الاجتهاد
في الاحتفال الحسيني لم يختلف في
القاسم المشترك بين طريقة الاحتفال
في الماضي والحاضر، وهو إقامة مجالس
العزاء، كما أن الماضي كان يختزن
اللطم، ولكن بشكل هادئ، معبّرا عن
الحزن، ولكن ما حدث هو بروز لبعض
العادات الشعبية، كضرب الرؤوس بالسيف،
وضرب الظهور بالسلاسل، وهذه العادات
لم تنطلق من اجتهاد فقهي شارك في
إنتاجها وتحويلها إلى عادة شعبية لدى
الناس، بل إن مثل هذه العادات انطلقت
من مبادرات فردية ما لبثت أن تحولت
إلى حالة مقدسة، استثارت عاطفة الناس
فقلّدوها، ثم تعاظمت العاطفة،
وتجذّرت العادة، بحيث أصبحت من
المقدسات التي قد لا يجرؤ حتى العلماء
على مواجهة المد الشعبي في ذلك إلى
درجة أصبح الذين يقفون ضد هذه العادات
يوصمون بأنهم ضد الحسين وأهل البيت،
وأنهم يريدون إسقاط هذه الذكرى
وإبعادها عن الوجدان الشعبي، وما إلى
ذلك.
أما رأينا في الموضوع.. فهو الإفتاء
بالحرمة؛ لأننا نرى أنه يحرم إضرار
الإنسان بنفسه، إلا في الحالات التي
تفرضها الضرورة؛ ولذلك قلنا بأنه
يحرم ضرب الرؤوس بالسيف، أو ضرب
الظهور بالسلاسل، وحتى اللطم العنيف
الذي يوجب إضراراً بالإنسان ولو
إضراراً غير خطير؛ لأننا نستفيد من
النصوص التي بين أيدينا حرمة الإضرار
بالنفس، كما أننا نجد أن السيرة
العقلانية تقتضي ذلك، فالناس
يستنكرون على أي إنسان يضر نفسه إذا
لم تكن هناك مسألة أهم وأولى بالرعاية
من هذا الإضرار، ومن هنا فإننا نرى أن
هذا أمرٌ محرم شرعاً، حتى لو كان ذلك
بعنوان الحزن والمؤاساة.
ولديّ ملاحظة أخرى في هذا المجال وهي
أن الذين يضربون رؤوسهم بالسيف أو
ظهورهم بالسياط، يقولون: إننا نريد أن
نواسي الحسين في جراحاته، أو نواسي
زينب وأخواتها عندما جلدن بالسياط،
فنجلد ظهورنا، ونجرح رؤوسنا..!!!
لكنني
أقول: إن المواساة تفرض أن تجرح في
الموقع الذي جرح فيه الحسين، وأن تجلد
في الموقع الذي جلد ت فيه زينب..
فالحسين جرح وهو يجاهد، ولذلك فالذين
يواسون الحسين هم الذين يجاهدون
العدو الإسرائيلي من شباب المقاومة،
فهم يجرحون في الموقع الذي جرح فيه
الحسين، والذين يواسون السيدة زينب
هم الذين يجلدون في سجون العدو؛ لأنها
جلدت وهي في خط الثورة والقضية، سواء
كانوا من الرجال أو النساء..
لهذا فإنني أجد أن هذه العادات لا بدّ
من إزالتها من ناحية شرعية؛ لأنها
محرمة بالعنوان الأولي بناءً على
رأينا، ومحرّمة بالعنوان الثانوي
أيضاً، من خلال السلبيات الكثيرة على
مستوى الإنسان، وعلى مستوى صورة
الطائفة الإسلامية الشيعية في العالم،
ولذلك قلنا: هي نوع من أنواع التخلّف.