هذه الأسرة سيظل قائما مهما حاولوا القضاء عليها ولهذا تراهم يباعدون عن قيامها ويدعون إلى وضع حد أدنى لإباحة الزواج من حيث السن، أي ألا يسمح بزواج ذكر وأنثى حتى يبلغ سنا محددة يتفق عليها ربما يكون خمسة وعشرين عاما كما جاء في بعض الاقتراحات"؟. الجزء
الثاني- المشروع البديل: يتلخص
هذا المشروع في تقديم "بديل إسلامي" عن
فكرة "الجندر" والصراع بين الرجل
والمرأة، وعن فكرة أن المرأة -كما يصورها
الغرب - كلها شر، وتعاني معاناة كبيرة من
الرجل، ويجب تخليصها مما هي فيه بتحريرها من
سيطرة الرجل المادية (!)، وذلك بتقديم دراسة
توضح أوضاع المرأة قبل الإسلام وبعده،
وأوضاعها في الفكرين اليهودي والمسيحي بهدف
الوصول في نهاية المطاف للتصور الإسلامي
لأوضاع المرأة ومساواتها الحقيقية بالرجل
واحترام الإسلام لها. -
فبعد أن تناولت الدراسة موضع المرأة في
العصور القديمة، فرقت بين "الفكر الديني
اليهودي" الذي وضعه الحاخامات من عند
أنفسهم، وبين "الشريعة الموسوية" لأنها
من عند الله، وقالت: إن الفكر الديني اليهودي
الذي قال به حاخامات اليهود وأحبارهم هو الذي
وقع فيه الظلم على المرأة، وسُلبت حقوقها،
وجُعلت المرأة فيه موضع اتهام وريبة، ومصدرا
للشر والفساد، ومحطا للعنة الله، ورمزا
للحرمان والشقاء، لا على نفسها وحدها، ولكن
على أنواع الخلق البشري كله؛ إذ لولاها -في
ذلك الفكر- لخلت الحياة من جميع الشرور؟! -
ثم انتقلت لدور المرأة في "الفكر المسيحي"،
فقالت: إنه بسبب الإجراءات التعسفية ضد
المرأة التي أدخلها "بولس" على الفكر
الديني المسيحي المعاصر جنح بعض فقهائهم في
احتقار المرأة إلى أبعد الحدود، بعد أن
اعتمدوا كل ما قرره الفكر الديني اليهودي في
جانب المرأة. وشددت
الوثيقة الإسلامية على تبرئة الرسالتين -اليهودية
والمسيحية- كما أنزلهما الله مما نسبه لهما
"الفكر الديني البشري " قائله: "نبرأهما
كل البراءة من أي حيف يقع على المرأة أو على
غير المرأة، وهذا غير الفكر البشري المنسوب
إلى القيادات الدينية بعد نزول الوحي الأمين". منظور
الجندر وختمت
الدراسة بالبديل الإسلامي لـ"منظور الجندر"،
حيث استند الدكتور المطعني إلى القيم
والمبادئ الإسلامية في شئون المرأة والطفل
كما جاءت في مصادر الإسلام الأصول، وفي
مقدمتها القرآن والسنة النبوية الشريفة،
وختمت الدراسة بالقول: "لن نجد نظاما غير
الإسلام واءم كل المواءمة في تقرير الحقوق
والواجبات في جانب الرجل والمرأة، مثل ما
واءم الإسلام في هذه المجالات، ثم انتشل
الإسلام المرأة من أوحال الحضارات الوضعية
وجعل لها ما جعله للرجل من المساواة والعزة
والكرامة بما لم يسبق له مثيل في تاريخ البشر
إلى هذه العصور التي ازدهرت فيها المعرفة
الإنسانية، وبلغت آفاق السماء". وشددت
الدراسة التي قدمها د. عبد العظيم المطعني على
شرح كيفية أن الإسلام لم يحرم المرأة من شيء
تصلح له، ولم يفرض عليها شيئا ضد طبيعتها. وقد
خلصت الدراسة إلى القول: إن "بكين 1995.. وثيقة
جاءت بنودها شاذة كل الشذوذ إذ ادعت العداوة
بين الرجال والنساء، وأباحت الشذوذ الجنسي
بقوة القانون، وادعت أن نظام الأسرة انحراف
