 |
|
حتى أطفال المسلمين انتفضوا للدفاع عن رسولهم
|
عادت
صغيرتي سارة ذات السنوات الثماني من
المدرسة، بعد يوم دراسي طويل، ألقت
عليَّ وعلى أبيها التحية، ثم
بادرتْني بسؤالها على غير عادتها: هل
جهزتِ الطعام يا أمي.. فإني جائعةٌ
جدًّا جدًّا؟
بادرتُها
أنا الأخرى بسؤالي: ولماذا لم تشتري
بمصروفك طعامًا لتأكلي مثل كل يوم؟
-
لأني استخدمت مصروفي في شيءٍ مهم
جدًّا جدًّا.
-
وما هو الشيء الأهم من طعامك؟!
-
إنه الدفاع عن النبي صلى
الله عليه وسلم يا
أمي.
-الدفاع
عن النبي! وما علاقة مصروفك بالدفاع
عن النبي؟!
-
قمتُ بتصوير القائمة التي بها منتجات
الدانمارك، ووزّعتُها على زملائي في
الفصل، وطلبتُ منهم أن يعلقوها في
بيوتهم، وهذا العمل استنفد المصروف
كله.
وبعد
ذلك بدأتُ أتساءل: كيف تحملتْ طفلتي
الجوع؟ لماذا أصرت على التضحية
بمصروفها الخاص ولم تطلب مني مبلغًا
إضافيًّا تصور به هذا الورق؟ أهذه
الطفلة الصغيرة تحب النبي أكثر من
نفسها، أم هو مجرد تقليد لنا نحن
الكبار، فقامت بتصوير الورق، ولم تكن
تدري عاقبة هذا الأمر؟! أثارت هذه
الأسئلة نوعًا من الفضول بداخلي،
فسألتها:
-
ولكن ما الذي جعلك تضحين بمصروفك كله
يا سارة؟ ألم تشعري بشدة الجوع طوال
اليوم؟!
ردت
على سؤالي بسؤال آخر، جعلني أقف مع
نفسي وقفات ووقفات، فقالت: ألا يستحق
النبي صلى الله عليه وسلم
أن أضحي من أجله
بمصروفي؟!
أخذ
سؤال سارة يرنّ في أذني.. لم أتمالك
نفسي أمام طفلتي فدمعت عيناي.
أكملتْ
الابنة حديثها والابتسامة تعلو وجهها
فيزيده إشراقًا: لقد أخبرني مدرس
الفصل أن النبي صلى الله عليه وسلم
تعب من أجلنا كثيرًا، وظل يضحي 23
سنة، حتى نصبح مسلمين، وندخل الجنة،
فالنبي صلى الله عليه وسلم
كان يحبنا ويخاف علينا.
سرحتُ
بتفكيري مستحضرةً مدى المعاناة التي
لاقاها النبي، حتى يصل الإسلام إلينا،
ونولد مسلمين، وتذكرت دعوته في مكة،
وإيذاء الكفار له ولأصحابه، وأيضًا
ما عاناه في رحلة الطائف، والهجرة...
فمواطن التضحية في السيرة النبوية لا
حصر لها، وتذكرت شوقه صلى الله عليه
وسلم للقائنا؛ حيث كان في مجلسه ذات
يوم فقال: "متى ألقى أحبابي؟".
فقال بعض الصحابة: أوليس نحن أحباؤك؟
قال: "أنتم أصحابي، ولكن أحبابي قوم
لم يروني وآمنوا بي أنا إليهم
بالأشواق" [أبو الشيخ في الثواب].
وبدأتُ أسرح بشوقي مع هذا اللقاء
المنتظَر.
تنبهتُ
على صوت سارة وهي تقول لي: أنا أحب
النبي جدًّا يا أمي، فقلت لها مداعبة:
أكثر مني يا سارة؟!
خجلتْ
واحمرّ وجهها، ونظرتْ إلى الأرض،
فعلمتُ أنّ الإجابة نعم.
احتضنتُها
وقبّلتُها، وقلتُ لها: نعم يا بنيتي..
فالنبي أحبُّ إلينا من كل شيء؛ ولقد
قال صلى الله عليه وسلم: "لا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ
أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ
وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين"
[متفق عليه]، يا إلهي إنه الإيمان!!
فكيف لي أن أعيش بدون إيمان.. أقصد
بدون حب النبي؟!
الرسول
يلاعب الأطفال
قالت
لي طفلتي: أنا وزملائي من الأطفال نحب
النبي، فهل كان النبي يحب الأطفال
أيضا يا أمي؟
قلت
لها: نعم يا سارة، كان النبي يحب
الأطفال جدًّا، بل كان رغم مشاغله
الكثيرة يجلس إليهم، ويداعبهم، وفي
سيرة المصطفَى صلى الله عليه وسلم
الكثير والكثير
من الحكايات، ومنها حكاية النُّغَيْر،
فقد كان النبي يزور أنس بن مالك -رضي
الله عنه- وكان لأنس أخٌ صغير اسمه
عُمَيْر، فكان النبي لا يناديه باسمه،
بل يكنيه، ويقول له: يا أبا عمير، وكان
دائم المداعبة له، وفي يوم من الأيام،
مات عصفور عُمَيْر، فحزن الطفل
الصغير على العصفور، وأخذ يبكي، فرآه
النبي، فظلّ يلاطفه، ويقول له
مداعبًا: "يَا أبَا عُميرٍ مَا فعلَ
النُّغَيرُ (الطَّائرُ الصَّغيرُ)؟".
ضحكت
طفلتي وأخذت تردد: يا أبا عمير.. ما فعل
النغير؟! وتتغنى بها، فحملتُ طفلتي
وأخذت ألاعبها، وهي تضحك، ثم قالت لي:
أنا أحب أن تحمليني هكذا يا أمي، فقلت
لها: وأنا أيضا أحب أن أحملكِ هكذا يا
سارة، كما كان يفعل النبي مع حفيديه
الحسن والحسين، فقد كان يحملهما
ويلاعبهما. وفي إحدى المرات التي كان
يحمل فيها الحسنَ بن عَلِيّ عَلَى
عَاتِقِهِ، رآه رجل، فقال: نِعْمَ
المَرْكَبُ رَكِبْتَ يَا غُلاَمُ.
فقالَ النبيّ: "ونِعْمَ الرّاكِبُ
هُوَ" [الترمذي].
ضحكت
سارة، وقالت: إذن يجب أن نلعب سويًّا
طوال الوقت يا ماما كما كان يفعل
النبي مع الأطفال.. أحب الركوب على
كتفيكِ!!
علمهم
النبي
شعرتُ
أنّ ابنتي تريد التملّص من
التزاماتها وواجباتها المدرسية، ومن
أوامري أيضا بأسلوب لبق، فقلتُ لها:
ولكنّ النبي صلى الله عليه وسلم، كان
يعلم الصغار ويوجِّههم، مثلما كان
يلعب معهم. وسأحكي لكِ حكاية جميلة
حكاها لنا الصحابي الجليل عبد الله بن
عباس، حين قال: "كُنْتُ خَلْفَ
النبيّ يَوْمًا، فَقَالَ: "يَا
غُلاَمُ، إِنّي أُعَلّمُكَ كِلمَاتٍ:
احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ
الله تجِدْهُ تجَاهَكَ، إذا سَأَلْتَ
فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ
فَاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَمْ أَنّ
الأُمّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ
يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ
يَنْفَعُوكَ إِلاّ بِشَيْءٍ قَدْ
كَتَبَهُ الله لَكَ، ولو اجْتَمَعُوا
عَلَى أَنْ يَضُرّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ
يَضُرّوكَ إِلاّ بِشَيْءٍ قَدْ
كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ
الأَفْلاَمُ وَجَفّتِ الصّحُف".
بدأت
طفلتي تتأثر بتلك المعاني الجميلة،
فأردتُ أن أرسِّخ مفهوم المراقبة في
نفسها، فقلتُ لها: أتعرفين يا سارة..
ربما أنهاكِ عن شيء، وتفعلينَه في وقتٍ
لا أراكِ فيه، ولكنّ الله تعالى يراكِ
في كل وقت وحين.
ولكنكِ
يا أمي تطلبين مني أشياء كثيرة،
وتصرِّين أن أفعلها كما طلبتِها مني،
فإذا أمسكتُ القلم بيدي اليسرى، قلتِ
لي: تيمَّني يا سارة، وإذا تكلمت بصوت
عالٍ، قلت لي: اخفضِي صوتك يا سارة..
والأوامر لا تنتهي يا ماما.
قلتُ
لطفلتي: أنا أحبك يا سارة، وأحب أن
تصبحي أفضل فتاة في الدنيا، ولذلك
أوجهكِ وأنصحكِ وأعلمك، فأنا أعلمك
لأني أحبك، وكذلك النبي كان يحب
الأطفال ويعلمهم الآداب والسلوكيات،
فأوصى أحد الأطفال بأبيه قائلاً: "فَلا
تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ،
وَلا تَجْلِسْ قَبْلَهُ، وَلا
تَدْعُهُ باسْمِهِ" [ابن السني].
وعلّم
عمر بن أبي سلمة بقوله صلى الله عليه
وسلم: "يَا غُلاَمُ سَمِّ اللهَ،
وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا
يَلِيكَ" [مسلم].
ووجّه
رَافِع بْن عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ،
فَقَالَ: "يَا غُلاَمُ! (أو يَا
بُنَيَّ) لِمَ تَرْمِي النَّخْلَ؟".
فقَالَ: آكُلُ. قَالَ: "فَلاَ
تَرْمِي النَّخْلَ. وَكُلْ مِمَّا
يَسْقُطُ فِي أَسَافِلِهَا" [ابن
ماجه].
صغار..
لكنهم كبار
وهنا
سمعت سارة تقول: أتمنى أن أكبر بسرعة
يا ماما...
فقلت
لها مداعبة: ولماذا يا سارة؟!
قالت:
حتى أستطيع أن أدافع عن النبي صلى
الله عليه وسلم.
قلتُ:
ولكن الأطفال أيضا كانوا يدافعون عن
النبي يا سارة، وفي السيرة النبوية
القصص الكثيرة التي كان أبطالها
أطفالاً مثلك. ومن هذه القصص قصة معاذ
ومعوّذ، اللذين قتلا أبا جهل في غزوة
بدر؛ لأنهما علمَا أنه سَبّ رسول الله.
قالت
طفلتي في حماس: ما أروع هذين الطفلين
يا أمي!!
قلت
لها: هذان الطفلان الرائعان ثمرة
التربية الرائعة التي رباهما عليها
النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان
يحترم الصغير ويوقره، ويعلمه حقوقه
وواجباته، بل ويعامل الصغار معاملة
الكبار؛ لا ينقص من قدرهم أو ينحّيهم
عن مجلسه؛ ومما يُذكَر أنه صلى الله
عليه وسلم أتي بشراب، فشرب منه وعن
يمينه غلام (هو عبد الله بن عباس) وعن
يساره أشياخ فقال للغلام: "أتأذن لي
أن أعطي هؤلاء؟"، فقال الغلام: لا
والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا! فتله
(أي وضعه) رَسُول اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم في يده. [متفق عليه].
وهذا
ليس الموقف الوحيد، بل إنه كان يعلم
أطفال الصحابة فن القيادة، وكيف أن
المأمومين لا يتعدُّون إمامهم، فقد
كان هناك غلام يقرأ القرآن عند النبي،
حتى وصل إلى موضع سجدة، فتوقف الغلام
وانتظر النبيَّ أن يسجد، فلمَّا لَمْ
يسجد، قال الغلام: يا رسول الله أليس
في هذه السجدة سجود؟ قال: "بلى،
ولكنكَ كنتَ إمامنا فيها، ولو سجدتَ
لسجدنا" [فتح الباري].
وها
هو صلى الله عليه وسلم
يغرس روح الثقة
والمسئولية في نفوس الأطفال، فيرسل
"أنس" الصغير، كمبعوث خاص في
مهمة سرية، فيكون أهلاً لها؛ يقول إنس:
أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صلى
الله عليه وسلم، وَأَنَا أَلْعَبُ
مَعَ الْغِلْمَانِ.
قَالَ:
فَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَبَعَثَنِي
إلى حَاجَةٍ، فَأَبْطَأْتُ عَلَى
أُمِّي.
فَلَمَّا
جِئْتُ قَالَتْ: مَا حَبَسَكَ؟
قُلْتُ:
بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ لِحَاجَةٍ.
قَالَتْ:
مَا حَاجَتُهُ؟
قُلْتُ:
إِنَّهَا سِرٌّ.
قَالَتْ:
لاَ تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ
اللهِ أَحَدًا.
وبعد
فترة كبيرة، يطلب منه أحد أصحابه أن
يعرف السر، فقال إنسٌ: واللهِ لَو
حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا
لَحَدَّثْتُكَ، يَا ثَابِتُ. [مسلم].
وهذا
علي بن أبي طالب يعرض عليه النبي
الإسلام، فيقول عليّ: لستُ بقاضٍ
أمرًا حتى أحدِّث أبا طالب. فيكره
الرسول أن يفشي سره قبل الجهر بالدعوة،
فقال له: "يا عليّ! إنْ لم تُسلم
فاكتم هذا". وفعلاً كتم عليّ الأمر،
وحفظ سر رسول الله، رغم صغر سنه، وفي
اليوم التالي جاء إلى النبي، وأعلن
إسلامه، وكان عمره ثماني سنوات، طفل
في مثل هذا العمر، ويودعه النبي سرًّا
خطيرًا كالدعوة الإسلامية، إنهم
حقًّا رغم صغر سنهم، كانوا كبارًا
بأفعالهم وأخلاقهم، وهذا ليس غريبًا
إذا كان معلمهم ومؤدبهم هو خير البشر.
أنا
أحب الرسول
وفجأة
صاحت طفلتي وقالت في حماس: الله يا
ماما.. لقد كان عمره ثماني سنوات مثلي
يا ماما..
ثم
قالت: لكنّ الأطفال في عهد النبي
كانوا أسعد حظًّا؛ لأنهم استطاعوا أن
يفعلوا أشياء جميلة وحلوة، أما أنا
فماذا يمكن أن أفعل؟!
قلت
لطفلتي: تستطيعين فِعْل الكثير
والكثير، فيمكن أن تحفظي أحاديث
النبي، وتنفذي أوامره، وتصلِّي
عليه فالله تعالى يقول: {إِنَّ
اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، وقراءة
قصص السيرة النبوية، والتعريف
برسالته السمحة، ونشرها في كل
مكان، والاعتزاز بها، وأيضًا تحسني
أخلاقك كما كان النبي حسن الخلق، فتتشبهين
به، حتى يحبك كل الناس، أما في
الآخرة فهناك مكافأة كبيرة، وهي أنك
ستكونين قريبة من النبي، فقد قال: "إنَّ
مِنْ أحَبِّكُمْ إليَّ وأقْرَبِكُمْ
مِنّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ
أحاسِنُكُمْ أخْلاقًا" [الترمذي].
ضحكت
صغيرتي وقالت: إنها نصيحة غالية يا
أمي، والمكافأة أغلى وأعظم.
|