|
كثيرا ما أنشد الشعراء في فريضة الحج
وتمنوا شهوده مع الحجيج، فمنهم من أطال،
ومنهم من أوجز واختصر.
ومن أجمل القصائد التي قيلت في الحج
قصيدة ابن القيم المسماة بـ"ميمية ابن
القيم"، والتي كتبها، وهو في طريقه إلى
الحج، يقول فيها:
أمَـا وَالـذِي حَـجَّ الْمُحِبُّـونَ
بَيْـتَـهُ
وَلبّوا لـهُ عنـدَ المَهَـلِّ
وَأحْـرَمُـوا
وقدْ كَشفُـوا تِلـكَ الـرُّءوسَ
توَاضُعًـا
لِعِـزَّةِ مَـن تعْنـو الوُجـوهُ
وتُسـلِـمُ
يُهـلُّـونَ بالبـيـداءِ لبـيـك
ربَّـنـا
لكَ المُلكُ والحَمْـدُ الـذي أنـتَ
تَعْلـمُ
دعاهُـمْ فلـبّـوهُ رِضًــا
ومَحَـبَّـةً
فلمَّـا دَعَـوهُ كـان أقــربَ منـهـمُ
وَقدْ فارَقوا الأوطـانَ والأهـلَ
رغبـةً
ولــم يُثنِـهِـمْ لذَّاتُـهُـمْ
والتَّـنَـعُّـمُ
يَسِيـرونَ مِـن أقطارِهـا وفِجاجِـهـا
رِجــالا ورُكْبـانـا ولله
أسْـلـمُـوا
رؤية الكعبة
ولمَّـا رأتْ أبصارُهُـم بيتَـهُ
الــذي
قلـوبُ الـوَرَى شوقًـا إليـهِ
تَضَـرَّمُ
كأنهـمُ لـمْ يَنْصَـبُـوا قــطُّ
قبْـلـهُ
لأنَّ شَقاهُـمْ قـد تـرحَّـلَ
عنْهُـمُـو
فلِلَّـهِ كـمْ مِــن عَـبْـرةٍ
مُهْـرَاقـةٍ
وأخـرى علـى آثـارِهـا لا تَـقَـدَّمُ
وَقـدْ شَرِقـتْ عيـنُ المُحِـبِّ
بدَمْعِهـا
فينظـرُ مِـن بيـنِ الدُّمـوعِ
ويُسْجِـمُ
إذا عَايَنَـتْـهُ العَـيْـنُ زالَ
ظلامُـهـا
وزالَ
عـن القلـبِ الكئيـبِ التـألُّـمُ
ولا عجـبٌ مِـن ذا فحِيـنَ أضـافـهُ
إلى نفسِـهِ الرحمـنُ فهـو المعظَّـمُ
كسَـاهُ مـنَ الإجْـلالِ أعظـمَ
حُـلـةٍ
عليهـا طِــرازٌ
بالمَـلاحَـةِ مُعْـلَـمُ
فمِـنْ أجـلِ ذا كـلُّ القلـوبِ
تُحِـبُّـهُ
وتَخْضَـعُ إجْــلالا لــهُ
وتُعَـظِّـمُ
الذهاب إلى عرفة
ورَاحُوا إلى التَّعْريفِ يَرْجُـونَ
رحمـةً
ومغفـرة مِـمَّـن يـجـودُ
ويُـكـرِمُ
فلِلـهِ ذاكَ الموقـفُ الأعظـمُ الــذي
كموقفِ يومِ العَـرْضِ بـلْ ذاكَ أعظـمُ
ويدْنُـو بـهِ الجبّـارُ جَــلَّ
جـلالُـهُ
يُباهِـي بهـمْ أمْلاكَـه فهـو أكــرَمُ
يقـولُ عِبـادِي قـدْ أتونِـي
مَحَـبَّـةً
وَإنِّـي بهـمْ بَـرٌّ أجُــودُ
وأرْحَــمُ
فأشْهِدُكُـمْ أنِّـي غَـفَـرْتُ
ذنُوبَـهُـمْ
وأعْطيْتُـهُـمْ مــا أمَّـلـوهُ
وأنْـعـمُ
فبُشراكُمُ يـا أهـلَ ذا المَوقـفِ
الـذِي
بـه يَغـفـرُ اللهُ الـذنـوبَ
ويَـرحـمُ
فكـمْ مِـن عتيـقٍ فيـه كَمَّـلَ
عِتقـهُ
وآخـرَ يسْتسعـى وربُّــكَ أرْحَــمُ
ذلة الشيطان في ذلك اليوم
ومَا رُؤى الشيطانُ أغيظَ فـي الـوَرَى
وأحْقـرَ
منـهُ عنـدهـا وهــو ألأَمُ
وَذاكَ لأمْــرٍ قـــد رَآه فـغـاظـهُ
فأقبـلَ يَحْثُـو التُّـرْبَ غَيْظـا
وَيَلطُـمُ
وما عاينتْ عينـاه مِـن رحمـةٍ أتـتْ
ومغفرةٍ مِن عنـدِ ذي العـرْشِ تُقْسَـمُ
بَنَـى مـا بَنـى حتـى إذا ظـنَّ أنـه
تمَكَّـنَ مِـن بُنيانِـهِ فـهـو
مُحْـكَـمُ
أتَـى اللهُ بُنيَانًـا لـه مِـن
أسـاسِـهِ
فـخـرَّ علـيـه ساقـطـا يـتـهـدَّمُ
وَكمْ قـدْرُ مـا يعلـو البنـاءُ
ويَنْتهـي
إذا كـان يَبْنِيـهِ وذو العـرش
يـهـدِمُ
الذهاب لمزدلفة
وراحُوا إلى جَمْعٍ فباتُـوا بمَشعَـرِ
الْـ
ـحَرَامِ وصَلَّـوْا الفجْـرَ ثـمَّ
تقدَّمـوا
إلى الجَمْرةِ الكُبـرَى يُريـدون
رَمْيَهـا
لوقـتِ
صـلاةِ العيـدِ ثـمَّ تيَمَّـمُـوا
منازلَهـمْ للنحْـرِ يَبـغـونَ
فضـلَـهُ
وإحيـاءَ نُسْـكٍ مِـن أبيهـمْ
يُعَـظَّـمُ
فلوْ كـان يُرضِـي اللهَ نَحْـرُ
نفوسِهـمْ
لدانُـوا بـهِ
طوْعًـا وللأمـرِ سلَّمُـوا
كمـا بَذلُـوا عنـدَ الجِهـادِ
نُحورَهُـمْ
لأعدائِـهِ حتَّـى جـرَى منهـمُ
الــدَّمُ
ولكنَّهـمْ دانُـوا بـوضْـعِ
رءوسِـهـمْ
وذلِـــكَ ذلٌّ للعـبـيـدِ
ومَـيْـسَـمُ
إلى طواف الإفاضة
ولمَّـا تقضَّـوْا ذلـكَ التَّفَـثَ
الــذِي
عليهـمْ وأوْفَـوا نذرَهُـمْ ثـمَّ
تَمَّـمُـوا
دعاهُـم إلـى البيـتِ العتيـقِ زيـارةً
فيَـا مرحَبًـا بالزائِـريـن
وأكــرمُ
فلِلـهِ مـا أبْـهَـى زيارتَـهُـمْ
لــهُ
وقـدْ حُصِّلـتْ تلـكَ الجَوائـز
تُقْسَـمُ
وَللهِ أفـضـالٌ هـنــاكَ ونِـعْـمَـةٌ
وبِـرٌّ وإحْسَـانٌ وجُــودٌ
ومَـرْحَـمُ
عودة إلى منى
وعادُوا إلى تلـكَ المنـازلِ مِـن
مِنَـى
ونالُـوا مناهُـمْ عنـدَهـا
وتَنَعَّـمُـوا
أقامُـوا بهـا يومًـا ويومًـا
وثالـثًـا
وأذِّنَ فِيـهـمْ بالرحـيـلِ
وأعْلِـمُـوا
وراحُوا إلـى رمْـيِ الجمـارِ
عَشِيَّـةً
شعـارُهُـمُ التكْبـيـرُ واللهُ
معْهُـمُـو
فلـو أبْصـرَتْ عينـاكَ موقفَهـمْ بهـا
وَقدْ بسَطـوا تلـكَ الأكـفَّ
لِيُرْحَمُـوا
ينادونَـهُ يــا ربِّ يــا ربِّ إنـنـا
عبيـدُكَ لا ندْعـو ســواكَ وتَعْـلـمُ
وها نحنُ نرجو منكَ مـا أنـتَ أهلُـهُ
فأنتَ الـذي تُعْطِـي الجزيـلَ
وتُنْعِـمُ
وداع الكعبة
ولمَّا تقضَّـوْا مِـن مِنًـى كـلَّ
حاجـةٍ
وسالـتْ بهـمْ تلـكَ البِطـاحُ تقدَّمـوا
إلـى الكعبـةِ البيـتِ الحَـرامِ
عشيـةً
وطافُوا بهـا سبْعًـا وصَلـوْا
وسَلَّمُـوا
ولمَّـا دَنـا التوْدِيـعُ منهـمْ
وأيْقـنُـوا
بــأنَّ التـدَانِـي حبْـلُـهُ
مُتَـصَـرِّمُ
ولــمْ يـبـقَ إلا وقـفـةٌ
لِـمُـوَدِّعٍ
فلِـلـهِ أجـفـانٌ هـنـاكَ
تُـسَـجَّـمُ
وللهِ أكـبــادٌ هـنـالِــكَ أُودِعَ
الْـ
ـغـرامُ بهـا فالنـارُ فيهـا تَـضـرَّمُ
وللهِ أنـفــاسٌ يـكــادُ بِـحَـرِّهـا
يـذوبُ
المُحِـبُّ المُسْتـهَـامُ المُتـيَّـمُ
فـلـمْ تــرَ إلا باهِـتًـا
مُتَحَـيِّـرًا
وآخــرَ يُـبْـدِي شـجـوَهُ
يَتـرَنَّـمُ
رَحَلـتُ وأشْواقِـي إليـكـمْ
مُقِيـمَـةٌ
ونـارُ الأسَـى مِنِّـي تَشُـبُّ
وتَضْـرمُ
أوَدِّعُكُـمْ والشـوقُ يُثـنِـي
أعِنَّـتِـي
وقلبـيَ أمْسَـى فِـي حِماكُـمْ
مُخَـيِّـمُ
هنالِكَ لا تَثْريـبَ يومًـا عَلـى
امـرئٍ
إذا مـا بَـدا منـهُ الـذي كـانَ
يَكْتُـمُ
فيَـا سائِقيـنَ العِـيـسَ باللهِ
ربِّـكـمْ
قِفوا لِي علـى تلـكَ الرُّبـوعِ
وسَلِّمُـوا
وقولوا مُحِـبٌّ قـادهُ الشـوقُ
نحوكُـمْ
قضَى نحبَـهُ فيكُـمْ تَعِيشُـوا
وَتسْلمُـوا
قضَى اللهُ ربُّ العرشِ فيمَا قضَـى
بـهِ
بـأنَّ الهـوَى يُعمِـي القلـوبَ
ويُبْكِـمُ
وحُبُّكُـمُ أصْــلُ الـهَـوَى
ومَــدَارُهُ
علـيـهِ وفــوزٌ للمُـحِـبِّ
ومَغْـنَـمُ
استمع إلى:
|