يترتب عليه ظلم المرأة وامتهانها، وشنت حربا
لا هوادة فيها على العفة والطهارة، وجعلت
القذارة سلوكا مألوفا، وحقا من حقوق الإنسان
واعتبرت تجريمها انتهاكا لحقوق الإنسان". سر
وثيقة بكين؟! وقد
أشار المطعني في نهاية دراسته إلى أن السبب
وراء هذا المنحنى الخطير الذي تنحوه منظمة
الأمم المتحدة من خلال وثيقة بكين لخصته سيدة
أمريكية فاضلة (كاترين بالم فورث) حين قالت: إن
لجنة المرأة في الأمم المتحدة شكلتها امرأة
إسكندنافية كانت تؤمن بالزواج المفتوح ورفض
الأسرة، وكانت تعتبر الزواج الشرعي قيدا على
المرأة، وأن الحرية الجنسية لا بد أن تكون
مطلقة (لا ضوابطَ فيها). وقالت: إن المواثيق
والاتفاقيات الدولية التي تخص المرأة
والأسرة والسكان تُصاغ الآن في وكالات ولجان
تسيطر عليها فئات ثلاث هي: (الأنثوية المتطرفة
- أعداء الإنجاب والسكان - الشاذون والشاذات )!. وقال:
"لقد كشفت السيدة (كاترين) السر وراء هذا
التردي الخطير في توجهات منظمة هيئة الأمم
المتحدة وما كان لنا أن نثق في هذه الفئات
الثلاثة ونتركهم مع فساد طبائعهم وسلوكهم في
مقام القيادة والتخطيط للإنسانية الراقية
بعد أن قطعت أشواطا من التحضر والنهوض". وأضاف:
إنهم "أفرغوا أوهامهم وما في أنفسهم من
شذوذ فكري وسلوكي في هذه الوثيقة ليطبعوا
العالم كله بالدناءة والإسفاف والحقارة
والهمجية ويقتلوا كل ما في الوجود من قيم
الطهر والعفاف والتآلف والود...". ومن جذور
هذه النزعة الإباحية من حيث النشاط الفكري
المجرد: -
جمهورية أفلاطون المعروفة حيث اقترح إباحة
الممارسة الجنسية المشاعية في مزرعة تفريخ
بشري بين مجموعة من الرجال والنساء يتبادلون
ألوان المعاشرة الجنسية بشكل عشوائي حتى لا
يعرف المولود من هو أبوه ولا من هي أمه؛ لأن
الأطفال يخلطون بعد ولادتهم لتجهل أمهاتهم
كما جهل آباؤهم، حتى حارسات هذه المزرعة
اشترط أفلاطون أن يقفن على أبوابها عاريات،
وادعى أن عريهن لا يقدح في عفتهن ما دمن
يتحلين بالفضيلة. -
ثم المزدكية والمانوية في فارس القديمة قبل
الإسلام حين ظهرت أفكار تنادي بشيوعية الفروج
في عهد كسرى أنوشروان الذي عارضه ابنه خشية
على مصير أمه فلما أصر كسرى أنوشروان قتله
ابنه ليحمي شرف أمه. -
أما عمليا فإن عمل قوم لوط هو أكبر جذر عملي
وقدوة سيئة لوثيقة الأمم المتحدة لأنهم كانوا
يأتون الرجال شهوة من دون النساء فرفع الله
قريتهم إلى السماء ثم قلبها على رءوسهم وأرسل
عليهم حجارة من سجيل وما هي من الظالمين ببعيد. ونبه
د. المطعني -في الدراسة- إلى أنه من صلاحية
هيئة الأمم المتحدة أن تفرض عقوبات رادعة على
كل مَن يخالف منظور الجندر (وثيقة بكين)، ولم
يلغِ كل الفروق بين الرجل والمرأة، ويحول دون
الأطفال وممارسة حقوقهم الجنسية!. وقال:
إن العقوبات التي ستفرض على النظم والحكومات
المخالفة قد تكون إما حرمانهم من المعونات
الدولية، وإما عقوبات أخرى أشد قسوة من
الحرمان من المعونات الدولية، وقد تكون هذه
العقوبات الأخرى الطرد من المنظمات الدولية،
أو شن الحرب المسلحة عليها بتهمة انتهاك حقوق
الإنسان؟!. لماذا
لم تصدر الوثيقة من الأزهر؟! كان
هناك أمل كبير من جانب اللجنة العالمية
الإسلامية أن تصدر الوثيقة الإسلامية
البديلة من جانب أكثر من عالم من علماء الأزهر
كي يكون لها صدى جيد في الأوساط الدولية
والأمم المتحدة بسبب مكانة الأزهر كمؤسسة
إسلامية كبيرة، ولكن المفاجأة كانت في إعراض
عدد من علماء الأزهر أولا عن كتابة هذه
الوثيقة، لينبري لها الدكتور المطعني ويقول:
أنا لها إلا أن يدركني الموت!. ويذكر
"أن قرابة 20 من العلماء وأستاذة الأزهر لم
يبدوا حماسا يذكر للموافقة على كتابة هذه
الوثيقة حين عرض عليهم الأمر، بل رفض بعضهم
التوقيع عليها عندما كتبها د. المطعني، وتلكأ
آخرون طالبين أن يقرءوها أولا وكأنهم يشككون
فيما كتبه د. المطعني. والوحيد
الذي عرضت عليه سكرتارية اللجنة الإسلامية
العالمية من أجل المرأة والطفل الأمر ووافق
على التوقيع على الوثيقة كان هو الدكتور يوسف
القرضاوي، ولكن لظروف سفره خارج مصر لم يستطع
وضع توقيعه عليها، ولظروف العجلة وضرورة
ترجمة الوثيقة وعرضها قبل مؤتمر نيويورك،
انتهى الأمر بخروج الوثيقة بشكل عام من
اللجنة الإسلامية العالمية. وبسؤال
د. المطعني عن لماذا لم يعرض الأمر على مشيخة
الأزهر، وعلى علماء آخرين كي يخرج الأمر
بصورة جماعية كوثيقة من الأزهر الشريف مما
يقويها أمام المؤتمر، ويدفع الأمم المتحدة
لإعطائها قدرا أكبر من الأهمية، ضحك وقال: إن
بعض العلماء ليس لديهم استعداد، ولم يتعودوا
الاشتغال بهذه الأمور، ثم كشف -مع تكرار
الإلحاح- عن الحقيقة السابقة الأليمة!!. فوفقا
لما قالته له مصادر في سكرتارية اللجنة
الإسلامية العالمية: "لا تستطيع الوفود
العربية الرسمية المشاركة في المؤتمر أن ترد
على وثيقة بكين لأن أعضاءها الدبلوماسيين
ليست لديهم الخبرة!!، واللجنة قالت: إنها ذهبت
إلى 20 عالما أزهريا ليمدوا لها العون فقالوا
ما معناه "مش فاضيين" والوقت قصير!!. وعندما
استقر الأمر عليه ووافق وأنجز كتابة الوثيقة،
قالوا له في اللجنة الإسلامية: هل لديك مانع
من أن توقع شخصيات إسلامية وأزهرية أخرى معك
على هذه الوثيقة بحيث تكون عملا جماعيا ووجهة
نظر موحدة؟، رحب الدكتور المطعني على الفور
لأنه قال: إن الغرض ابتغاء مرضاة الله لا
الشهرة ولا الربح. وجاءت
المفاجأة عندما أبلغته مصادر باللجنة أن أحدا
من العلماء الذين اتصلوا بهم -غير معروف من هم-
لم يرض التوقيع على الوثيقة كما كتبها
الدكتور المطعني -باستثناء القرضاوي الذي
تبني الأمر ورحب به- وطلبوا (العلماء
والأساتذة) قراءة ما كتبه المطعني أولا قبل
التوقيع.. ولأن الوقت لا يسمح بمراجعة كل عالم
لهذه الأوراق الـ 125 والتعليق عليها أو
الإضافة إليها، بسبب دخول وقت المؤتمر، اضطرت
اللجنة لصرف النظر عن هذه الفكرة النبيلة بأن
تصدر الوثيقة جماعية باسم علماء الإسلام،
وخرجت منفردة باسم الشيخ عبد العظيم المطعني
وباسم اللجنة الإسلامية العالمية. وعندما
عدت للإلحاح على الشيخ المطعني وسؤاله: لماذا
يرفض العلماء مثل هذا الأمر؟، لخص الأمر
بكلمة واحدة "الكسل".. كسل بعض العلماء
وعدم استعدادهم لخدمة العمل الإسلامي العام
والانشغال بأمور أخرى دنيوية؟!. **صحفي مصري |
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||