مر
شهر رمضان علينا مرور الكرام؛ أتى
بنفحاته وعبقه، يبسط يديه على عباد
الرحمن، يطلب لهم المغفرة، لكنه سرعان ما
رحل ورحلت معه بركته عند البعض.
وهناك
آخرون لا يزالون يعيشون في مخيمه
الإيماني؛ خرجوا منه بتجارب وعبر، تغيرت
أنفسهم إلى الخير، وعاهدوا الله ألا
يفقدوا حاسة تذوق الإيمان بعد رمضان؛ فهم
عبّاد الله وليسوا عبّاد رمضان. فمن كان
يعبد رمضان فإن رمضان قد أفل ومن كان يعبد
الله فإن الله باق لا يأفل أبدا.
ويفرح
المخلصون في رمضان بما أدوه من جهد، وفي
ذات الوقت يبكون بالدموع على مضي شهر
المغفرة، ولا
يعجبون بعملهم؛ بل ينظرون لأنفسهم
نظرة المقصر الذي كان في وسعه المزيد،
يؤكدون دائما: ما وفينا الله حق عبادته..
فما حصاد شهر المغفرة؟.
مصريون
عابدون
تتحدث
أسماء فؤاد (باحثة) عن الآثار الإيجابية
التي غرسها شهر رمضان في حياتها فتقول:
"هذا هو الشهر الوحيد الذي أنهي فيه
قراءة القرآن كل سنة، ويعد حلقة الوصل
بيني وبين بيوت الله؛ أذهب للمسجد لصلاة
التراويح وسماع الدروس الدينية بما يؤثر
على روحانياتي وسلوكياتي؛ إذ يرفض أبي
ذهابي للمسجد في بقية شهور السنة. وقد
صالحت من كنت على خلاف معهم قبل رمضان،
وتحسنت علاقتي بهم الآن".
وكان
أجمل ما توصل إليه عصام زبادي (مهندس): "لقد
كان الشرع مصيبا في اختيار شهر القرآن
ليكون دورة تدريبية إنسانية، فالخلوة في
البيت أو المسجد تولد تركيزا في العبادة
والسلوك، ويقوم تدبر القرآن بمفعول
السحر في العلاج الإيماني، كما أن صلة
الرحم تأخذ شكل المنحنى الذي يزداد
ارتفاعه في المناسبات الدينية. وهناك
عادة أقوم بها كل رمضان، وهي الخروج
لإفشاء السلام بين الناس في الطرقات".
ويضيف
عصام قائلا: "اكتشفت في نفسي قدرة على
الإنتاج والإبداع؛ فالعمل الذي كان
يستغرق مني 15 ساعة في الأيام العادية لا
يأخذ مني أكثر من 4 ساعات في رمضان. وكأن
هذا الشهر يعلمنا درسا في كيفية استغلال
الوقت لإدارة أنفسنا، وتقديم أفضل ما
لدينا. كما أضاف لي رمضان زادا روحانيا؛
وهو إكسابي حسن الظن بالآخرين".
ولم
يكن رمضان سببا في تغيير أحمد عطا (صحفي)،
فقد حاول وبذل بعض الجهد ولكنه ذهب أدراج
الرياح سريعا جدا.. يحكي أحمد عن تجربته
قائلا: "سامحت البعض، صليت وصمت وتصدقت
كبقية الناس، وكان أسلوبي في الشارع
أفضل، فأقوم في المواصلات لتقعد مكاني
سيدة، ولكن لم يختلف إيقاعي كثيرا في
رمضان. لا أحب التطرف في العبادة مرة
واحدة، ولذلك لم أبالغ في الطاعة. وربما
يعود السبب لرغبتي في أن ينتهي رمضان
سريعا إلى أنني لم أمارس العبادة من
منطلق ديني، ولكن في إطار المشاركة
الجماعية للمجتمع الذي ينفرد ببعض
الممارسات الدينية والاجتماعية في رمضان".
حصاد
فلسطيني
أكدت
سارة الخضري (طالبة جامعية- 19 عاما) على
أنها استطاعت الخروج بثمار عديدة، تقول:
"قررتُ هذا العام بعزم أن أستفيد من
شهر رمضان؛ فحرصت على التمسك بسلوكيات
طيبة مع ربي ومع نفسي ومع المجتمع من حولي".
وتبتسم
سارة لأنها استطاعت التخلص من عصبيتها،
وتتابع: "أجواء رمضان وقراءة القرآن
وصلاة التراويح وغيرها من العبادات
جعلتني أتغير نحو الأفضل، وأتمنى أن
أستمر إلى ما بعد رمضان".
ولأنها
وضعت خطة مسبقة لاستقبال شهر رمضان، فإن
أم خالد السراج (ربة بيت) خرجت بثمار
وصفتها بالرائعة: "بشيء من الإرادة
والتصميم عزمت من بداية رمضان أن أتجه
بنفسي نحو الأفضل، وأزيد من رصيد حسناتي،
وبشيء من التصميم أقلعت عن العادات
السيئة، واكتسبت العادات الحسنة والجيدة".
وعن
أعظم الثمار التي قطفتها قالت: "قاطعت
المسلسلات، واستثمرت وقتها في حفظ
القرآن وتدبر معانيه. علاقاتي مع جاراتي
تحسنت كثيرا؛ بل وصلت إلى حد لم أكن
أتصوره؛ نجتمع لنذهب إلى صلاة التراويح،
نتسابق في ختم القرآن، ونتبادل الإفطار
الجماعي، وغيرها من الثمار الكثيرة".
ويرى
رامي -طالب في المرحلة الثانوية- أن شهر
رمضان يزخر بالطاقات الإيمانية، وأن
ثماره تعلم الإنسان كيفية تعديل سلوكه
نحو الأفضل، غير أنه يأسف لأن كثيرا من
الناس ينتهي سلوكهم الإيماني والتزامهم
بالأخلاق بمجرد انتهاء رمضان.
وبحسب
رأيه، فإن الخلل يكمن في عدم وجود رغبة
وإرادة حقيقية لدى المسلم في التمسك
بالأخلاق والتشبث بتغيير سلوكه، ولكنه
استدرك قائلا: "يستطيع المسلم أن يتزود
من ثمار رمضان لما بعده، شريطة أن يزيح عن
فكره فكرة أن رمضان موسم يجب استغلاله
كالمواسم التجارية؛ بل عليه أن يوطن نفسه
على أن الأخلاق الحسنة والسلوك الطيب فرض
في شهر رمضان وغيره من الأشهر".
بخطوات
وصفتها بالمدروسة، قطفت المهندسة سالي
قاسم ثمار رمضان: "أجواء رمضان تساعدك
على التقرب من الله والاستزادة من
الطاعات، والبعد عن اقتراف الذنوب
والمعاصي. ومن أهم الثمار التي قطفتها في
رمضان التزامي بالحجاب". وتستدرك سالي:
"سأستمر في ارتدائه –إن شاء الله- بعد
رمضان؛ فلقد اكتسبت طاقة إيمانية جبارة
وعزيمة تجعلني أواصل وأمضي نحو تحقيق
المزيد من أعمال الخير ورصيد الحسنات".
ويُجمع
المتحدثون معنا على أن امتداد العبادات
والسلوكيات إلى ما بعد رمضان يشوبه بعض
التوقف وربما التغير بسبب عدم توفر
المناخ والبيئة المساعدة للاستمرار في
قطف الثمار الحسنة الناضجة. وبرأيهم أن
أوقات السحور وما بعد الفطور لم تعد
موجودة بعد رمضان، وطالبوا الدعاة
بالعمل على إحياء أجواء رمضان في كافة
شهور السنة؛ من خلال جذب الناس للمساجد
عبر الندوات التثقيفية والبرامج
الإيمانية المتنوعة، كما طالبوا الإعلام
بمختلف وسائله أن يواصل برامجه الدينية،
وألا يتم تقليل مساحتها".
المغاربة..
والصيام بعد العيد
عرف
أهل المغرب المعنى الحقيقي للصوم، فهم ما
زالوا على الدرب بعد العيد؛ يحافظ من
حفظه الله على عهد الطاعة.. يقول سليمان -وهو
أب لأربعة أولاد-: "علمنا رسول الله أن
الله لا يحتاج إلى صوم المعدة، وإنما صوم
الروح والخلق عن المعاصي، ومن هنا لا
ينتهي الصوم حتى وإن فطرت المعدة".
ويضيف:
"جاهدت في رمضان كرب أسرة لتغطية
مصاريف بيتي، ولا أدري هل يتقبل الله مني
أم لا؟ فأخشى أن يكون حظي من الصيام قاصرا
على الجوع والعطش".
ويقول
الشاب الصديق العسلة -طالب حاصل على
الإجازة في الإنجليزية بالقنيطرة-: "ما
يميز رمضان أنه شهر تصفد فيه مردة
الشياطين، ولذلك نرى هذا الإقبال الكبير
للناس على بيوت الله وفعل الخيرات. ولعل
ما يثير انتباهي هو انتعاش العلاقات
الحميمة سواء بين الأصدقاء أو العائلات،
وقلما تجد خصومات تستمر في هذا الشهر؛
فتوصل الرحم ويتقارب الأحباب في الإفطار
الجماعي، وتأتي دروس العلم في المساجد
والفضائيات لتدعم العمل الصالح بالعلم
النافع".
ويرى
حسن الإدريسي -موظف بمكتب التعاون الوطني
بالرباط- أن ظاهرة الانقطاع عن العبادة
بعد رمضان حالة غير عامة؛ فهناك من يثبت
على الطاعة، لذلك فإن شهر رمضان يبقى
فرصة لإعداد أفواج التائبين، ويبقى على
الوعاظ والدعاة البقية في الحفاظ على هذا
الرباط وهذه العزيمة من خلال الدعوة
بالحكمة والموعظة الحسنة وبالتي هي أحسن.
مزرعة
بقية العام
يوضح
الشيخ جمال قطب، الرئيس الأسبق للجنة
الفتوى بالأزهر الشريف، أن المسلم يحتاج
لإعادة النظر في عبادته ليستمر عليها بعد
رمضان. وعلى المسلم أن يعي أن شهر رمضان
لم يكن موسما؛ بل كان دورة تدريبية ينبغي
أن تؤتي ثمارها طوال العام. وأن تجميع
وحشد الفرائض في رمضان من صوم وصلاة
وزكاة وقرآن واعتكاف ليتعود عليه بقية
العام.
ولقد
حثتنا السنة النبوية على مواصلة الطاعة
والعبادة؛ فصيام ستة أيام من شوال،
والإثنين والخميس من كل أسبوع، والثلاثة
أيام البيض (13 و14 و15) من كل شهر قمري،
ودوام الصدقة، ومواصلة الورد القرآني
اليومي، كل ذلك يشير إلى أن رمضان حقل
تبذر فيه البذور لتؤتي الثمار بقية
العام، كذلك اليقين بأن رب رمضان هو رب
بقية العام، وأن الطاعة مطلوبة له سبحانه
طوال العام.
ويبين
الشيخ أحمد حمود الدبوس -إمام وخطيب
بالكويت- أهمية المداومة على العبادة بعد
رمضان فيقول: لا بد وأن يتسم المسلم بالعبودية
الربانية لا الرمضانية الوقتية،
ويبتغي بعمله وجه الله، وذلك أصل قبول
الصيام. فأول هذه الربانية: تحقيق التقوى
بمعانيها الشاملة والكاملة لمقولة
الإمام علي بن أبي طالب في تعريفه لهذه
الكلمة: "الخوف من الجليل، والعمل
بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد
ليوم الرحيل". فهذه الكلمات لو فكرنا
بجزئياتها وأعطينا كل كلمة وقفة مع النفس
لكانت درسا عظيما ونقلة كريمة في
الربانية".
ويوضح
الشيخ عبد اللطيف سعد -إمام أحد المساجد
المغربية- دور الدعاة فيقول: "تقع
المسئولية على عاتق الخطباء والأئمة
والدعاة، فعليهم البحث عن وسائل لتثبيت
هؤلاء الشباب المقبل على الله. فالمساجد
تغص بالشباب العائد، والتحدي هو كيف تجعل
ذلك الشباب يعتاد المساجد، وكيف نحبب لهم
دينهم ونجعل من كل الشهور رمضان".
ويؤكد
الأستاذ هاني محمود -مستشار إيماني بشبكة
إسلام أون لاين.نت- على ما سبق، مضيفا: "تحتاج
الشحنة
الإيمانية التي اجتهدنا في شهر رمضان
المبارك لتحصيلها إلى مزيد من الحفاظ
عليها، فإن لرمضان روحا خاصة، وهذه الروح
هي السبب الذي يجعل المسلمين على
اختلافهم يكون لهم تعامل خاص مع الله في
هذا الشهر.
والمؤمن
الكيس هو الذي يجعل رمضان محطة زاد
وإعداد يعيش على روحه حتى يلقاه بعد عام.
وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين
قال: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات
فتعرضوا لها، لعل أحدكم أن يصيبه منها
نفحة فلا يشقى بعدها أبدا". ولذلك روي
عن أصحاب الحبيب -صلى الله عليه وسلم ورضي
عنهم- أنهم كانوا يتهيئون لرمضان قبل
مجيئه بستة أشهر، ويظلون في وداعه ستة
أشهر، فهم يعيشون العام كله في رحاب
رمضان.
ويبقى
دور المسلم في الحفاظ على هذا الخير الذي
تحصل عليه في رمضان، من خلال: الاجتهاد في
الحفاظ على روح العبادة، تنظيم ورد يومي،
الاجتهاد في صيام ست أيام من شوال،
والعشر الأوائل من ذي الحجة وعاشوراء،
والتماس مواسم الخير والطاعة، والإكثار
من الصدقة لأنها تطفئ الخطيئة، والتقرب
إلى الصالحين، والتعرض لنفحات الله، فإن
كل ذلك يحافظ على قربه من الله".
شارك
بتجربتك في ساحة الحوار:
اقرأ
أيضا:
**شارك
في التحقيق عدد من الصحفيين هم: (مصر-
وسام كمال)، و(فلسطين-علا عطا الله)، و(المغرب-
عادل إقليعي)، ويمكنكم التواصل معهم عبر
بريد الصفحة : tazkia@iolteam.com