آخر تحديث: الأربعاء 22 جمادى الأولى 1426 ـ 29 يونيو 2005

تم البث: 22 يونيو 2005

ابحث

بحث متقدم

الرئيسية


"سينما الحواجز": اختراع إسرائيلي.. واحتكار فلسطيني

نائلة خليل**

2005/06/29

آلاف من البشر تنتظر العبور

وجد المخرجون الفلسطينيون في الحواجز مادة سينمائية مختمرة، فالإسرائيليون يوفرون الديكور والبطولة الشريرة، والفلسطينيون "ضحايا" جاهزون للتصوير على مدار الساعة.

فأنت، كفلسطيني، تتحول إلى ضحية عندما تنتظر على مدار ساعات أن يسمح لك جنود الحاجز أن تصل إلى عملك، أو بيتك، أو مدرستك، أو لمن تحب، ولا أفضل من كاميرا تصطاد لحظات انفعالك.. انتظارك.. عجزك.. وأحيانا كثيرة فشلك في اجتياز الحاجز.

وبين هذا كله تعلن عدسة الكاميرا عن رغبة لا تؤجل في توثيق "الهوس الإسرائيلي في خنق الفلسطيني" دوما، خاصة أنه يوجد في الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر من 600 طريق مغلق بحواجز ثابتة تصل إلى 150 حاجزا ثابتا، بالإضافة إلى الحواجز الطيارة، كما يحب الفلسطينيون تسميتها، فعلت ما فعلته بحياة الفلسطيني البسيط، المهمش، القابض على الجمر في سبيل بحثه عن حريته.

هوس في السيطرة

وللمخرج الفلسطيني صبحي الزبيدي تجربة مع سينما الحواجز، حيث أخرج فيلمي: "عبور قلنديا" في 2001، و"أغنية طائر سجين" 2004.

يقول الزبيدي: "أكثر ما يميز الحياة خلال الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية وقطاع غزة هو تقطيع الأوصال جغرافيا واجتماعيا حيث برعت إسرائيل في اختراع تكنولوجيا السيطرة التي يعتبر الحاجز أحد أشكالها، والجدار أبوها بامتياز".

ويضيف: "تهدف هندسة الحواجز الإسرائيلية لجعل الفلسطيني فاقدا للسيطرة على نفسه من جانب، وعلى علاقته بالمكان من جانب آخر، وهذا ما يميز الاحتلال الإسرائيلي عن الاحتلال الكلاسيكي الذي قرأنا عنه.. إنها "الوقاحة ليس أكثر".

ويرجع الزبيدي سبب كثرة الأفلام الفلسطينية التي تتناول الحاجز إلى أنها تعبير عن ما يعيشه الفلسطيني من انتهاك لأبسط حقوقه، وتدمير لعلاقته بالمدرسة، والعمل، والعائلة، كل هذه العلاقات دخل فيها طرف ثالث هو الحاجز العسكري الذي يجعل الفلسطيني، الذي ينتظر لساعات طويلة تحت الشمس أو المطر، يشعر بالعجز... وهذا ليس سهلا".

وبحسب رؤية الزبيدي فإن "وظيفة السينما بشكل عام والوثائقية بشكل خاص هي قراءة واقع الناس، وعكسه في السينما بصفتها الوسيلة المثلى لذلك".

ويقول: "كثرة أفلام الحواجز بمثابة تعبير عن الوضع اللاصحي الذي نعيش فيه يوميا، ونسعى للتخلص منه".

علاقة خارج السيطرة

فى نقطة التفتيش

يعد فيلم "عبور قلنديا" للزبيدي من أوائل الأفلام التي تناولت الحواجز، حيث يعرض الزبيدي في هذا الفيلم تجربته الشخصية التي يمكن أن تنسحب جيدا على آلاف التجارب الشخصية للفلسطينيين.

فبعد ولادة طفلته الأولى "كنزى" عام 2001 أصبح وجود حواجز الرام وضاحية البريد تتدخل في العلاقة الشخصية للعائلة بصوت عال، خاصة أن زوجته من القدس، وتنتقل يوميا بين القدس ورام الله.

يقول الزبيدي: "واقع جديد فرضته هذه الحواجز، فعلى ضوئها أصبحنا نتساءل: كيف نرتب وقتنا؟ في أي حضانة سنضع طفلتنا؟ وإلى أي دكتور سنذهب؟ باختصار أصبحت الحواجز تأخذ بعين الاعتبار عن التخطيط اليومي لحياتنا".

فقرر الزبيدي أن ينجز الفيلم يوم ولادة طفلته "كنزى"، ويعلق: "يعكس الفيلم خوفي من أن هناك ما يقف بيني وبين طفلتي، فبمجرد أن تقطع زوجتي وطفلتي حاجز قلنديا إلى القدس، تبدأ علاقتنا خارج السيطرة، أحيانا كان من المخطط له أن تذهب زوجتي وطفلتي ليوم واحد إلى القدس، عادة ما كان يغلق الحاجز ويبقيان بعيدين عني لأيام، أنا في رام الله وهما في القدس، ولا أحد يستطيع أن يصل إلى الآخر لأن هناك حاجزا مغلقا!!".

ومن أبرز مشاهد فيلم "عبور قلنديا" مشهد يظهر جندي يقف على الحاجز، ويحرك إصبعه في حركة فوقية يسمح لرجل أن يدخل، ويمنع آخر، بمنتهى البساطة.. إصبع جندي يتحكم بإرادة وأحلام مئات المواطنين الذين يزدحم بهم حاجز قلنديا يوميا.

"من أي علبة زبالة؟"

وللمخرج الإسرائيلي تجربته أيضا داخل سينما الحواجز، لكن أين تقف عدسة المخرج الإسرائيلي؟ وهل يتمتع كل من المخرج الإسرائيلي والفلسطيني بذات المزايا؟

يقول الزبيدي: "يتمتع المخرج الإسرائيلي بمزايا يفتقدها المخرجون الفلسطينيون لأنهم ببساطة "ضحايا"، وهذا يكفي لأن يعذبوا نهارا كاملا دون أدنى مبرر"، أما المخرج الإسرائيلي "فيسمح له بالتصوير وكذلك الدخول في نقاش ندي مع الجندي الإسرائيلي، وإذا استدعى الأمر يصرخ عليه ويشتمه، وهذا من المستحيل أن يفعله المخرج الفلسطيني".

ويعطي الزبيدي مثالا على ذلك، قائلا: "في فيلم المخرج الإسرائيلي أفي مغربي مسعداة، في مشهد على حاجز إسرائيلي قرب قلقيلية، يعود طلاب مدرسة وينتظرون من الجندي أن يفتح لهم الباب، والجندي لا يأبه بهم، ويدخن، ينتظر الأولاد والمخرج ويطول انتظارهم، لكن المخرج الإسرائيلي يفقد سيطرته، ويصرخ على الجندي بأن يفتح لهم الباب، ومع ذك لا يأبه الجندي، عندها يفقد المخرج أعصابه، ويصرخ بالجندي: من أي علبة زبالة أنت طالع؟!، ويجيبه الجندي: من نفس العلبة اللي طلعت أنت منها.. ويرد عليه المخرج: قلتها بفمك".

90 في المائة

الانتظار

أما الدكتور تيسير مشارقة رئيس دائرة الإعلام والتلفزة في جامعة القدس في أبو ديس، عضو الهيئة التنفيذية في جماعة السينما، فيقول: "ربما المقصود بسينما حواجز بعض الأفلام التي كان موضوعها الرئيسي هو الحاجز ومن هنا فالمفهوم صحيح، لكن هذا المفهوم يجب ألا يعمم، حيث يوجد لدينا سينما عائلية، وسينما حب، وغيرها".

ويضيف: "أنا أختلف مع إطلاق سينما الحواجز على كل السينما الفلسطينية؛ لأن السينما الفلسطينية هي سينما شعب ومواطن يعيش على أرضه، له همومه، ومشاكله الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والأمنية والعسكرية مع الاحتلال".

كما يختلف مشارقة مع رأي بعض المخرجين الذين رأوا أن الحاجز أصبح بطلا لعدد غير قليل من الأفلام منذ بداية الانتفاضة، ويقول: "لم يكن الحاجز في يوم من الأيام بطلا، بل هو أداة قمع وعنف، وجزء من الواقع الفلسطيني السيئ، وهناك مخرجون إسرائيليون وأجانب تناولوا موضوع الحاجز الإسرائيلي بأفلامهم، ومع ذلك لا يمكن أن نضع كل السينما الفلسطينية تحت مظلة تدعى سينما الحواجز، بالرغم من أن آخر 10 سنوات من السينما الفلسطينية شكل الحاجز ما يزيد عن 90% منها".

ويؤكد مشارقة: "لا يجوز أن يهيمن الحاجز على الإبداع الفلسطيني أو يخنقه، فعقلية السينمائي الفلسطيني ليست عقلية حاجز أو جيتو، العقل الفلسطيني أبعد من الحاجز وفكرة الجيتوية، وخيال السينمائي قادر على تذليل الحاجز رغم قساوته".

الهروب من العزلة

لم يحصل المخرج الفلسطيني رائد الحلو صاحب فيلم "بائع الشاي" منذ سنوات على تصريح ليزور عائلته في غزة مسقط رأسه التي يفصلها عن الضفة الغربية حاجز أيضا.

وفي فيلم "بائع الشاي" الذي أخرجه الحلو بمناسبة مرور 50 سنة على النكبة، هناك مشهد تدخل فيه الكاميرا إلى حاجز إيريز.

عندما سأله الجندي هذا الفيلم بمناسبة شو؟

أجابه الحلو بسخرية: "بمناسبة خمسين سنة على تأسيس دولتكم!".

يقول الحلو: "يعتمد الخط الرئيسي في أفلامي على الحياة العادية، لكن الحاجز دائما موجود".

وحول فيلمه الأخير "لعله خير" يقول الحلو: "هذا الفيلم الذي أنجز عام 2004 كان محاولة للخروج من العزل والاختطاف التي شكلته إسرائيل على حياتي، فإسرائيل قامت باختطاف مستقبلي، وأحلامي، وعزلتني عن العالم في مدينة صغيرة هي رام الله".

يحاول المخرج الشاب في هذا الفيلم أن يهرب من العزلة المفروضة عليه، عبر البحث عما تبقى من جمال وطيبة في نفوس الناس العاديين، لكنه مهما يهرب فالحاجز له بالمرصاد.

عكس فيلم "لعله خير"، الذي أنجز في عام 2004 حياة الناس والعمال على حاجز قلنديا وسردا على مداخل مدينة رام الله، فيقول الحلو: "الفلسطيني يعيش تحت غطاء شكلته إسرائيل، أمام بيوتنا ومدننا وأخيرا أمام فلسطين والعالم".

ويعلق: "للأسف تفتخر إسرائيل بهذا الاختراع السيئ فيعتقد الجندي الإسرائيلي أنه في وقوفه وراء الحاجز ملك للكون".

وحول تناول المخرج الفلسطيني للحواجز في أفلامه يقول: "إنه من المستحيل التعبير عن الشعور الذي ينتاب الفلسطيني أمام هذا الجدار، وعندما تتعرض آدميته للسلب أمام عينيه، والأسوأ أمام عيون صغاره، وكاميرات العالم الصامت!".

ويقول: "من المستحيل أن يتناول المخرج الفلسطيني الحاجز بحيادية، لا يمكن أن تطلب من أي إنسان تُنتهك إنسانيته وتسلب كرامته أن يكون حياديا أمام الحاجز الذي ينكل به يوميا".


** صحفية وناقدة فلسطينية تعمل في رام الله

تابع في نفس الموضوع:


   

   

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع