إسلام أون لاين.نت / عاشوراء
 
مازوكية أم نضالية صوتيات في رحاب عاشوراء فتاوى عاشوراء
   
مازوكية أم نضالية

إيران الدولة والناس لإحياء عاشوراء

2005/02/17

محمد صابر صديقي – إيران

حضور شعبي ورسمي في احتفالات الذكرى بطهران

قدمت إلينا ذكرى عاشوراء وتكرر التاريخ -الذي ليس إلا عاشوراءات مكررة- وتتقدم الشعوب الإٍسلامية إلى إحياء هذه الذكرى في بعديها التعبدي والتاريخي، وذلك بالالتزام بصوم يومها (يوم عاشوراء) الذي وردت السنة بفضله، وبالوقوف والحداد على ما حل بالأمة في هذا اليوم حيث وقع فيه مقتل سبط نبيها الإمام الحسين الذي استشهد باغيًا العدل وإزالة الطغيان وذلك في مقتبل تاريخ هذه الأمة (عام 61 هـ).

وواقعة كربلاء لها وجهان: وجه سلبي: إذ وقع فيه مقتل الحسين وأصحابه المظلومين المجاهدين، ووجه إيجابي: إذ إن الكثيرين من أحرار العالم الذين قاوموا الظلم والطغيان، وتحرروا من القيود قد استلهموا من هذه الواقعة ومن قيام الإمام الحسين، وتضحيته في سبيل إقامته العدل والحق.

تشترك الأمة في الاهتمام بالذكرى والحداد والعزاء العام على الواقعة، بيد أن هذا الاهتمام وأسلوب إظهاره واستخدام الوسائل من أجله يختلف من فرقة إلى أخرى؛ لأن كل فرقة تعبر عن الواقعة حسب فهمها لها، وحسب ما تقتضيه عاداتها وخلفيتها الحضارية.

ففي حين أن أهل السنة يحيون الذكرى بصوم يومها والأسف على ما حدث في واقعة كربلاء يوم عاشوراء، ويعتبرون ذلك نقطة مؤلمة في التاريخ الإسلامي.. تقوم الشيعة بإحياء هذه الذكرى بحيوية أكثر واستخدام وسائل شتى لذلك، واستغلال هذه المناسبة لتوعية الناس وسرد تاريخ الواقعة، وبيان أهداف خروج الإمام الحسيني، والتوجيه الديني والشرعي له، وكذلك للحفاظ على روح الحماسية عند الناس ليكونوا مستعدين للقيام ضد الظلم والظالم.

الحسين وأصحابه محل "الشاهنامة"

لم تحظ ذكرى عاشوراء وواقعة كربلاء من إحياء واهتمام حيوي في أي مكان كما حظيت في إيران، فمنذ أن ظهرت الدولة الصفوية (في القرن الخامس الهجري)، واتخذت التشيع مذهبًا رسميًا لها، أضحت عاشوراء وواقعة كربلاء كحدث تاريخي عظيم وطقس مذهبي ديني طابعا شيعيا في صدر اهتمامات الدولة، وقد أفرطت الدولة في ذلك الاهتمام والاعتناء بالذكرى والواقعة واستغلالها لإرساء قواعد سيطرتها على الشعب، وربما كان من نتائج ذلك الإفراط في تشديد الخلافات بين أهل السنة والشيعة في المجتمع الإيراني.

أدخل الصفوية في الذكرى أمورًا لم تكن فيها من قبل فقاموا بوضع الأناشيد والأشعار العزائية والمراثي، وتعيين وتمويل من يتولى إنشادها في مختلف المناسبات الشعبية، وخاصة في يوم تاسوعاء - عاشوراء(1)، وإنما وقع هذا موقع القبول وسط الشعب الإيراني؛ لأن هذا الشعب –كبقية الشعوب- يحتاج إلى أبطال وعمالقة شعبيين يأخذهم أسوة وقدوة في القيام ضد الظلم والدفاع عن الحق وحماية المظلوم، ففي الثقافة الشعبية الإيرانية، وكذلك التاريخ الحضاري والأدبي الإيراني نجد أبطالا ورموزًا تتأسى بهم الشعوب في الكرم والشجاعة والدفاع عن المظلوم. و"الشاهنامة" (شاهنامة فردوسي) أوضح وأكبر مجموعة لتاريخ هؤلاء الأبطال وأعمالهم.

وواقعة عاشوراء (كربلاء) وشخصية الإمام الحسين وأصحابه حلت محل هؤلاء الأبطال وأعمالهم؛ وذلك لكونها متعلقة بالإسلام وأهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد دخول الإسلام في إيران، وبعد انتشار المذهب الشيعي فيها.

لم يذهب ما أحدثه الصفويون من الزيادات في إحياء مناسبة ذكرى عاشوراء بسقوط الدولة الصفوية، بل استمر الناس في إقامة تلك الطقوس قرونًا حتى وقوع الثورة الإسلامية؛ فقد أُدخل أمر إحياء هذه الذكرى –شأن كل الأمور الدينية- في جدول أعمال مؤسسات الثورة والدولة، وقد تم تعديل وحذف بعض الطقوس والعادات التي أدخلها الصفويون، مثل ضرب الجسم بالقطع الحديدية والسكاكين إظهاراً للحزن والعزاء على الحسين وأصحابه، فأصدر آية الله "علي الخامنئي" فتوى تحريم هذه الفعلة، وتولى "المرتضي المطهري" مقارعة ومكافحة التحريفات في خصوص إحياء ذكرى عاشوراء في كتاباته، ومحاضراته، وتأليف كتاباً سماه "حماسة حسين" وبيَّن فيه التقاليد المحرفة والمنحرفة وحذر الناس منها.

5% من الدولة.. والباقي من الناس

لا تزال الدولة ومؤسسات الثورة تهتم بأمور إحياء الذكرى، وذلك عبر اللجان المختصة لهذا الأمر، ولكن ما تقوم به الدولة والمؤسسات لا يساوي إلا (5%) تقريبًا من التكلفات، ويقوم الناس بتوفير (95%) الباقي، وذلك في شكل التبرعات والنذور والأوقاف من قبل الناس، إذ يشهد الشارع الإيراني المشاركة الواسعة في إحياء ذكرى عاشوراء في المدن الإيرانية المختلفة، يشترك الناس من كل الأوساط الشعبية لإحياء الذكرى، وحدث في السنوات الأخيرة أن أهل السنة وحتى المسيحيين واليهود والمجوس يشتركون في العزاء. فأهل السنة يحيون الذكرى لما ورد من فضائل حول يوم عاشوراء، وكذلك عزاءً وأسفاً على ما أصيب به جمع من خيار الأمة في واقعة كربلاء. وأما المسيحيون واليهود والمجوس الإيرانيون فإنهم يحيونها مشاركة لأبناء بلدهم الشيعة الذين يشكلون الأكثرية في إيران، وكذلك لأنهم يرون أن ما حدث في كربلاء كان مقاومة ضد الظلم والطغيان، ويقولون: إن من قتل أولاد الأنبياء هم الظالمون.

والجدير بالذكر أن غير المتدينين ( غير الملتزمين بالدين مثل العلمانيين والذين يرون أن الدين يجب أن يبتعد عن السياسة وأنه السبب الأساسي للتخلف) أيضًا يشتركون في إحياء الذكرى، ويقولون: إننا نشارك في إحياء ذكرى عاشوراء؛ لأن الحسين إنما خرج لمقاومة الظالم والطغيان.

"عاشوراء" و "النوروز" هذا العام

وأما في هذا العام الذي صادف فيه ذكرى عاشوراء عيد "النوروز" -وهو عيد يبدأ من أول يوم من كل سنة هجرية شمسية، ويستمر ثلاثة عشر يومًا، وهذا يتكرر كل ثلاثة عقود وعامين تقريبًا، وهي مناسبة قد لا تتكرر في عمر الشخص أكثر من مرة- هذه المصادفة لها جانب آخر وهو تعديل فرح العيد -عيد نوروز- بالعزاء والتعزية؛ إحياء لذكرى عاشوراء.

ومنذ أسبوعين تقريبًا يستعد الشارع الإيراني والأوساط الشيعية في إيران وكذلك المؤسسات الحكومية والحرة لإحياء ذكرى عاشوراء؛ فالإعلانات واللوحات الفنية المحتوية على الموضوعات المتعلقة بعاشوراء وكربلاء تزين الجدران ومقاطع الطرق في المدن الإيرانية المختلفة، وتهتم وسائل الإعلام -التلفزيون والإذاعة والجرائد- بالموضوع وتنتشر الأفلام والمقالات المتعلقة بعاشوراء وكربلاء؛ محاولة تجسيد الحدث وتوصيله إلى الناس. وقد شمل الحداد العام المعلن من قبل الدولة منع الأفلام الفرِحة، وكذلك إقامة مناسبات الفرح، مثل العرس وما يشبهه، وكذلك أشرطة الموسيقى، ولبس الثياب غير المناسبة للعزاء.

فيوم عاشوراء هو من الأيام التي تهتز فيها المدن الإيرانية بالجماهير -مثل يوم القدس واليوم الوطني الإيراني- وتتولى لجان مختصة إقامة التعزية، وتنظيم أمورها. ويدفع الناس تبرعاتهم ونذورهم إلى تلك اللجان لتمكينها من القيام بتجهيز الأماكن وكذلك الطعام، وتتمتع هذه اللجان بترتيب وتنظيم إداري قوي، حيث يقوم كل قسم فيها بما يكلف به.

ونستطيع أن نقسم ما تقوم به هذه اللجان إلى قسمين:

1- تجهيز الأماكن والطعام وتوزيعه على الناس وتوفيره لهم.

2- ترتيب وإدارة المسيرة (المسيرات) وتنظيم شعاراتهم وما يحملون من اللافتات واللوحات.

وتبدأ المسيرات بالمشي والتجول في الشوارع ومفترقات الشوارع من صباح يوم عاشوراء ويستمر إلى الظهر، ثم يبدأ التجمع، وتوزيع الطعام على الناس، ويليه الصلاة والاستراحة ثم تبدأ المسيرة مرة أخرى، وتستمر إلى منتصف الليل… وأما الاجتماعات المتفرقة، ومجالس القصص والتعزية المتفرقة فتستمر إلى أربعين يومًا.

كل يوم عاشوراء!!

وتحتل عاشوراء وواقعة كربلاء موضعًا خاصًا في آثار وأقوال علماء إيران خاصة الشيعة منهم، ولا يكاد يوجد عالم لم يكتب رسالة حول الذكرى والواقعة، وهم يتفننون في تصوير الواقعة، وتحليلها، ويربطونها بالقضايا المعاصرة بأساليب بيانية بارعة.

بينما قام آخرون بجهد تصحيحي على مستوى التناول الفكري للواقعة وإدراكها، فيقول خميني: "إن كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء"* هو قول عظيم والكثيرون يفهمونه خطأ، ويزعمون أنه يعني أن تبكي كل يوم، ولكن المعني الحقيقي هو أن واقعة كربلاء لا تتعلق ببضعة وسبعين شخصا، وبأرض كربلاء فقط، بل يجب أن يكون كل أرض كربلاء أرض المقاومة ضد الظلم والطغيان وكل يوم عاشوراء أي يوم الدفاع عن الحق ورد الظلم (صحيفة نور، ج92، ص 33)، وتبع الخميني في ذلك الآخرون فصار الاهتمام بهذا الموضوع شبه شرط من شروط الدرجات العالية العلمية.

كما أن لذكرى عاشوراء وواقعة كربلاء مكانة خاصة في الأدب الإيراني (الفارسي)، وللشعراء والأدباء الفارسيين أعمال وإنتاجات عظيمة حول الحدث ودراسته دراسات أدبية فنية.

وقد ظهر في السنوات الأخيرة أدب خاص بالذكرى والواقعة يسمى "أدبيات عاشوراء: أي أدب عاشوراء"، وهناك لجان مختصة لدراسة وتنظيم وتدوين هذا الأدب، وما يتكون منه أدب عاشوراء، وهو الأعمال والإنتاجات الأدبية والفنية التي موضوعها حياة الإمام الحسين وواقعة كربلاء وبيان فلسفة القيام ورد الشبهات حوله، وكذلك دراسة وتصوير حياة وأعمال أصحاب الإمام، ودراسة وشرح القصائد والأشعار والأناشيد التي أُلِّفت في هذا المجال بأساليب علمية أدبية.

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع