|

|
|
الأطفال يعانون من البرد القارس
|
"المحسوم"..
تلك المفردة التي أضحت على شيوع يومي في حياة
الفلسطيني، إلى الدرجة التي جعلت الفلسطيني
لا يكلف نفسه عناء ترجمتها إلى العربية، على
هيئة "الحاجز" أو "المعبر" مثلا!..
بل ينطقها بعبرية، ضاجة المعنى والدلالة،
باسمها: "المحسوم".
و"المحسوم"،
كما يقول عزمي بشارة، مصدرها "حسام": أي
سد الشارع، قطع الطريق، وقف الحركة، وهي
تعني "الحاجز"، ومنها "الحواجز"
التي تقيمها قوات الاحتلال، فتسد على الناس
في فلسطين المحتلة دروب الحياة، وتكاد تريد
التقاط الأنفاس، وقبضات الهواء من الصدور،
قبل أن تنوي القبض على آخر حلم بالتنقل، أو
طيف فكرة في مخيلة من يريد في نفسه شيئا.
المحسوم
عنوان رحلة العذاب
و"المحسوم"،
كما يراه بشارة في روايته، يغدو هو الفاصل،
وهو الواصل، بين عالمين، هو الحدود، وهو
المعبر، هو الألم، وهو الأمل بالخروج. عند
حافته تتكثف المأساة الفلسطينية اليومية،
بعيدا عن الشعارات والتنظيرات، وبعيدا عن
التوعدات.
إنه
عنوان التفصيل اليومي، سواء للطفل الذاهب
للمدرسة، والرجل الباحث عن ساعة عمل، أو زاد
من الطعام، يفي حاجة الأفواه التي خلفها طي
البيت، هو عنوان التفصيل اليومي للفتى
الذاهب للجامعة، والفتاة وعريسها، وللمرأة
التي تحاول الوصول إلى سوق، أو مشفى، أو يد
قابلة تنجيها من رفسات جنين يصر على الخروج
للحياة.
هكذا
يريد "المحسوم" قهر الفلسطيني وطرده،
أو التهام وقته وجهده، وإتلاف أعصابه وقدرته
على الصبر وطاقته على التحمل، يريد منه أن
يزهق روحه، وأن "يكفر" بالوطن عندما
يغدو سجنا، لا يترك المحسوم صغيرا ولا
كبيرا، لا رجلا ولا امرأة، إنه يحاول
التقاطهم جميعا، وكسرهم.
والجندي
الإسرائيلي المنحوت، كأنما من قطع أسمنت "المحسوم"
ذاته، والمدجج بقسوته، يحرص على أن يكون
سريع الانفعال، لا يحتمل الشكوى، لا يسمعها،
ولا يتقبلها، ستراه دائما يده على الزناد،
وصوته يلعلع صارخا بالأوامر: "إنتَ.. رُوح
من هون!.. ارجع!.. ممنوع...".
وقد
يكل ويمل الزمن، ويبقى الفلسطيني على عناده،
أو ما تبقى له منه، فيأتي كل يوم، يعاود
الكرة، ليصر الصغير على الوصول إلى المدرسة،
والشاب إلى الجامعة، والرجل إلى العمل،
والمرأة إلى السوق، أو لتضع مولودا فلسطينيا
جديدا، يثير الرعب في جداول الديموغرافيا،
وقنابلها المزعومة، آخر أسلحة التدمير
الشاملة التي يستحق عليها الفلسطينيون
العقاب!
هل
من السهل المرور على تلك المعلومة التي تقول:
إن "52 امرأة فلسطينية أنجبن على الحواجز..
وإن 19 امرأة، و29 طفلا حديث الولادة، توفوا
عندها"!
الحاجز
والسينما
|
|
|
من وراء الحاجز |
ألم
تنتبهوا إلى الشاعر محمود درويش، وهو يتوقف
أمامه في فيلم "الأرض تورث كاللغة"
للمخرجة سيمون بيتون، عام 1998، قائلا: "هنا
ينتهي كل شيء..!"
عنده
تنبني الحدود، وتنهض الموانع، والعوائق!..
كأنما الأفق ذاته ينغلق، ومساحات الوطن
تنتهي.. فمن تراه يمر دون رغبة، أو موافقة، أو
سماح متلكئ...؟
أي
عودة تلك التي يمكن أن تتأنق احتفالا
بالوطن، إذا كان الفلسطيني لا يستطيع المرور
من بين أصابع "المحسوم"؟.. من تراه يمر؟..
من يعبر؟.. بل من تراه يقدر أن يكفي نفسه
مئونة الذل والقهر والانتظار الممل...؟
قبل
ذلك بسنوات، كانت المخرجة مي المصري تحاول
ابتداع كل السبل للمرور من بين الأصابع
ذاتها.. كان ذلك في فيلمها "أطفال جبل
النار" عام 1991، فعودتها إلى مدينتها نابلس
بعد سنوات طويلة من البعد القسري، جعلها
تكتشف كيف تنتشر "المحاسيم" في
المدينة، مداخلها ومخارجها، وتفاصيلها،
كالفطر السام.
وفي
فيلم المخرج رشيد مشهراوي "توتر" 1998،
يقوم بمحاولة بصرية جريئة للنظر إلى ذلك
القلق والذل والقهر الذي يعيشه الفلسطيني في
تفاصيل يومه! من المعابر التي تطوق قطاع غزة.
هناك
حيث مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين
ينسلون من بيوتهم، تحت جنح الظلام، وقبل أن
ينقشع الليل بتباشير ضوء الفجر، ليصرفوا
ساعات النهار الأولى في الانتظار، وحيث
أصابع الجنود تمر بنذالة على تفاصيل
الأجساد، وتتغلغل بوقاحة في ثنايا الثياب،
وتفض بكارات العلب الكرتونية، والصرر
القماشية، التي انطوت على هدية لقريب، أو
لزوم زيارة مريض، وينتقل الفيلم إلى المعابر
التي تطوق الضفة الغربية، والقدس، حيث الأمر
أدهى وأمر.
وترى
حالات إغماء، أو ارتفاع ضغط، أو انخفاض سكر،
واختناق قاتل من شدة التعب، ووطء الانتظارات
التي يتعرض لها الفلسطينيون على حافته!..
وقد
رصد المخرج رشيد مشهراوي هذه المأساة في
فيلمه الأول "جواز سفر" 1987، وهو فيلم
روائي قصير (20 دقيقة) للحديث عن مأساة شاب
فلسطيني يريد المرور بين معبرين يحددان
حياته، معبر إسرائيلي ومعبر عربي..!
فيضيع
بينهما، وتتصاعد مأساته إلى حد الموت.. كما
أنه جعل حكاية آخر أفلامه الروائية الطويلة
"تذكرة إلى القدس" 2002، تدور حول تلك
المحاولة الدائمة والدائبة لبطله (جبر) في
المرور من الخرم ذاته.
يرى
عزمي بشارة، أن وجود "المحسوم" يطغى في
حياة الفلسطيني، على كل شيء.. إنه يتخلل كل
تفاصيل الحياة، حتى إن نفسية الناس مرتبطة
بالخبر الوارد عنه، وبه يتعلق كل شيء،
خططهم، مشاريعهم، لقمة العيش، مكان العمل،
صف المدرسة، وقاعة الجامعة، كل التفاصيل
تبدأ من حيث موقعها: أهي أمامه، أم خلفه؟.. هل
من الممكن المرور، أم لا..؟ كل الاعتبارات
تبدأ بـ "المحسوم"، وربما كل شيء ينتهي
عنده.
الحاجز
غزا "كان"
|
|
|
الجدار العنيد |
يعلو
"المحسوم" فوق رؤوس الجميع، فقد حاز
فيلم "يد إلهية" للمخرج إيليا سليمان
على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان
كان السينمائي الدولي عام 2002.
ينبني
فيلم "يد إلهية" على وجود "المحسوم"
المرتفع ببنائه المعدني، وقطعه الإسمنتية..
جنده وأسلحتهم.. أدوات الرصد والمراقبة..
والأوامر بالتوقف، أو المنع من المرور، أو
العودة من حيث أتيت.
يمرون
أو لا يمرون!.. ذلك هو جوهر حكاية الفلسطيني
اليومية.. ولا يجد الفلسطينيان، أقصد بطل
الفيلم وبطلته، سوى اللقاء عند حافة "المحسوم"..
في الفناء الملحق به.. واللقاءات المتتالية
ستسمح لنا من خلال عيني بطلي الفيلم أن نرى
تلك الممارسات الوقحة.. ومنها ذلك الجندي
الثمل الذي يتصرف بالفلسطينيين المتوقفين
في طابور انتظار المرور، كما يريد.
حتى
أنه يجعل منهم من يرقص معه وينشد لـ "حياة
إسرائيل وشعبها...!"، وسنرى تفاصيل أخرى،
في فيلم "عرس رنا" للمخرج هاني أبو
أسعد، 2002، حيث يؤشر الفيلم إلى وقوف الحاجز
بين الفلسطيني ونفسه، ويقوم بعقد القران بين
العروس وعريسها على حافته، رغم كل شيء.
المحاسيم
"الإنسانية"!!
"لا
تفكر إسرائيل في إزالة "المحاسيم"
الحواجز، أبدا.. أو حتى التقليل من عددها.. بل
إنها تفكر، رحمة منها بالفلسطينيين، أن
تدججها بالمرافق الملحقة، وأن تجعلها أكثر (إنسانية)..
ستوزع الحلوى، وكؤوس الشاي الساخنة، على
المنتظرين، ولن تجعلهم ينتظرون أكثر من ست
ساعات، مثلا...!
ابتهجوا..
سيحصل
الفلسطينيون على "محاسيم" أكثر إنسانية!..
وربما
سيقوم الفلسطينيون بدعوة الأصدقاء، لقضاء
وقت جميل..
ربما،
التمتع بالوقوف قرب قطعها الإسمنتية، وتحت
أبراجها المعدنية، وفي المدى المجدي لأسلحة
جندها.. تماما كما يحتفلون، الآن، عند حافة
الجدار الفاصل، الجد الأعظم لكل المحاسيم...!!
فمن
تراه قال: إن الدولة الفلسطينية ليست قاب
قوسين أو أدنى (من محسوم، وحاجز، ومعبر،
وجدار فصل)...؟
**
ناقد سينمائي فلسطيني مقيم في سوريا
تابع
في نفس الموضوع: