Top

الصفحة الرئيسية

لوحة المفاتيح العربية

بحث متقدم

ابحث

 

القرآن والتفسير

Left

استشارات إيمانية

زاد الصالحين

قلوب جريحة

تجارب ناجحة

التدين المغشوش

أخلاق الإصلاح

برامج عملية

قاموس الإيمان

سنن مهجورة

خدمات إيمانية

استشارات مباشرة

صوت وصورة

ملفات وصفحات خاصة

ساحة الحوار

Top
قلوب جريحة
جارتي.. ومحنة إنفلونزا الطيور!

سمية رمضان عبد الفتاح**

23/02/2006

عندما خرجتُ للمرة الأولى إلى شرفتي بعد الزواج، وجدتُها في الشرفة المقابلة، تبسمتْ لي وقالت: ألف مبروك، بادلتُها التحية وشكرتُها على التهنئة. كانت سيدة في غاية الذوق والرقة، ومع مرور الأيام أصبحنا صديقتين، كنتُ أحب أن أذهب إلى الشرفة لأراها، وفي أحد الأيام سافرتُ لمدة أسبوع، وعندما عدتُ، هرولتُ نحو الشرفة لأراها، فلم أجدها، وعندما سألتُ عنها إحدى جاراتي، أخبرتْني أن زوجها توفي، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.

ذهبتُ إلى بيتها لأول مرة، ورحبتْ بي رغم الظروف التي تمر بها، سألتُها عن حالها، قالت: الحمد لله، ولكن أخشى المستقبل، فالحِمْل ثقيل، وأريد أن أعمل لأربي بناتي.

ولكن، كيف لها أن تعمل وليس لديها المؤهلات الكافية، فهي حاصلة على الإعدادية، وليس لديها أية مهارة أو حرفة يمكن أن تتكسّب بها. بحثنا لها عن عمل، وعندما وجدناه كان بمرتب زهيد لا يكفي نفقاتها أسبوعًا واحدًا من الشهر.

وبعد أيام، كنتُ أقف مع جارتي على سطح منزلهم، فرأيتُ دجاجةً، ومن ورائها عشرة كتاكيت، ووجدتُ ابنتها الصغرى شيماء تحتضن الكتكوت وتقبّله، وقالت: هذا الكتكوت سأسميه كوكو، وسأربِّيه بنفسي، فضحكتُ وقلتُ لها: ثم تأكلينه بنفسك، أليس كذلك؟! فقالت: لا.. لن آكله، بل سنصبح صديقيْن.

مشروع صغير للرزق

وفعلاً بعد فترة كبر كوكو ورفاقه، وأصبح لدى جارتي تسع دجاجات، ولدى شيماء الديك كوكو، الذي نستيقظ على صياحه وقت الفجر.

وهكذا بدأت جارتي مشروع تربية الطيور لزيادة دخلها، فأتت بمجموعة من البط والإوز والكتاكيت، وغيرها من الطيور المنزلية، وبعد فترة أصبحنا نشتري منها الطيور والبيض، وكانت سعيدة جدًّا، وكنا سعداء معها.

أما شيماء فلم يعد كوكو صديقها الوحيد، بل أصبح لديها البطة بَطْبَط، والوزة زوزو، والحمامة ميمو، والديك الرومي كُرْكُر، كنتُ أحبُّ أن أراها وهي تحتضن طيورها كما تحتضن الأم طفلها الصغير.

ولكن.. بالأمس جاءتني شيماء بالبيض، وقالت لي: هذا هو البيض، ولكن هذه هي المرة الأخيرة، وأمي تعتذر لكِ لأنها ذبحتْ كلّ الطيور اليوم. قلتُ: نعم، فقد أصدرتْ وزارة الصحة السبت 18 فبراير 2006م تعليمات بالتخلّص من أية طيور منزلية.

ثمّ نظرتُ إلى شيماء فوجدتُ عينيها مغرورقتين بالدموع، فقلت لها مداعبةً: حتى كوكو، وبطبط، وميمو، وكركر؟! فانهمرت الدموع من عينها، وشعرتُ كأنني وضعت يدي على جرح غائر في قلبها. احتضنتُ شيماء وقلت لها: لا تحزني يا شيماء، فلعله خير.

ولكن شيماء قالت لي: أنا طلبتُ من أمي ألا تذبح أصدقائي الطيور، فقالتْ: لو لم أذبحهم لأستفيد منهم، فسوف تعدمهم وزارة الصحة أمام أعيننا، فطلبتُ منها أن تنتظر حتى أذهب إلى المدرسة ثم تذبحهم حتى لا أراهم. وقد ذهبتُ قبل المدرسة لأسلِّم عليهم، فوجدتُهم ينظرون إلي وكأنّهم يودعونني للمرة الأخيرة، وعندما عدتُ علمتُ أنّ ماما ذبحتهم.

أمَّا نحن، ففي فجر اليوم التالي، لم أسمع صوت الديك كوكو، بل استيقظتُ على صوت المنبِّه، قمتُ وصليتُ ودعوتُ الله أن ينقذنا مِنْ هذه الأوبئة؛ لتعود البسمة إلى ثَغْر جارتي وطفلتها، ويعود إلى سطح بيتها كوكو وبطبط وكركر وميمو من جديد.

أقدار الله كلها خير

وفي الظهيرة، ذهبتُ إلى جارتي لأطمئنَّ عليها، فوجدتُها حزينة جدًّا، ولكنَّها رغم هذا الحزن العميق تبدو متماسكة قوية. قلقتُ عليها جدًّا، فأنا أعرف مدى وقع الصدمة عليها، وبدأتُ أسرح بتفكيري في مصير هذه الأم وبناتِها، فقد فَقَدُوا مصدر دخلهم، ولم أُفق من تفكيري إلا على صوت جارتي وقدْ نطقت بكلمة سحرية أطمأنَّتْ بها وهدأتْ بعدها، نطقتْها بقلب يملؤه الإيمان والثقة، قالت جارتي: "قدَّر الله وما شاء فعل"، يا لها من كلمة رائعة! يا له من معنى جميل، حقًّا إنّها كلمة إيمانية، ما أجملها! وما أسعدنا بها!

قلتُ لها: وهي تقول: حقًّا، إنّ أقدار الله كلها خير، واعلمي أنّ هذا الأمر شامل وخطير، فقد قرأتُ على أحد مواقع الإنترنت خبر نُفُوق ألف ديك رومي في إحدى المزارع، فإنّها كارثة، ندعو الله أن يكون أصحابها سالمين من هذا المرض الخطير، كما حفظكم لنا سالمين. ألا تريْن أن مصائب الآخرين تهوّن علينا مصائبنا؟!

تمتمت جارتي: نعم نعم.. وبدأتْ تخرج من حالة الحزن، وقالت لي: المؤمن لا يصاب. قلتُ لها: نعم، وهذا كلام النبي. فسارعت بقولها معي: عليه الصلاة والسلام. وماذا يقول رسول الله؟ قلتُ: عَنْ أبي سعيد وأبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما عَنْ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: "ما يُصيب المسلم مِنْ نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر اللَّه بها مِنْ خطاياه" [متفق عليه].

قالت وقد انفرجت أساريرها: ولهذا كانت أقدار الله كلها خير للمؤمن، فإن أصابتْه سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له.

قلتُ: نعم لهذا نقول دائمًا: "قدر الله وما شاء فعل"؛ لأنّ المؤمن الحقيقي إما شاكرًا أو صابرًا، والشاكر والصابر في الجنة، والخير لنا دائمًا في الصبر على الشدائد، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].

ردت جارتي: الحمد لله على نعمة الإسلام، إنها أعظم نعمة وهبها الله لنا، وأعطانا هذا الثواب الكبير في جميع أحوالنا في السراء والضراء.

سعدتُ جدًّا بكلمة جارتي، وأحببتُ أن ألقّن شيماء درسًا إيمانيًّا، وأُخرجها من حالة الحزن التي انتابتْها، فقلتُ لها: أتعرفين قصة سيدنا موسى عليه السلام والخضر؟

قالت: نعم أعرفها. فقلت لها: ماذا كان سيحدث لو لم يخرق الخضر السفينة؟ ولم يقتل الغلام؟ ولم يَبْنِ الحائط بدون أجر؟! قالت شيماء: علّمتني أمّي أنَّ ما فعله الخضر مِن أقدار الله التي لا يمكن أن تتغير، وقد كتبها الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلقنا، فكيف تفترضين أنها لم تحدث؟!

قلتُ: إذن كل ما يحدث في الكون هو من الأقدار التي لن تتغير أبدًا مهما حدث.. وسواء رضينا بأقدار الله أم لم نَرْضَ فستقع حتمًا لا محالة، فلمَ لا نقابل هذه الأقدار بالرضا التامِّ والاقتناع بأن فيها كل الخير لنا؟!

وتعالَي نتخيل أنّ الخضر لم يخرق السفينة، فأخذها الملك الظالم، فأصبح المساكين الذين يعملون في البحر بلا مصدر رزق، فالسفينة المخروقة أفضل من عدم وجود سفينة أصلاً أليس كذلك؟

والغلام الذي قتله الخضر، لو تركه فسيكون سبب شقاء أبويْه المؤمنيْن، وليس سبب سعادتهما، أليس كذلك؟! إذًا فقتْله خير. وتعالَي معًا نتخيل أنّ الخضر لم يبنِ الحائط، فحتمًا كان سيضيع مال اليتيمين، فضرر عدم أخذ الأجر أقل بكثير من ضياع مال هذيْن اليتيمين وفقرهم. ليست أقدار الله كلها خير؟!

تبسمت شيماء وأشرق وجهها، وقالت: إذن ما حدث لنا اليوم هو خيرٌ لنا، ونحن لا ندري.. أليس كذلك؟!

فقلت: حقًّا يا شيماء، ولكنّ قليلين هم الذين يفكرون بهذه الطريقة، ويرون في المصائب والشدائد منحًا عظيمة من الله سبحانه وتعالى، ولذلك فهناك علاقة وثيقة بين الرضا والإيمان، فالإيمان بالقدر خيره وشره، من أهم أسس العقيدة الإسلامية الصحيحة، وبدونها يصبح إيمان المرء ناقصًا.

البركة في "فوفو"

قامت شيماء في فرح وسرور، بعد استئذانها مني ومن أمها، وأمسكتْ كتبها لتذاكر، وعندما فتحتْ إحدى الصفحات، جاءت تهرول وهي تقول: وجدتُها.. وجدتها. تعجبنا من فرحة شيماء الغامرة، وقلنا لها: ماذا وجدتِ؟! قالت: فكرة رائعة، نحن يمكن أن نربي الماعز والغنم بدلاً من الطيور، فالحمد لله أنه لا توجد إنفلونزا الحيوانات.

ضحكنا أنا وأمها، وقلت لها مداعبة: ولكن أين وجدت هذه الأغنام والماعز يا شيماء؟!

قالت شيماء: في كتاب الجغرافيا، فالماعز والغنم من الثروات المهمة لدى كثير من الدول، وسطح بيتنا واسع يصلح لتربيتها، فتحتْ شيماء حصالة النقود الخاصة بها، وأعطتْ أمها ما ادخرتْه، وقالت: ها هي المبالغ التي كنت أدخرها منذ خمسة أعوام، يمكنني أن أشتري بها خروفًا، وأسميه فوفو، ضحكت الأم وقالت: هيا يا شيماء، سنذهب لنشتري معًا ما يستلزمه المشروع الجديد، ولعلها تكون فكرة مربحة إن شاء الله.

تركتُ صديقتي وبناتها، وأنا أدعو الله أن يوفقهم في مشروعهم الجديد، وأن يجعله فاتحة خير عليهم، وداعبتُها قائلة: ألستِ معي أنه من قلب المحنة تولد المنحة؟! ضحكت جارتي، وقالت: إنها رحمة الله بنا، فإنَّ مع العسر يسرًا، وإن بعد الصبر نصرًا، وأنا على يقين بأن الله لن يضيعنا أبدًا، والحمد لله، وقدر الله وما شاء فعل.

وفي مساء ذلك اليوم، خرجتُ للشرفة، وجدتُ شيماء فوق سطح منزلهم، وبين يديها خروف صغير، أشارتْ إليه وقالتْ وهي تحتضنه: هذا هو فوفو..

والآن.. ألا تستطيعُ أن تصبح مثل شيماء؟! لا تيأس، مهما كانت الظروف من حولك، حوِّل كل محنة تقابلها إلى منحة، لتحظى بسعادة الدارين، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما رأيك في إنفلونزا الطيور؟ هل هي غضب من الله علينا؟ أم بسبب تقصيرنا؟ هل هي دعوة للعودة إلى الله وتذكُّر قدرته علينا؟ أم هي دعوة للأخذ بالأسباب كما علَّمنا الإسلام؟ أم هي رسالة ربانية تحمل كل المعاني السابقة؟

شارك بتجربتك في ساحة الحوار:

اقرأ أيضا:


** داعية وكاتبة مصرية؛ يمكنكم التواصل معها، وإضافة مشاركتكم وخواطركم الإيمانية عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com.


برنامج التزكية
مع الحبيب 
إيمانيات الدعاة
زاد المسير
استشارات دعوية
السيرة النبوية
شهر رمضان
عام هجري جديد 
اسألوا أهل  الذكر

حوارات حية

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع